
دكتور أسامة خيال
إذا كانت هناك جائزة عالمية لأكثر شعب منشغل بحل مشاكل الآخرين وهو غارق حتى أذنيه في مشاكله الخاصة، فإن الشعب السوداني سيفوز بها دون منافسة، وربما يطالب بإضافة ميدالية ذهبية أخرى تقديراً للجهد الإضافي.
فالسوداني العادي يستيقظ صباحاً وهو لا يعرف متى ستأتي الكهرباء، ولا متى ستصل المياه، ولا إن كان الطريق إلى العمل ما زال موجوداً أم تحول إلى بحيرة موسمية، لكنه رغم ذلك يمتلك قدرة خارقة على تحليل الأزمة الأوكرانية، ووضع خطة سلام للشرق الأوسط، وإعادة هيكلة الأمم المتحدة، وإصلاح الاقتصاد الأمريكي، وتقديم نصائح مجانية للصين حول كيفية إدارة تجارتها مع العالم.
وفي جلسات الشاي والقهوة، تجد المواطن السوداني يناقش بحماس مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومصير الدولار، ونتائج الانتخابات في الدول البعيدة، بينما الحفرة الموجودة أمام منزله منذ عشر سنوات أصبحت معلماً أثرياً معترفاً به من أطفال الحي وأحفادهم.
والغريب أن السوداني يملك حلولاً عبقرية لكل مشاكل العالم. فإذا سألته عن أزمة الطاقة في أوروبا قدم لك دراسة متكاملة، وإذا ناقشته في النزاعات الدولية رسم لك خريطة طريق للسلام، أما إذا سألته عن مشكلة القمامة المتراكمة في شارعه فسيجيبك بثقة:
“دي مسؤولية الحكومة.”
لقد أصبح السوداني خبيراً دولياً في كل شيء إلا في إدارة شؤونه المحلية. فهو يعرف عدد الرؤوس النووية لدى الدول الكبرى أكثر مما يعرف عدد الأشجار المزروعة في حيه، ويحفظ أسماء وزراء خارجية بعض الدول أكثر مما يعرف أسماء أعضاء لجنة الخدمات في منطقته.
ومن عجائب هذه الظاهرة أن السوداني لا يكتفي بتحليل مشكلات العالم، بل يغضب إذا لم يأخذ العالم بنصائحه. فقد يقضي ساعات يشرح كيف كان ينبغي لدولة ما أن تدير حرباً أو اقتصاداً أو انتخابات، بينما سقف منزله ينتظر أول مطرة ليبدأ برنامجه السنوي في تسريب المياه.
وفي الحقيقة، لو تم تحويل نصف الطاقة التي تُستهلك في النقاشات السياسية العالمية إلى تنظيف شارع واحد أو صيانة مدرسة واحدة أو زراعة حديقة صغيرة، لتحولت مدن السودان إلى نماذج عالمية في التنمية. لكن يبدو أن الاهتمام بالمشكلات البعيدة أكثر راحة من مواجهة المشكلات القريبة، لأن حل أزمة عالمية على طاولة القهوة لا يحتاج إلا إلى الكلام، أما حل مشكلة محلية فيحتاج إلى عمل وجهد ومتابعة.
وهكذا يظل السوداني واقفاً في وسط منزله المشتعل، ممسكاً بخرطوم مياه قصير، لكنه يوجهه بثقة نحو حرائق القارات الأخرى، ثم يتساءل في دهشة صادقة: لماذا لا ينطفئ الحريق عندنا؟
فربما يكون السودان هو الدولة الوحيدة التي يمتلك شعبها حلولاً جاهزة لإنقاذ العالم كله، بينما ما زال يبحث عن حل دائم لمشكلة أقرب صنبور مياه في الحي.



