“حكومة الأمل أم حكومة الألم؟ كيف ستقود التركيبة الخاطئة للحكومة السودانية الجديدة البلاد إلى مزيد من المعاناة؟”
بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في خضم الحرب المدمرة التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، أعلن رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل إدريس عن تشكيل “حكومة الأمل” من 22 وزارة، مبشراً بعهد جديد من الإصلاح والنزاهة. لكن الواقع يشير إلى أن هذه الحكومة، بتركيبتها المتوقعة وظروف نشأتها، مرشحة لأن تصبح “حكومة ألم” جديدة تضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي عاشها الشعب السوداني. فالمؤشرات تشير إلى أن هذه الحكومة ستضم وجوهاً من الماضي الذي قاد البلاد إلى الجحيم، وقيادات عسكرية تفتقر للخبرة الإدارية المدنية، في وقت يحتاج فيه السودان إلى كفاءات استثنائية لمواجهة أزمات متفاقمة.
“تركيبة خاطئة في وقت خاطئ”
تكمن المأساة الحقيقية لحكومة الأمل في تركيبتها المتوقعة، والتي تعكس المحاصصة السياسية أكثر من الكفاءة والجدارة. فوفقاً للمؤشرات المتاحة، ستضم هذه الحكومة مزيجاً خطيراً من عنصرين أساسيين:
أولاً: قيادات الحركات المسلحة عسكر بلا خبرة مدنية.
إن إشراك قيادات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام في الحكومة، رغم أهميته السياسية لتحقيق السلام، يطرح تساؤلات جدية حول الكفاءة الإدارية. هؤلاء القادة، الذين قضوا عقوداً في الكفاح المسلح، يفتقرون إلى الخبرة العملية في إدارة الوزارات المدنية وتسيير الشؤون الحكومية المعقدة.
كيف يمكن لقائد عسكري قضى سنوات في الجبال والصحراء أن يدير وزارة التعليم أو الصحة أو الاقتصاد؟ وكيف يمكن لمن لم يدر سوى الكتائب المقاتلة أن يفهم تعقيدات الاقتصاد الحديث أو السياسات العامة؟ إن هذا التعيين القائم على المحاصصة السياسية، وليس على الجدارة، ينذر بكارثة إدارية حقيقية.
ثانياً: فلول النظام البائد – عودة مهندسي الكارثة.
والأسوأ من ذلك، المؤشرات تشير إلى عودة وجوه من النظام البائد الذي حكم السودان لثلاثة عقود وقاده إلى الهاوية. هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين: – نهبوا خيرات البلاد وحولوا السودان من سلة غذاء العالم إلى دولة تستجدي المعونات – أفقروا الشعب السوداني من خلال سياسات اقتصادية فاشلة وفساد مستشرٍ
– دمروا مؤسسات الدولة وحولوها إلى أدوات للهيمنة الحزبية
– قادوا البلاد إلى العزلة الدولية من خلال سياسات خارجية متخبطة
إن إعادة تدوير هذه الوجوه، تحت أي مسمى أو ذريعة، يعني العودة إلى نفس الأساليب والعقليات التي دمرت السودان في المقام الأول. فكيف نتوقع من مهندسي الكارثة أن يكونوا جزءاً من الحل؟
“التحديات الهائلة تتطلب كفاءات استثنائية”
الوضع الراهن في السودان يتطلب كفاءات استثنائية وخبرات متخصصة لمواجهة تحديات لم يشهدها البلد من قبل.
“الكارثة الاقتصادية المدمرة”
قدر الخبراء الاقتصاديون التكاليف الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة في الاقتصاد السوداني بأكثر من 100 مليار دولار، إذ توقف 70% من النشاط الاقتصادي في السودان. تكلفة المعارك تبلغ نحو نصف مليار دولار يومياً، بينما انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى -18.3% وفقاً لتوقعات البنك الدولي.
هذه الأرقام المرعبة تتطلب خبراء اقتصاديين من الطراز الأول، وليس قادة عسكريين أو وزراء سابقين ثبت فشلهم. فكيف يمكن لمن لا يفهم أساسيات الاقتصاد الحديث أن يعالج كارثة بهذا الحجم؟
“انهيار البنية التحتية والمؤسسات:
النظام المصرفي في حالة كارثية، حيث تعرض 100 فرع من أفرع البنوك السودانية إلى النهب والسرقة والتدمير، وبلغت نسبة الأموال المنهوبة أكثر من 38% في مصارف الخرطوم وحدها. قطاع التعليم دُمر بنسبة 85%، مع خسائر تقدر بـ 16 مليار دولار.
إعادة بناء هذه المؤسسات يتطلب خبرات تقنية وإدارية متقدمة، وليس مجرد ولاءات سياسية أو خلفيات عسكرية.
“الأزمة الإنسانية الطاحنة”
السودان يشهد أكبر أزمة نزوح حول العالم، مع ملايين النازحين واللاجئين الذين يحتاجون إلى مأوى وغذاء ورعاية صحية. إدارة هذه الأزمة تتطلب خبرات متخصصة في الشؤون الإنسانية والتنمية، وليس مجرد خلفيات عسكرية أو سياسية.
“التعقيدات الإقليمية والدولية”
السودان تحول إلى ساحة لصراعات بالوكالة، تشمل اللاعبين الإقليميين مثل مصر وإيران والإمارات العربية المتحدة. التعامل مع هذه التعقيدات يتطلب دبلوماسيين محنكين وخبراء في العلاقات الدولية، وليس قادة حروب أو بيروقراطيين فاسدين.
“سيناريو حكومة الألم: لماذا ستفشل؟” في ضوء هذه التركيبة الخاطئة والتحديات الهائلة، تبدو حكومة الأمل مرشحة لتصبح حكومة ألم لأسباب واضحة:
أولاً: غياب الكفاءة المتخصصة: عندما تضع قائداً عسكرياً على رأس وزارة الاقتصاد، أو وزيراً سابقاً فاشلاً في منصب حساس، فأنت تضمن الفشل مسبقاً. الكفاءة ليست مجرد حسن نية، بل خبرة متراكمة ومعرفة متخصصة.
ثانياً: عودة عقلية النهب والفساد:
إشراك فلول النظام البائد يعني عودة نفس العقليات التي نهبت البلاد. هؤلاء لم يتغيروا، وسيعودون لممارسة نفس الأساليب التي دمرت السودان.
ثالثاً: تضارب الأولويات: قادة الحركات المسلحة سيركزون على مصالحهم الشخصية الضيقة ، بينما فلول النظام البائد سيسعون لإعادة تكوين شبكات المصالح القديمة. هذا التضارب سيشل الحكومة عن اتخاذ قرارات حاسمة.
رابعاً: فقدان الثقة الشعبية: الشعب السوداني فقد الثقة في هذه الوجوه، وسيرفض أي إنجازات قد تحققها، مما يضعف شرعيتها ويحد من قدرتها على التأثير.
خامساً: عدم التأهيل للأزمات المعقدة:
التحديات الحالية تتطلب حلولاً مبتكرة وخبرات متقدمة. هذه التركيبة تفتقر لكلاهما، مما يضمن تفاقم الأزمات بدلاً من حلها.
التحديات الإضافية التي تواجه الحكومة: صعوبات التشكيل الحكومي:
حتى الآن، لم يكتمل تعيين وزراء الحكومة حيث تم تعيين عدد محدود ستة وزراء فقط من أصل 22، وفق ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية المعدّلة لعام 2025. وتواجه عملية التشكيل تحديات معقدة، حيث تتضح أن بعض دوائر القرار لا تزال تراهن على توازنات النخب، أو ما يُعرف بـ”هندسة الغرف المغلقة”.
قيود الخبرة والمعرفة المحلية لرئيس الوزراء: رغم خبرة الدكتور كامل إدريس الدولية الواسعة، إلا أنه لا يمكن الادعاء بأنه قريب من مواطن الخلل في الدولة والمجتمع، ولم يكتسب خبرة عملية داخلية في مؤسسات الدولة. وهذا يطرح تساؤلات حول قدرته على التعامل مع تعقيدات المجتمع وأمراضه المستعصية.
المقارنة مع التجارب الإقليمية: رئيس الوزراء أمام اختبار حقيقي، ليس في قدرته على اختيار الوزراء فحسب، بل في مدى استعداده لمواجهة مراكز النفوذ التي تحاول فرض أجندتها على حكومة قيل إنها تمثّل الأمل للسودانيين. هذه الرهانات، إن استمرت، ستصطدم لا محالة بجدار الرفض الشعبي، كما حدث في تجارب إقليمية سقطت فيها حكومات خلال أسابيع من تشكيلها.
النتيجة المحتومة: من الأمل إلى الألم:
جميع هذه العوامل تشير إلى نتيجة واحدة مؤسفة: حكومة الأمل ستتحول حتماً إلى حكومة ألم. فعندما تجمع بين: – قيادات عسكرية غير مؤهلة للعمل المدني – فلول نظام فاسد ثبت فشلهم – تحديات هائلة تتطلب كفاءات استثنائية – غياب الرؤية الواضحة والخطط العملية
فالنتيجة محسومة سلفاً: مزيد من المعاناة للشعب السوداني، ومزيد من التدهور في جميع المجالات.
الخلاصة: مأساة مكتملة الأركان:
حكومة الأمل، بتركيبتها المتوقعة، تبدو وكأنها مؤامرة على الشعب السوداني أكثر من كونها محاولة إنقاذ حقيقية. فكيف نتوقع من مهندسي الكارثة السابقين وقادة عسكريين غير مؤهلين أن يحلوا أزمات معقدة تتطلب خبرات متخصصة؟
إن السودان اليوم في أمس الحاجة إلى ثورة حقيقية في طريقة اختيار القادة، تقوم على الكفاءة والجدارة وليس على المحاصصة والولاءات. وإلا فإن “حكومة الأمل” ستصبح مجرد اسم يحمل معاناة جديدة لشعب عانى كثيراً من تجارب مماثلة.
الشعب السوداني يستحق أفضل من هذا، يستحق حكومة حقيقية تضم أفضل الكفاءات السودانية، وليس إعادة تدوير للفاشلين والفاسدين. وحتى يحدث ذلك، ستبقى كل الحكومات مجرد “حكومات ألم” تضاف إلى سلسلة الإخفاقات المتتالية.
إن الواقع قاسٍ، والحقيقة مرة، لكنها الحقيقة التي يجب أن نواجهها: حكومة الأمل، بتركيبتها الحالية، ستكون حكومة ألم بامتياز.



