
✍️ محمد الفاتح حضرة
📖 قال الله تعالى:
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة: 37
📖 وقال سبحانه:
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف: 23
🤔 ما أعظم الفرق بين من يذنب ثم يعترف بخطئه ويتوب، وبين من يذنب ثم يكابر ويبرر ويصر على خطئه حتى يتحول الخطأ إلى كارثة عامة تصيب شعباً بأكمله!!
لقد أخطأ آدم عليه السلام، لكن نجاته كانت في الاعتراف بالذنب
لم يقل إن غيره هو المسؤول
ولم يبحث عن مبررات
ولم يختلق الروايات لتبرئة نفسه
بل قال:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
فجاءته الرحمة من الله
🧐 وعندما ننظر إلى السودان اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه:
من المسؤول عن هذا الخراب الذي نراه؟!
من المسؤول عن الدولة التي انهارت مؤسساتها؟!
ومن المسؤول عن الحرب التي قتلت وشردت وأفقرت ملايين السودانيين؟!
ومن المسؤول عن الكراهية والفتنة والانقسام الذي تم زرعه بين أبناء الوطن الواحد؟!
🤨 إن الصورة التاريخية منذ عام 1989م وحتى يونيو 2026م تقود إلى حقيقة يصعب الهروب منها:
أن جماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية هي المسؤول السياسي والفكري الأول عن الكارثة السودانية المعاصرة
فهي التي استولت على السلطة
وهي التي سيطرت لعقود على مؤسسات الدولة
وهي التي أعادت تشكيل الجيش وفق مشروعها السياسي
وهي التي دمرت الحياة السياسية الطبيعية
وهي التي أفسدت الخدمة المدنية
وهي التي حولت الولاء الحزبي إلى معيار للتوظيف والترقي والنفوذ
وهي التي فتحت أبواب الفساد والاستبداد والتمكين على مصاريعها
🛑 ثم إن قوات الدعم السريع لم تهبط من السماء
بل نشأت داخل البيئة السياسية والأمنية التي صنعتها سلطة المؤتمر الوطني
والقوانين التي منحتها الشرعية أُجيزت عبر مؤسسات الدولة التي كانت خاضعة لذلك المشروع السياسي
لذلك فإن التنصل من المسؤولية عن نتائج هذه السياسات لا يغير من حقائق التاريخ شيئاً
فالذي يصنع الأسباب يتحمل مسؤولية النتائج المترتبة عليها
والذي ينشئ الأداة لا يستطيع أن يتبرأ من آثارها حين تنقلب على المجتمع والدولة
🤔 لكن هل تقع المسؤولية على الحركة الإسلامية وحدها؟!
الإجابة المؤلمة:
لا
فالحركة الإسلامية تتحمل المسؤولية الأكبر، لكنها ليست الوحيدة
إن جزءاً كبيراً من الشعب السوداني يتحمل بدوره نصيباً من المسؤولية الأخلاقية والسياسية عما وصلنا إليه
🧐 فكم من الناس كانوا يرون الأخطاء ثم يسكتون؟!
وكم من الناس كانوا يعلمون بالفساد ثم يبررونه؟!
وكم من الناس كانوا يصفقون للحاكم ما دام يحقق لهم منفعة أو وظيفة أو مكسباً شخصياً؟!
وكم من الناس ظلوا لعقود يدافعون عن الجماعة مهما فعلت، ويهاجمون كل من ينتقدها أو يكشف أخطاءها؟!
📖 قال الله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ الأنفال: 25
🤨 بل إن المأساة ازدادت حين قررت فئات واسعة من السودانيين أن تدخل هذه الفتنة المسلحة بنفسها
فمنهم من حمل السلاح مع هذا الطرف
ومنهم من حمل السلاح مع الطرف الآخر
ومنهم من صار يبرر الجرائم إذا ارتكبها الفريق الذي يشجعه
ومنهم من صار يقيس الحق والباطل بمعيار الانتماء السياسي أو القبلي أو الجهوي
فأصبح السودان مليئاً بالناس الذين يكرهون الجريمة حين يرتكبها خصومهم، ثم يصمتون عنها حين يرتكبها حلفاؤهم!!
🛑 والحقيقة التي يهرب منها كثيرون هي أن الحروب لا يصنعها الجنرالات وحدهم
الحروب يصنعها أيضاً المصفقون
ويصنعها المبررون
ويصنعها تجار الكراهية
ويصنعها أصحاب الخطاب التحريضي
ويصنعها أولئك الذين يرسلون أبناء الفقراء إلى ساحات القتال بينما يجلسون هم في مقاعد المتفرجين
📖 قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة: 2
🌿 ولهذا فإن مسؤولية الحركة الإسلامية عما جرى لا تعفي بقية الشركاء من المسؤولية
كما أن مسؤولية القيادات لا تعفي القواعد
ومسؤولية صناع القرار لا تعفي من ساندهم وناصرهم وسكت عنهم
فالفتنة التي نعيشها اليوم لم يصنعها شخص واحد
ولا حزب واحد
ولا مؤسسة واحدة
وإنما صنعتها شبكة واسعة من المصالح والتحالفات والصمت والتبرير والانتهازية
لكن يبقى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الجماعة التي أمسكت بمقاليد الدولة لعقود طويلة وصاغت المؤسسات والسياسات والقيادات التي أوصلت السودان إلى هذا المنحدر
🤲 ولو أنهم سلكوا طريق آدم عليه السلام لكان الأمر مختلفاً
لو قالوا:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
واعترفوا بأخطائهم
واعتذروا لشعبهم
وتبرؤوا من الظلم والفساد وسفك الدماء
لربما فتح الله للسودان أبواباً من الرحمة والإصلاح
لكن المشكلة ليست في الخطأ وحده
المشكلة في الإصرار عليه
وليست في الذنب وحده
المشكلة في تحويل الذنب إلى مشروع سياسي وفكري يتم الدفاع عنه جيلاً بعد جيل!!
📖 قال الله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ القيامة: 14-15
📜🌿 الخاتمة
🤔 ما هو العلاج؟!
ما الطريق إلى رفع هذا البلاء عن السودان وأهله؟!
وما السبيل إلى أن يعيد الله إلينا الأمن والسلام والطمأنينة والرزق الكريم والمستقبل الذي ضاع من بين أيدينا؟!
الجواب ليس جديداً
بل هو قديمٌ قِدَمَ البشرية نفسها
هو ذلك الدرس الذي علَّمه الله لأبينا آدم وأمنا حواء بعد المعصية الكبرى التي كانت سبب الخروج من نعيم الجنة إلى عناء الدنيا وشقائها
لم يُعلِّمهما الله المكابرة
ولم يُعلِّمهما تعليق المسؤولية على الشيطان الذي وسوس لهما
ولم يُعلِّمهما البحث عن الأعذار والمبررات
بل علَّمهما كلمة واحدة تختصر طريق النجاة كله:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
🧐 والمفارقة العجيبة أن آدم عليه السلام كان يستطيع أن يقول:
إن الشيطان هو الذي أغواني
وكان ذلك صحيحاً
لكن الله أراد أن يعلم البشرية كلها أن بداية التوبة ليست البحث عمن وسوس لك
ولا عمن شاركك الخطأ
ولا عمن أغراك بالمعصية
وإنما الاعتراف أولاً بما فعلته أنت
لذلك لم يقل آدم: ظلمنا الشيطان
بل قال:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
🛑 الاعتراف بالذنب قبل البحث عن المتهمين
🛑 ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين
🛑 والتوبة قبل توزيع الاتهامات
هذا هو منهج القرآن
وهذا هو طريق النجاة
أما جماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية وشركاؤها من العسكر الانقلابيين، ومن يدور في فلكهم من القوى والجماعات والتيارات التي ساندتهم أو بررت أفعالهم، فلم نسمع منهم مراجعةً بحجم الكارثة التي أصابت السودان
ولم نسمع منهم اعترافاً يتناسب مع حجم الدماء والدموع والخراب الذي أصاب البلاد
بل ظل خطاب كثيرٍ منهم قائماً على تحميل المسؤولية للآخرين
فتارةً تُلقى المسؤولية كاملةً على قوات الدعم السريع
وتارةً على قوى ثورة ديسمبر وقوى الحرية والتغيير وشخصياتها السياسية
وتارةً على دولٍ إقليمية أو قوى دولية أو منظمات أممية
وكأن الجميع مطالبون بالاعتراف بأخطائهم إلا هم!!
🧐 ولو أنهم تعلموا من قصة آدم وحواء لكان أول ما يقولونه:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
ولو أنهم بدأوا من هنا لربما بدأت رحلة الخروج من هذا النفق الطويل
🌿 لكن المسؤولية اليوم لم تعد مسؤولية النخب وحدها
لقد أصبحت مسؤولية شعبٍ كامل
فكل سوداني عليه أن يسأل نفسه:
هل ساندت ظالماً؟!
هل صفقت لفتنة؟!
هل بررت جريمة لأن مرتكبها ينتمي إلى جماعتي أو قبيلتي أو حزبي؟!
هل سكتُّ عن باطلٍ كان يجب أن أرفضه؟!
هل ساهمت بكلمة أو موقف أو مال أو سلاح في إطالة عمر هذه المأساة؟!
📖 قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11
🤲 ولذلك فإن طريق الخلاص لا يبدأ من القصر الجمهوري
ولا من الثكنات العسكرية
ولا من المؤتمرات السياسية
ولا من بيانات الأحزاب
بل يبدأ من داخل النفوس
من لحظة الصدق مع الله
ومن لحظة الاعتراف بالخطأ
ومن لحظة التوبة الجماعية عن الظلم والفتنة والكراهية والاقتتال وموالاة الظالمين
🌿 ولهذا فإن مأساة السودان ليست في أن الناس أخطأوا
فكل بني آدم خطاء
ولكن المأساة الحقيقية أن كثيراً من الفاعلين في المشهد السوداني ما زالوا يرفضون الاعتراف بخطئهم حتى اليوم
لقد علَّم الله آدم طريق النجاة فقال:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
أما نحن فما زلنا نبحث عن متهمين في كل مكان
إلا في المرآة التي أمامنا!!
🤲 فإذا أراد الشعب السوداني أن يرفع الله عنه هذا البلاء، وأن يعيد إلى بلادنا الأمن والأمان والسلام والرخاء والنور والمستقبل الكريم لأبنائنا وأحفادنا، فليس أمامنا إلا أن نعود إلى الدرس الأول الذي تعلمه أبونا آدم عليه السلام:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
فهذه ليست مجرد كلمات تُتلى باللسان
وإنما منهجٌ في مراجعة النفس
ومفتاحٌ للتوبة
وبابٌ من أبواب الرحمة
وطريقٌ إلى أن يرفع الله عن السودان وأهله ما نزل بهم من بلاءٍ ومحنةٍ وفتنةٍ عظيمةٍ !!
#في_حضرة_القرآن #السودان #الحركة_الإسلامية #المؤتمر_الوطني #الحرب #التوبة



