الأعمدة

كان يومًا فارقًا في المشهد السوداني تتصادم فيه إرادات الداخل والخارج، لتخرج البلاد من دائرة الصراع أو لتغرق أعمق في أتون حرب بلا نهاية.

بحق كان يومًا فارقًا في المشهد السياسي السوداني، وكأنه خُطّ بعناية على دفتر تاريخ الحرب والسلام في البلاد. مشهد تتقاطع فيه القوى الدولية والإقليمية، وتتصادم فيه إرادات الداخل والخارج، لتخرج البلاد من دائرة الصراع أو لتغرق أعمق في أتون حرب بلا نهاية. ما شهده هذا اليوم يرقى إلى كونه إعادة صياغة لموازين القوة، وتثبيت قواعد جديدة للعبة السياسية، ليس في الخرطوم وحدها، بل في الإقليم بأسره.
أول ما يلفت النظر هو قرار مجلس الأمن بتجديد العقوبات على السودان وتمديد ولاية فريق خبراء حقوق الإنسان، رغم رفض حكومة بورتسودان. هذا القرار يعكس عزلة متزايدة لتلك الحكومة، ويضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي الذي يتعامل معها بصفتها طرفًا لا يتمتع بشرعية مطلقة، بل شريكًا مضطربًا يجب إخضاعه للرقابة والضغط. إنه تذكير بأن الأزمة السودانية خرجت منذ زمن بعيد من أيدي الفاعلين المحليين، وأن من يملك أوراق الضغط الحقيقية هم اللاعبون الدوليون.
ثم جاءت اللقاءات الدبلوماسية المتزامنة لتزيد من سخونة المشهد: لقاء مطوّل بين مفوض الاتحاد الأفريقي ورئيس تحالف “صمود” د. عبد الله حمدوك،بدأ متوترا وانتهى وديا تزامن مع لقاء المفوض نفسه بوزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد. هذه التحركات توحي بأن الاتحاد الأفريقي يحاول إعادة ترتيب أوراقه بعد أن فقد زمام المبادرة في الملف السوداني لصالح قوى أخرى.
لكن الضربة الكبرى لهذا اليوم كانت العقوبات الأمريكية التي طالت ميليشيا “البراء بن مالك” المتطرفة، ومعها اسم كبير مثل جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير مالية البرهان. هذه العقوبات ليست مجرد خطوة رمزية، بل إشارة واضحة إلى أن واشنطن قررت استهداف شبكات التمويل والحركات المسلحة التي تعتبرها معرقلة للعملية السياسية أو متورطة في جرائم حرب. إدراج جبريل إبراهيم يزلزل تحالفات قائمة ويضعف موقف القوى المرتبطة به، وقد يفتح الباب لانقسامات جديدة داخل معسكر السلطة في بورتسودان.. العقوبات ارفقت بتصريحات حادة تخرج للمرة الاولى من مسؤول امريكي، اذ قال وكيل وزارة الخزانة الامريكية لمكافحة الارهاب ان واشنطن لن تسمح للجماعات الاسلامية السودانية بتهديد الامن الاقليمي والدولي وان العقوبات هي سلاح واشنطن لحماية الامن القومي الامريكي.
والأكثر إثارة هو بيان الآلية الرباعية (أمريكا، السعودية، مصر، الإمارات)، الذي جاء أشبه بخارطة طريق جديدة لحل الأزمة السودانية. لغة البيان حاسمة وحادة، تتحدث عن سيادة السودان ووحدته، لكنها ترفض أي حل عسكري، وتطرح عملية انتقالية مدتها تسعة أشهر تقود إلى حكومة مدنية، وتقصي بشكل واضح الجماعات المتطرفة ذات الصلة بالإخوان المسلمين. هذه الرسالة ليست موجهة للجيش وحده أو للدعم السريع وحده، بل لكلاهما ولجميع الأطراف الإقليمية الداعمة لهما، إذ تطالب بوقف الدعم العسكري الخارجي وتحذّر من إطالة أمد الحرب.
بيان الرباعية يضع الجميع أمام مسؤولياتهم: إما وقف القتال والانخراط في انتقال سياسي حقيقي، أو مواجهة مزيد من الضغوط وربما العقوبات الأشد. وهو في الوقت ذاته يمنح القوى المدنية المتشرذمة نافذة جديدة لاستعادة المبادرة، إذا استطاعت التوافق وتقديم بديل مقنع لا يسيطر عليه لا الجيش ولا الدعم السريع.
إن ما جرى اليوم قد يفتح الباب لمرحلة جديدة عنوانها الوضوح: المجتمع الدولي حدد خريطة الطريق، العقوبات باتت تشمل قادة المليشيات والإسلاميين البارزين، والاتحاد الأفريقي بدأ يعود إلى المسرح. لكن الخطر يكمن في أن هذه التحركات قد تدفع بعض الأطراف إلى التشدد والمقامرة بخيارات عسكرية جديدة لفرض أمر واقع قبل أن تتبلور أي تسوية.
السودان اليوم يقف على حافة منعطف حاد: إما أن يكون ما حدث بداية لتصحيح المسار نحو انتقال مدني، أو يكون شرارة لمواجهة أكبر وأكثر تعقيدًا بين قوى الداخل والخارج. المؤكد أن المشهد السياسي لن يبقى كما كان قبل هذا اليوم، وأنه مهما طال الصراع، فإن الزمن بدأ ينفد أمام المتحاربين.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة

زر الذهاب إلى الأعلى