
بقلم/ إيهاب الأمين
شاهدت فيديو قصيراً صاحبه مصري حسب اعتقادي يقارن بين السودان واليابان، الفيديو قصير لكن رسالته استفزت القلم داخلي فأخذني وبدأ يكتب..
تقف على طرفي خريطة العالم دولتان تفصل بينهما مسافات شاسعة وتجمع بينهما إنسانية واحدة فالسودان في قلب افريقيا واليابان في اقصى شرق اسيا وبينهما تمتد قصص من التباين والتقارب تستحق ان تروى في سطور واحدة متصلة.
من حيث المساحة يبدو الفرق واضحاً فالسودان حتى بعد انفصال جنوبه عام 2011 لا يزال يمتد على نحو مليون وثمانمئة الف كيلومتر مربع تقريباً، مما يجعله ثالث أكبر دولة في افريقيا، بينما تمتد اليابان على حوالي ثلاثمئة وسبعة وسبعين الف كيلومتر مربع موزعة على أرخبيل من الجزر يتجاوز عددها ستة آلاف جزيرة أربع منها فقط تستحوذ على الغالبية العظمى من اليابسة وهكذا ترى بلداً صحراوياً وسهلياً مترامي الأطراف يقابله بلد جزري جبلي ضيق المساحة.
أما عدد السكان فيبلغ في السودان نحو ثمانية وأربعين مليون نسمة بمعدل نمو مرتفع وشريحة شبابية واسعة في حين يقارب عدد سكان اليابان مئة وخمسة وعشرين مليون نسمة لكن بمعدل نمو سالب وشيخوخة متسارعة تجعل المجتمع الياباني من اهرم المجتمعات سناً في العالم فالسودان بلد فتي يتسع ابناؤه في ارضه الواسعة واليابان بلد هرم يتقلص ابناؤه في جزره المحدودة.
وفي باب الموارد الطبيعية يملك السودان ارضا خصبة على ضفاف النيل الابيض والازرق ونهر النيل وأنهار أخرى موسمية وثروة حيوانية ضخمة ورواسب من الذهب والحديد والكروم والنفط بينما تعتمد اليابان على بحر غني بالاسماك وموارد معدنية شحيحة فلا نفط لديها ولا غاز يذكر ولا اراض زراعية واسعة لكنها عوّضت ذلك بعقول ابنائها وصناعتها الدقيقة.
وعن استغلال الموارد يتضح ان السودان لم يستثمر بعد كامل امكاناته، فمساحات شاسعة من اراضيه الصالحة للزراعة ما زالت بوراً، وتعدينه للذهب لا يزال في كثير منه تقليدياً والبنية التحتية للنقل والتخزين تعيق تصدير منتجاته في حين ان اليابان التي لا تملك الا القليل من الموارد الخام استوردت النفط والحديد والقطن ثم اعادت تشكيلها سيارات والكترونيات وسفناً تصدرها الى العالم اجمع فاصبحت ثالث اكبر اقتصاد في العالم رغم فقرها المعدني.
وفي انظمة الحكم تعيش اليابان في ظل ملكية دستورية برلمانية فالامبراطور رمز للدولة لا يملك سلطة سياسية فعلية بينما يتولى رئيس الوزراء والحكومة والبرلمان ادارة شؤون البلاد في اطار ديمقراطي مستقر منذ عقود اما السودان فقد عرف منذ استقلاله عام 1956 تقلبات حادة بين حكومات برلمانية وانقلابات عسكرية وفترات انتقالية ولا يزال يبحث عن صيغة حكم مستقرة تجمع بين تمثيل الشعب وسلطة القانون بعد ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من اضطرابات.
وفي اليابان نظام قضائي مستقل ومنظم ونسبة الجريمة منخفضة الى حد لافت والسجون قليلة النزلاء مقارنة بعدد السكان والفساد الاداري محدود بفضل رقابة صارمة وثقافة مجتمعية تميل الى الانضباط بينما يعاني السودان من تحديات كبيرة في استقلالية القضاء وتطبيق القانون على الجميع بالتساوي وقد أثرت الحروب والنزاعات المسلحة في ولايات عدة على قدرة الدولة على بسط العدالة ولا تزال جهود الاصلاح القضائي مستمرة لكنها تواجه عقبات سياسية واقتصادية.
وفي الاديان والتعايش يدين غالبية السودانيين بالاسلام مع وجود اقليات مسيحية وممارسات روحية محلية في بعض المناطق وقد عرف السودان تاريخاً من التصوف والتسامح بين مذاهبه وطرقه الصوفية المختلفة غير أن فترات من التوتر الديني والعرقي شابت بعض المراحل اما اليابان فتسود فيها الديانتان الشنتوية والبوذية في آن واحد فيتزوج الياباني على الطريقة الشنتوية ويدفن على الطريقة البوذية دون ان يرى في ذلك تناقضاً كما ان الالحاد منتشر والتعايش الديني هناك هادئ وطبيعي الى حد ان المعبد الشنتوي قد يجاور المسجد والكنيسة في حي واحد.
السودان يقدم مطبخاً بسيطاً غنياً بالحبوب والبقول فمن الكسرة وكلكم تعرفونها ولمن لا يعرفها من غير السودانيين أو السودانيين الحناكيش فهي رقائق من الذرة او الدخن تؤكل مع ملاحات مختلفة، الى العصيدة والفول المدمس (الفول المصري) والفتة. اما المشروبات فالكركدي والعرديب (يسمى تمر هندي في الدول العربية الأخرى) والحلو مر (الآبري الاحمر) في رمضان، بينما اليابان تشتهر بمطبخ راق يعتمد على الارز والاسماك والاعشاب البحرية ومن اشهر اطباقها السوشي والرامن والتيمبورا وكل وجبة تقدم بعناية جمالية في أوانٍ صغيرة تعكس فلسفة البساطة والاتقان.
وفي الموسيقى والايقاعات ينبض السودان بتنوع ايقاعي هائل فمن الدلوكة والرقص بالزانج في الشرق الى الطمبور وإيقاع الدليب في الشمال وايقاعات النوبة والزرع في الغرب، وتتنوع المقامات والاغاني بين الحقيبة والمدائح النبوية اما الموسيقى اليابانية فتقوم على آلة الكوتو ذات الاوتار الثلاثة عشر والناي الشاكوهاشي والطبل التايكو وهي موسيقا تعتمد على الصمت والمسافات بين النغمات بقدر ما تعتمد على الصوت نفسه فتسمع في اليابان لحناً يخلو من ازدحام النوتات بينما يمتلئ السودان بضجيج ايقاعي حي ومبهج.
يضم السودان عشرات المجموعات العرقية من عرب ونوبة وبجا وفور وزغاوة ونوبا وفلاتة وقبائل اخرى كثيرة لكل منها لغتها وعاداتها وتاريخها وهذا التنوع ثراء لكنه كان ايضاً مصدر نزاعات حين غاب الاعتراف المتبادل اما اليابان فتكاد تكون مجتمعاً متجانساً عرقياُ اذ يشكل اليابانيون الاصليون أكثر من سبعة وتسعين في المئة من السكان مع وجود اقليات صغيرة من الاينو والريوكيو والمقيمين الكوريين والصينيين وهذا التجانس سهّل الانسجام الاجتماعي لكنه جعل اليابان أقل خبرة في التعامل مع التعدد الثقافي مقارنة بالسودان.
هكذا نرى بلدين يفصل بينهما كل شيء تقريباً المساحة والمناخ والدين واللغة والتاريخ لكنهما يلتقيان في أن الإنسان فيهما يسعى الى الكرامة والعدالة واللقمة الطيبة والنغمة الجميلة ويبقى الأمل ان يتعلم كل منهما من الاخر، فالسودان يملك ما تحتاجه اليابان من أرض وموارد وشباب واليابان تملك ما يحتاجه السودان من نظام وانضباط وتقنية وعقول والعالم يتسع للجميع اذا احسنوا النظر الى ما يجمعهم لا الى ما يفرقهم.
والآن وقد سطرنا ما سطرنا من مقارنات يبقى أن نقول كلمة صريحة بلا مجاملة فالسودان يملك نهراً لا تملك اليابان قطرة منه وارضاً لو زرعت لأطعمت قارة وشمساً لا تغيب (لا أقصد قناة الشروق) وذهباً تحت التراب وثروة حيوانية لا تعد.. ثم ماذا؟ ثم جلسنا نتفرس في وجوه بعضنا ونتبادل الانقلابات ونغير اسماء الوزارات ونزيد عددها في كل مرة لنزيد وظائف النافذين وأهلهم دون تقديم خدمة ونعلن الطوارئ بينما الياباني الذي لا يملك شجرة واحدة يصنع منها ورقاً يكتب عليه خطة خمسية ثم ينفذها في ثلاث سنوات ثم يعتذر للشعب لانها تأخرت أسبوعين.
الفرق ليس في العقول يا سادة فالعقل السوداني ذكي حاد وقادر لكنه عقل مهدور في طوابير الخبز والوقود والمياه وعقل مشغول بتدبير إيجار المنزل وعقل يهرب من الوطن لأنه اذا بقي فسيكتب تقريراً فيدرج اسمه في قائمة فيهرب إلى دولة أخرى تقدّر هذا العقل. اما العقل الياباني فهو عقل فارغ.. فارغ من هذه الهموم كلها لانه لا يقف في طابور ولا يخاف من تقرير ولا ينتظر وزيراً يوقع له ورقة فيفرغ عقله كله لاختراع وتصنيع وتطوير، والياباني اذا سرق ينزله حزبه من منصبه في اليوم التالي واذا كذب ينحني امام الكاميرا ويعتذر ويستقيل ويبكي على الهواء ثم يذهب الى بيته في طوكيو يربي اسماكه في الحوض اما عندنا فالوزير يقبض عليه متلبساً ثم يخرج بكفالة ثم يعين سفيراً ثم يعود وزيراً ثم يكتب مذكراته ويبيعها في معرض الكتاب، والبرلمان عندنا يصفق والصحيفة تكتب والشارع يضحك ثم نعيد الكرّة بعد عامين.
وعامل النظافة في طوكيو يمسح الرصيف وكانه يمسح وجه أمه وموظف القطار يعتذر عن تاخير دقيقة والطفل الياباني ينظف مدرسته بنفسه كل يوم اما نحن فنرمي القمامة من نافذة السيارة على رصيف بناه عامل مسكين ثم نلعن البلدية ثم نلعن الحكومة ثم نلعن الاستعمار الذي رحل منذ سبعين سنة وننسى اننا نحن من لم يبنِ شيئا منذ أن رحل الاستعمار.
ان اليابان لم تتفوق لانها اذكي منا بل لانها قررت ان تعمل بصمت وان تحاسب نفسها بصرامة وان تجعل القانون فوق الجميع فعلاً لا شعاراً، ونحن تفوقنا عليها في شيء واحد فقط وهو قدرتنا العجيبة على اختراع الاسباب التي تمنعنا من التقدم ثم نسميها قدراً ونقول الحمد لله.
هم بنوا وطناً ونحن بنينا كراهية، هم صنعوا قطاراً سريعاً ونحن صنعنا لجنة لدراسة جدوى القطار، هم وصلوا الى القمر ونحن ما زلنا نختلف على اسم الشارع الذي يمر امام بيت الوزير، هم حددوا ما يريدون ونفذوا ونحن نشتم من يطالب بالحكم المدني الذي يقدر العقول ويحقق العدل والمساواة والحرية المنضبطة بأنه قحاتي.



