الأعمدة

نوادِِر المفردات ومشتقات الالفاظ في قصائد الشاعر/ مصطفى بطران الغنائية

بقلم إسماعيل السيد أحمد
يُعد الشاعر/ مصطفى الحاج بطران (1904- 1939م) من رواد النُّخبة التَّحديثيَّة في الشعر الغنائي السوداني، ومن حُداة ركب التغيير فيه، إذ لم يقتصر دوره على الثورة على بحور الشعر التقليدية وعروضه، ولم يختزل على رفضه لصور البلاغة التقليدية واستعاراتها. بل تعدى كل ذلك مدركاً لأهمية التّجديد اللّغوي في الأغنية السودانية، وموقناً بأن الإبداع الشّعري لا يتحقق إلاّ من خلاله.
إذ إنه أثرى الشعر الغنائي السوداني بمفردات جديدة لم تكن ذَائِعة التداول، واسعة الشيوع، الامر الذي جعل قصيدته الغنائية مُترَّفة الشكل، حسنة السَّمَاع، عذبة اللحن، جزلة الأداء.
المقال الذي بين ايديكم يهدف إلى تقفي الأثر اللفظي للشاعر/ مصطفى بطران من خلال تناوله للعديد من المفردات النادرة والألفاظ المُشتقة في قصائده الغنائية، واستبانة مدى مدلولها اللغوي والنفسي لدى المستمع، وأثر ذلك على القصيدة الغنائية نفسها. إذ إن استخدامه لنوادر المفردات وتوليده للعديد منها عبر الاشتقاق اللفظي ساعد -دون أدنى شك- في تنمية اللغة الغنائية، وأثرى صفحاتها المعجمية بثروة لفظية كبيرة، مما جعل القصيدة – إلى حد كبير- قادرة على مسايرة تطورات الحياة الفكرية والسياسية والتقنية.
فعلى سبيل المثال في أغنية “دمعة الشوق كُبيّ” التي تغنى بها كروان السودان عبد الكريم عبد الله مختار (كرومة)، استخدم الشاعر مفردة “دأَبك” مخاطباً محبوبته (عهدي بيك يا جميل** دأبك الحلم)، وهي مفردة شحيحة الاستعمال في الشعر الغنائي السوداني إن لم تكن مُنَعدِمة فيه، وباستعماله لها أضاف الشاعر إلى المخاطَبة (المحبوبة) صفة الحِلم الفطري، وجعله جزءً من تكوينها الطبيعي (البيولوجي)، مما يؤكد بأن صفة الحلم راسخة ومتأصلة عندها وليست صفة مكتسبة. وباستخدامه لمفردة “دأبك” يكون الشاعر حافظ على نعومة الألفاظ ورقة المشاعر الواردة في شطر البيت (عهدي بيك يا جميل)، ومن الناحية الموسيقية عمل على استمرارية انسياب الإيقاع الهادي للنص، وفي ذات الوقت عبّر عن اعجابه برسوخ وفطرية صفة الحلم لديها.
وفي ذات القصيدة استخدم الشاعر مفردة ضنِينة الاستخدام وهي” نير “، (وارى هجرك لي **نير الظلم)، باستعماله لمفردة ” نير ” يكون الشاعر قد صوّر هجر محبوبته له بقيود الظلم التي ترهق نفسه وتكبّل آماله. كما أن استخدامه لها ينم عن مدلول لغوي له مفارقات دلالية واضحة تعكس اضطرابه الداخلي بفداحة الظلم وشعوره بخمود المشاعر في نفسه، بالإضافة إلى إنه يعكس الألم العاطفي العميق الناتج عن الهجر.
ومما يجدر ذكره، بأن مفردة (نير) تم تداولها بشيوع في الخطاب السياسي المناهض للاستعمار (آنذاك) للدلالة على ظلم المستعمر للشعب السوداني.
وفي أغنية “عَقْلِي انْشغَل بِهوَاك والحِكْمَة عِيني” التي لحانها الحاج/ محمد أحمد سرور وسجلها للإذاعة الفنان/ الأمين برهان، جادت قريحة الشاعر بمفردة نادرة السماع وهي” لاَجَّة” (لأجة ومجافية النوم** يا أربعيني) للدلالة على مدى تمادى عينه في فجور خصومتها للنوم ومُلادَّتها له، وذلك بسبب انشغال قلبه بهوى محبوبته (عَقْلِي انْشغَل بِهوَاك والحِكْمَة عِيني). وباستخدامه لهاتيك المفردة يؤكد الشاعر تعلقه العاطفي المفرط بالمحبوبة، كما إنه يفصح عن اقراره بسيطرة هواها على فكره وشعوره.
استخدم الشاعر عبارة “ميته بالفرحة” المُوغلة في العامية السودانية في البيت التالي: (وتضحك الأزهار **ميته بالفرحة) في قصيدته الغنائية “اطرد الاحلام يا جميل اصحى” التي لحنها وشدا بها الحاج/ محمد احمد سرور، استخدام الشاعر لمفردة (ميته) مقرونة بمفردة “الفرحة” يكون الشاعر قد استخدم عبارة لم تكن مألوفة في الشعر الغنائي السوداني. حيث جمعت العبارة بين حالتي الموت والفرح في مفارقة بلاغية بديعة، مما اضفى على النص القاً، واوقد في ذهن المستمع دهشةً. إذ إن الجمع بينهما في عبارة واحدة يعكس تناقضاً نفسياً ولغوياً معاً، حيث إنه يجعل الفرحة قادرة على إحياء الجماد ومنحه الروح وبث الحياة فيه. كما أن استخدامها يعكس القدرة على إسقاط المشاعر الإنسانية على الطبيعة، وهو ما يُشعر القارئ بالارتباط العاطفي بالحياة، ويجعل النص أكثر حيوية وإيحاءً.
انتقى الشاعر في أغنية “دمعة الشوق كُبيّ” مفردة “نواحي” بمدلول الظرف المكاني لها، كما في البيت التالي:
انتحل جسمي والمحال طبي
مصدره الزهرة ألفي “نواحي” سهيل
لم يكن اختيار الشاعر لمفردة “نواحي” وليد المصادفة أو حصيلة لنافلة قول، بل جاء انتقاءً صفوياً له دلالات بائنة في اللغة، حيث وظّفها للإيحاء ببعد مسافة لقائها واستحاله شفائه. فالمصدر الذي ينسب إليه الشاعر علّته (انتحال جسمي) لا يتموضع في مكان قريب، بل يقبع في آفاق بعيدة تتوزّع بين كوكبي الزهرة وسهيل (مصدره الزهرة الفي **نواحي سهيل)، وحينها يتعالى الجمال ويترفع عن الإدراك، ويتَعَذَّر المنال. وباستعماله لمفردة “نواحي”، تعززت فكرة استحالة الوصول إلى المحبوبة وصعوبة التوصل إلى علاجه معاً.
عَمَد الشاعر لاشتقاق العديد من الألفاظ في قصائده الغنائية، مدركاً أهميته ودوره في استحداث وتوليد الفاظ جديدة تتنوع دلالاتها ومغازيها، مما يمنح الشاعر المرونة في التعبير ويضيف للنص التناسق الصوتي والإيقاعي.
ففي قصيدة “زمن الربيع حلّا” التي لحنها وغناها عميد الفن السوداني الحاج/ محمد أحمد سرور استخدم الشاعر مفردة “عاضض” وهي مفردة لم يألفها الشعر الغنائي السوداني: (أقضي الليالي حزين ** عاضض على الإبهام)، حيث وظّفها في تصوير حركي بديع صوّر فيه مدى احساسه بالحزن، وشارحاً من خلاله حالته النفسية، وبذلك الاستخدام يكون الشاعر قد نقل النص الشعري إلى مشهد درامي مشحون بالحركة، مما يمكّن القارئ من تخيّله وكأنه في مشهد سينمائي يصور فيه إحساسه بالحزن الذي انتابه. الأمر يجعل القصيدة تنبض حيّويةً، وقدرةً في نقل شعوره بعمق، ودون أن يلجا لاستخدام عدد كبير من المفردات.
في قصيدة “عَقْلِي انْشغَل بِهوَاك ” الغنائية اشتق الشاعر مفردة ” مَحَّق ” من كلمة (مَحَقَ) الدالة على النقصان، حيث استعمالها في بيت الواحد أكثر من مرة (مَحَّق على نٌومي** ومَحَّق سِنينِي) تكرار المفردة يعكس حالة معاناة الشاعر واستمراريتها. إذ إن الشاعر عمد إلى التشخيص المعنوي لحالته التي لم تقتصر على قلة نومه فقط، بل تجاوزته إلى تآكل العمر ونقصانه (ومَحَّق سِنينِي).
في قصيدة ” اطرد الاحلام” اشتق الشاعر من كلمة اِنطرحَ مفردة ” مُنطرَحة” في البيت التالي: (شوف وجوه الروض** باسمة مُنطرَحة) حيث أضافت المفردة المشتقة إلى النص مشهد بانورامي تزينه أجواء استرخاء وانبساط الحدائق، وتوحي للمستمع/ القارئ حبور ابتسام الحياة والاسترخاء والسكينة، مما يجعل الحدائق أكثر جمالاً وجاذبيةً وتحفز القارئ ليصبح أكثر تَّرْدَاداً لتلك الحدائق.
في قصيدة (عزة وصالك) التي لحنها وغناها الحاج/ محمد احمد سرور اشتق الشاعر مفردة “سَمِيُّتك” من مفردة ” سَمِيُّ “والتي تعني الموافقة في الاسم، في البيت التالي:
العلي يا عزة ** لو قليل أو كثير
زي سميتك قبلك ** جننته كثير
يبدي الشاعر تعبيره عن عميق حبه وكثرة إعجابه بمحبوبته “عزة”، ويشرح معاناته في سبيل وصالها، ويصّور ما اعتراه من وله ووجد وهيام شأنه شأن الشاعر الأموي كُثَيِّر عَزَّةَ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْخُزَاعِيّ (644 – 723 م) الشهير ب «كُثَيِّر عَزَّةَ»، وشأن محبوبته شان سميتها عزة معشوقة كُثَيِّر. فكأن الشاعر يتقفى خطى كُثَيِّر في لوعة الهوى وحرقة صبابته وصدق عاطفته، وباستخدامه لمفردة “سَمِيُّتك” يجعل محبوبته عزّة تتقفى أثر معشوقة كُثَيِّر (عَزَّة)، في سحرها وأثرها الآسر في قلبه وصعوبة وصالها.
اشتقّ الشاعر مفردة “البدرية” في قصيدته «ما بالنية فرقك يا الدرة المكنية»، التي لحنها وتغنّى بها الفنان/عبد الله الماحي، ليُجسّد بها عميق شوقه، وحنينه إلى أيام صباه، حين قال:
يا حليل أيامنا البدرية ** ليلتنا الكانت قدرية.
وقد جاءت هذه المفردة المشتقة محمّلة بدلالات الحنين، مستدعية للماضي في صورة مثالية وضيئة، يكتمل فيها الصفاء كما يكتمل البدر في تمامه. ويتجلّى هذا الإحساس الوجداني بوضوح في عبارة “يا حليل”، التي تفيض أسى وشوقاً، وتنبِّئ بتعلّق الشاعر بزمن مضى، وليال خلينْ. استدعاء الشاعر ل (ليلة القدرية) فيه رمزية تمنح الليلة الموصوفة هالة من القداسة والسمو والاستثنائية.
تبوّأت نوادرُ المفردات ومشتقّاتُ الألفاظ منزلة سامية في الشعر الغنائي لدى مصطفى بطران، حتى غدت سِمة بارزة تكاد تسِم معظم قصائده. غير أنّ هذا المقال، على رحابته، يضيق عن استقصاء جميع تلك النماذج؛ وما عُرض فيه إنما هو شذرات منتقاة، يُستدل بها على ظاهرة جليّة في شعره. وفي خاتمة هذا المقال ندلف إلى نُبذة قصيرة عن الشاعر مصطفى الحاج بطران.
يُعد الشاعر/ مصطفى بطران، من أبرز شعراء الحقيبة، ولد في العام 1904ميلادية بمدينة الخرطوم بحري، حلة حمد، كان الابن البكر لوالده الذي إمتهن التجارة، تعلم مصطفى في الخلوة القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية ثم درس المدرسة الوسطى بالخرطوم. بعد إكماله المدرسة الوسطى عمل كاتبا في السكة حديد، فتنقل بحكم طبيعة عمله بين عدد من المدن وكانت أغلب رحلاته إلى مدينتي عطبرة وجوبا، لم يستمر في وظيفته بسبب مواجهته للحكم الإنجليزي في ذلك الوقت، عمل بمجلس البلدية في مدينة الخرطوم بحري في اواخر ايامه. لم يتزوج مصطفى بطران حتى وفاته، لأن الفتاة التي أحبها كانت تحب رجل آخر، فألهمه ذلك الكثير من اغنيات الالم والحرمان. تميز بإجادته للوصف، حتى سماه الشاعر مبارك المغربي «الوصاف» تعبيراً عن قدرته العالية على الوصف، كما سُمِي أيضا بشاعر الطبيعة، حيث كتب الكثير من الأغاني في وصف جمال الطبيعة: (أطرد الأحلام، زمن الربيع حلا، جنينة البلدية، وهبّ جانا النسيم عليل).
توفي مصطفى بطران في ريعان شبابه، بالتحديد في العام 1939م لم يتجاوز عمره وقتها الخامسة وثلاثين، ظل طريح الفراش بمستشفى النهر لمدة ثلاث سنوات قبل وفاته بسبب مرض السل، تحدث الشاعر مصطفى بطران عن معاناته من المرض في عدد من أغانيه. كتب بطران أغنية (دمعة الشوق) وهو في المستشفى على فراش الموت وأعطاها لـلفنان الحاج/محمد أحمد سرور الذي لحنها، وقام عبد الكريم كرومة بغنائها بمصاحبة آلة البيانو وسجلها في اسطوانة، الا ان بطران مات قبل تسجيلها وتقول الأغنية.
كتب العديد من القصائد الغنائية منها: (زمن الربيع حلا، ليل السعادة، ما بالنية فرقتك يا الدرة المكنية، دمعة الشوق، عقلي إنشغل بهواك، يا شادي قول، عازة وصالك، الناعس المكحول، أطرد الأحلام يا جميل، يا خفيف الروح، قوم بينا نلاقي مناظر)
**مصدر المعلومات عن الشاعر منقولة من موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)**

زر الذهاب إلى الأعلى