تقارير

باتريس لومومبا.. رسالة لم تكتمل ودمٌ أيقظ ضمير أفريقيا

كتبت بولين، زوجة المناضل الكونغولي باتريس لومومبا، خطابًا مؤثرًا إلى الرئيس جمال عبد الناصر، لم يكن في كلماته زخرف اللغة ولا بلاغة المتعلمين، لكنه حمل صدق التجربة ومرارة الاستعمار ووضوح البصيرة. قالت: «إنني امرأة لم تتعلم لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة الحصول عليه، لكنى مع إدراكي البسيط أفهم مثل كل امرأة وطنية فى أفريقيا، أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا… لقد عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك».

كانت تلك الرسالة شهادة امرأة أفريقية أدركت، بقلبها قبل عقلها، من يقف مع القارة في معركتها ضد القهر والاستغلال.

لم يكن الرئيس جمال عبد الناصر مجرد زعيم لدولة عربية، بل كان ملهمًا حقيقيًا لمعظم حركات التحرر الأفريقي من الاستعمار الأوروبي. من القاهرة، انطلقت رسائل الدعم السياسي والمعنوي، وتحوّلت مصر إلى ملاذ للثوار، وقبلة للأحرار، ومنبر لصوت أفريقيا المخنوق تحت وطأة الاستعمار.

ومع انطلاق بطولة أمم أفريقيا، أعاد مشجع كونغولي رفع اسم باتريس لومومبا إلى الواجهة، ليذكّر القارة السمراء برمز نضالي لم يغب عن الذاكرة رغم محاولات طمسه. لومومبا لم يكن مجرد سياسي، بل كان حلمًا أفريقيًا بالسيادة والكرامة، حلمًا لم يُسمح له بأن يكتمل.

نجحت تجربة لومومبا بالكاد لعام واحد فقط. فبعد أن أسس حزب الحركة الوطنية الكونغولية، فاز في انتخابات عام 1960 وتولى رئاسة الوزراء وعمره 35 عامًا، مدعومًا دعمًا كاملًا من القيادة المصرية برئاسة جمال عبد الناصر. لكن هذا النجاح السريع أثار مخاوف القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، فبدأت المؤامرات تحيط به من كل جانب.

انقلب عليه رئيس الكونغو كازافوبو وسعى لعزله من منصبه، فرد لومومبا بعدم الاعتراف بشرعيته رئيسًا للبلاد. تصاعدت الأحداث سريعًا، وتدخلت المخابرات الأمريكية والبلجيكية، بينما أعلن تشومبي، حاكم إقليم كاتنجا، انفصال الإقليم بدعم خارجي، لتدخل البلاد في دوامة من الفوضى والتآمر.

فُرض الحصار على لومومبا، لكنه نجح في الهروب في المرة الأولى، ولجأ حينها إلى سفير مصر في الكونغو الدكتور مراد غالب، طالبًا المساعدة في تهريب زوجته وأولاده إلى مصر حفاظًا على حياتهم. وتمت عملية التهريب بذكاء شديد، كان بطلها عبد العزيز إسحق، المستشار بالسفارة المصرية، الذي سجّل في جواز سفره أنه متزوج من كونغولية ويصطحب أبناءه للسفر إلى لشبونة، لتصل أسرة لومومبا بعدها بأمان إلى القاهرة.

استقبل الرئيس جمال عبد الناصر أسرة لومومبا بنفسه، وأعلن وضعهم تحت حماية الجمهورية العربية المتحدة، في موقف إنساني وسياسي جسّد عمق التضامن المصري مع قضايا التحرر الأفريقي.

لكن يد الغدر كانت أسرع. ففي 17 يناير 1961، اعتُقل باتريس لومومبا على يد الكولونيل موبوتو، قائد قواته آنذاك، والذي أصبح رئيسًا لاحقًا، وتم تسليمه في اليوم نفسه إلى تشومبي في كاتنجا.

ويصف محمد فايق، في كتابه «عبد الناصر والثورة الأفريقية»، المشاهد الأخيرة من حياة الزعيم الأفريقي بكلمات تقطر ألمًا وكبرياء:

«لقد كان مقيد اليدين، يدفعه حراسه ويضربونه بكعوب بنادقهم… ولكن نظرات لومومبا وملامح وجهه كانت تعكس كل معاني التحدي والشموخ والكبرياء».

في 12 فبراير 1961، تلقى الرئيس جمال عبد الناصر خبر إعدام باتريس لومومبا رميًا بالرصاص، ليسدل الستار على واحدة من أكثر مآسي النضال الأفريقي إيلامًا. لكن القصة لم تنتهِ هناك؛ فقد تحوّل لومومبا إلى رمز خالد، وصار دمه وقودًا لوعي أفريقي جديد، أدرك أن طريق الحرية طويل، لكنه يستحق كل هذا الثمن

زر الذهاب إلى الأعلى