هل النيابة العامة والقضاء السوداني قادران على تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي حدثت في دارفور وفي بقية انحاء السودان




منذ عهد المخلوع عمر البشير، وتحت وطأة ضغط المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، لجأت حكومة الإنقاذ إلى سلسلة من الحيل والخدع السياسية والقانونية، لإيهام الناس بأنها حريصة على تحقيق العدالة، وأن القضاء السوداني قادرٌ على محاكمة المتهمين، ولا حاجة لتدخل محكمة الجنايات الدولية بشأن جرائم دارفور المزعومة!!! 🙄
لكن الحقيقة أن تلك اللجان والمحاكم و التعديلات في القانون الجنائي السوداني لم تكن سوى ستار دخاني لإخفاء الجرائم وتبرئة نظام الإنقاذ من دماء الأبرياء التي سالت في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
في حوالي العام 2008، شكّلت حكومة البشير لجنة خاصة للتحقيق في جرائم دارفور برئاسة احد كبار مساعدي النائب العام ، إلا أن اللجنة فشلت فشلًا ذريعًا، ولم تصدر حتى تقريرًا أوليًا يثبت وقوع تلك الجرائم أو يشير إلى مسؤولية الحكومة عنها.
كانت تلك اللجنة وأخواتها – في حقيقتها – مجرد مسرحية قانونية رديئة الإخراج، هدفها تضليل المجتمع الدولي وتجميل وجه نظامٍ غارقٍ في الدم.
🕸️🩼القضاء السوداني آنذاك، أثبت عجزه الكامل.
فالقضايا التي قُدمت ضد عناصر الميليشيات، خصوصًا الجنجويد، كانت تُحال البلاغات من النيابة العامة إلى المحاكم دون أن يكون قد فيها القبض على المتهمين والتحري معهم ، لذلك كانت المحاكم تقوم بحفظ البلاغات لعدم مثول المنهم أمام المحكمة ولعدم قدرة شرطة المحاكم علي ضبط المتهم وإحضاره😓.
وبسبب هذا فقد الضحايا في دارفور ثقتهم تمامًا في النيابة العامة وفي السلطة القضائية، لأنهما ظلتا تحت قبضة جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وللاسف الشديد ما زالت شبكات الولاء الحزبي والعسكري تمسك بخيوط العدالة حتى اليوم.
🕸️🩼القضاء بعد ثورة ديسمبر 🤔
بعد الثورة، كان الأمل كبيرًا في بناء منظومة عدلية مستقلة، ولكن سرعان ما أعاد العسكر قبضتهم القديمة على مفاصل الدولة.
ففي قضية الشهيد الأستاذ أحمد الخير، صدرت أحكام بالإعدام ضد بعض أفراد جهاز الأمن، لكن تنفيذ الحكم ظل معلقًا بسبب إصرار العسكر على عدم تشكيل المحكمة الدستورية، متذرعين بأن المدانين تقدموا بطعونٍ دستورية… وهي مجرد ذريعة لتعطيل العدالة.
وبينما كان الاعتقاد بأن تلك الملفات القانونية مجمدة، ولكن عندما اندلعت حرب البرهان وحميدتي، إكتشفنا أن كل هؤلاء المدانين بقتل أحمد الخير قد أُطلق سراحهم وان اغلبهم قد عادوا للقتال في صفوف الجيش وكتائب هيئة العمليات !! 😡
أما محاكمة عمر البشير وبقية قادة انقلاب 1989، فقد توقفت تماماً بذريعة “ظروف الحرب”، رغم أن المحاكم عادت للعمل في الخرطوم ، وهنالك ولاياتٍ لم تتأثر بالحرب وظلت المحاكم تواصل عملها بشكل مستقر مثل نهر النيل والبحر الأحمر.
اللافت أن المحاكم في اغلب الولايات تواصل عملها– في الوقت ذاته – في إصدار أحكام بالإعدام ضد شباب وقادة الثورة بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع!!!
أي عدالة هذه؟! 🤨
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت قناة العربية الحدث أن البرهان قائد الجيش قام بالتدخل في صميم عمل المحكمة وقام بوضع بعض المتهمين في قضية انقلاب 1989 في منتجعات فخمة بمدينة مروي، وسمح لـ عبدالرحيم محمد حسين بالإقامة في منزله!!
حدث ما حدث ، ورئيس القضاء صامت… لا يعترض، ولا يحرك ساكنًا.😓
🕸️🩼 النيابة العامة ⚔️
النائب العام السابق والأسبق و الحالي، فبالرغم من التقارير المتداولة حول استخدام الجيش للسلاح الكيميائي، وارتكاب قواته جرائم حرب ونهب واغتصاب وإتهام قوات درع السودان جرائم واغتصابات ونهب بقيادة “أبوعاقلة كيكل” – الذي أصبح فيما يبدو علي كوشيب جديد أو حميدتي آخر – فإن النائب العام لم يفتح تحقيقًا واحدًا حول هذه الاتهامات ، ولم يُصدر أمر قبض ضد أي مشتبه به ولم يصدر بيانا عاما للشعب السوداني حول هذه الاتهامات !!!
مع الإشارة الي أن قائد الإنقلاب البرهان كان قد قام بالغاء الوثيقة الدستورية فيما يتعلق بلجنة التحقيق في الجرائم والإنتهاكات التي تم ارتكابها بحق شباب الثورة وماجري في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.
وكان الواجب هنا علي النائب العام استلام ملفات هذه القضايا التي كانت بيد المحامي نبيل أديب ، و يواصل النائب العام في عمليات التحقيق والتحري وتقديم المتهمين الي القضاء لمحاكمتهم..
ولكن للأسف الشديد لم يحدث شيء من هذا !!!
إذا كان رجال القانون يخافون من الجناة أو لا قدرة لديهم علي القيام بواجبهم،
فأي عدالة هذه التي ننتظرها ؟!
🪖🗡️استخدام النيابة العامة والسلطة القضائية ضد المعارضين ⚖️
للأسف، لم يقتصر استغلال النيابة العامة والقضاء على حماية المتهمين فحسب، بل استُخدمت هذه المؤسسات كسلاح سياسي ضد مناهضي الانقلاب والمعترضين على الحرب، وخاصة ضد قيادات شباب الثورة وقوى الحرية والتغيير:
يتم تهديد المعارضين بفتح البلاغات القضائية أمامهم، مع رسائل صريحة لمن هم خارج السودان: “ارجع كان تقدر!!!”
أضحت سياسة العسكر الانقلابيين هي الامتناع عن تجديد جوازات سفر كل من يعارض الانقلاب أو له صلة بصورة ديسمبر المجيدة.
حالة من الخور والضعف وربما التواطؤ من بعض المحاكم السودانية، مثل ما جرى في سنجة ضد ذلك المحامي من حزب المؤتمر السوداني، الذي حُكم عليه بالإعدام وذلك في غياب محامي الدفاع الذي كان قد تم اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية قبيل الجلسة المحدة .
😡هذا الواقع المؤلم يُظهر كيف أن القضاء قد أصبح في يد العسكر الانقلابيين أداةً للإبتزاز والتهديد ، لا لإنفاذ العدالة أو حماية المواطنين.
🛑الخلاف الفقهي والقانوني حول محاكمة السودانيين أمام محكمة الجنايات الدولية
🔹 القاضي الدكتور محمد أحمد العبيد – قاضي المحكمة العليا المعار خارج السودان – يرى أن الحكومة يمكنها الخروج من مأزق “الأثر الرجعي” بالتصديق على اتفاقية روما، بحيث يتم التطبيق بإرادة الدولة نفسها.
ويؤكد أن ذلك يحقق غايتين:
1️⃣ إشباع العدالة في نفوس الضحايا.
2️⃣ تطوير قدرات المجتمع القانوني السوداني – قضاة ومحامين وأساتذة جامعات – في التعامل مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.
🔹 الأستاذ عبدالله الصافي – المحامي الكبير – يرى أن جرائم الحرب والإبادة ليست سوى جرائم “قتل ” بأسماء جديدة، وأن القانون السوداني كافي لمحاكمة أي متهم، وأن إحالة البشير ورفاقه إلى المحكمة الجنائية الدولية كان قرارًا سياسيًا.
🔹 في المقابل، رد البروفيسور أباذر الغفاري عبدالحبيب أستاذ القانون والخبير المعروف ، موضحًا أن جريمة الإبادة الجماعية تختلف جذريًا عن القتل الفردي، لأنها تُرتكب بقصد تدمير مجموعات بشرية كاملة، وهو ما يجعلها جريمة جماعية تستدعي آليات عدالة دولية، بعد فشل القضاء السوداني لأكثر من عشرين عامًا.
🛑ملخص حالة المساءلة الجنائية للقادة ومرتكبي جرائم الابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في السودان
1. الأساس القانوني لمحاكمة القادة (متوفر نظرياً)
القانون الجنائي السوداني (تعديل 2008): يتيح محاكمة قادة الجيش ومصدري الأوامر بتهمة ارتكاب الجرائم الدولية.
المبدأ: يستند إلى مبدأ مسؤولية القيادة (Command Responsibility)، الذي يُحمّل كبار المسؤولين مسؤولية الأفعال التي ارتكبها مرؤوسوهم.
2. الأثر الرجعي للقانون (أكبر تحدٍ)
العقبة: إن مبدأ عدم تطبيق القانون بأثر رجعي ، يمنع القضاء السوداني من تطبيق تعديلات 2008 بخصوص الجرائم التي وقعت في دارفور وغيرها قبل ذلك التاريخ.
الحل الفقهي: يرى خبراء القانون الدولي أن هذا المبدأ يجب تجاوزه لكون هذه الجرائم (الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب) مُجرَّمة بالفعل بموجب القانون الدولي العرفي.
3. الخيار الأفضل لتحقيق العدالة
القضاء الوطني: يواجه صعوبات هائلة بسبب التحديات السياسية وعدم استقلال القضاء بشكل كامل.
محكمة الجنايات الدولية (ICC): تظل الخيار الأكثر فعالية وواقعية لضمان مساءلة كبار القادة فوراً، خاصة في ظل مبدأ التكاملية.
🛑الموقف الرسمي بعد الثورة
حكومة الثورة – ممثلة في رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك ووزيرة الخارجية أسماء محمد عبدالله – أعلنت رسميًا موافقتها على تسليم جميع المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة أن العدالة لا تتجزأ، وأن من ارتكب الجرائم يجب أن يمثل أمام القضاء العادل، سواء داخل السودان أو في لاهاي.
لكن بعد انقلاب البرهان في أكتوبر 2021، عاد عناصر جماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني وأمسكوا بمفاصل المؤسسات العدلية ، فتم تجميد عملية التعاون مع محكمة الجنايات الدولية ، وتوقف مسار العدالة بشكل شبه تام ، ليعود السودان إلى نقطة الصفر مرة أخرى… حيث العسكر هم الحُكّام، وهم الجناة، وهم من يُقرر من يُحاكم ومن يُعفى!!!
🛑الخلاصة
النيابة العامة والقضاء السوداني، في صورتهما الحالية في ظل حكومة الإنقلاب ، غير قادرين إطلاقًا على تحقيق العدالة في دارفور أو غيرها من الجرائم التي ارتكبتها جماعة الحركة الإسلامية والعسكر الانقلابيون.
النفوذ السياسي والعسكري يوجّه ويتحكم في العدالة، والمحاكم تعمل بمعيار مزدوج ، والضحايا ينتظرون ما لن يأتي.
إن العدالة الحقيقية لضحايا نظام الإنقاذ وضحايا حرب البرهان وحميدتي ، لن تتحقق إلا بتدويل هذه القضايا أو بإعادة تأسيس وبناء قضاء وطني مستقل ينبثق من رحم العدالة، لا من رحم الانقلاب او رحم جماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني .
✍️ محمد الفاتح حضرة
#السودان #العدالة_الدولية #دارفور #البشير #البرهان #محكمة_الجنايات_الدولية #الثورة #لا_للافلات_من_العقاب



