الأخبار

صحيفة الشرق الأوسط اللندنية : حرب السودان تحولت إلى حرب الهواتف الذكية

تستحق الحرب السودانية أن يطلق عليها «حرب أجهزة الهواتف الذكية»، إذ وثقت هذه الأجهزة عبر نشر المقاطع المصورة مباشرة وقائع القتال والمواجهات التي يغلب عليها الطابع التعبوي والدعاية الحربية. ويشتد أوار حرب «السوشيال ميديا» بصورة أكثف من ساحات القتال؛ لكن اللافت أن كثيراً مما ينشر في وسائط التواصل إما زائف وإما «ملون» ليخدم أجندة حربية لطرف من أطراف القتال: الجيش أو «الدعم السريع».

ففي الوقت الذي تعاني فيه أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، قصفاً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة، سقط بسببها قتلى وجرحى وسط المدنيين، اشتعلت في «السوشيال ميديا» حرب «مباشر» ومقاطع فيديو، يزعم كل طرف فيها أنه مسيطر. وآخر المعارك التي رصدتها «الشرق الأوسط» نشر مواقع موالية للجيش معلومات عن استرداد مبنى الإذاعة والتلفزيون القومي من «الدعم السريع»، إلا أن الجيش لم يصدر بياناً يؤكد أو ينفي الخبر، وحين أشرقت الشمس، اكتشف الناس أنه خبر «زائف».

وبعد الخبر الذي نشره مؤيدو الجيش، سارع أنصار قوات «الدعم السريع» إلى نشر فيديو يبدو فيه مقاتلو «الدعم السريع» وهم داخل المبنى الشهير، وقال متحدث موالٍ لهم في الفيديو إنهم لا يزالون يسيطرون على المبنى.

معارك إسفيرية وخطاب كراهية
أكد مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الفيديو المتداول على نطاق واسع ويشير إلى سيطرة الجيش على مبنى الإذاعة والتلفزيون القومي، زائف، أو ربما أن الجيش سيطر لفترة على المبنى ثم انسحب منه لاحقاً، وقالوا: «رد قوات (الدعم السريع) من داخل المبنى كان حاسماً»، وتابعوا: «هذا لعب على وتر الحرب النفسية».

وليست الاشتباكات بين الطرفين حول المبنى هي الأولى، فقد ظل محيط المبنى يشهد معارك عنيفة ومستمرة منذ أيام الحرب الأولى، ولا أحد يجزم ماذا أصاب المبنى ومحتواه الثقافي والأرشيفي المهم.

تعاظم دور «السوشيال ميديا» وازداد، نتيجة غياب الإعلام الرسمي للدولة، وفشله في بث المعلومات الصحيحة للناس، ما فتح المجال لمنصات إعلامية أخرى لتتسيد الساحة، وفي الوقت ذاته توقفت الصحف المستقلة اليومية، جراء الحرب، ما فتح المجال أمام النشر الإلكتروني غير المحكوم بضوابط مهنية صارمة، وطغى عليه بث الإشاعة، واتُّهم بإشاعة خطاب الكراهية والتحريض على العنف، ما يهدد بدخول البلاد في حرب أهلية تقضي على ما تبقى منها.

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إنه: «في الغالب يقود هذه الحملات منسوبون لحزب (المؤتمر الوطني) وأنصار نظام الرئيس المعزول عمر البشير، لخلق أجواء تمكنهم من العودة إلى الحكم مجدداً، وشعارهم (نحكمكم أو نقتلكم)».

مقارنة ونماذج
وقال الإعلامي ماهر أبو الجوخ لـ«الشرق الأوسط»، إن وقائع المعركة المستمرة لما يقارب التسعين يوماً، تشير إلى أن قوات «الدعم السريع» هي الأكثر استخداماً لحرب «السوشيال ميديا»، ويعد جزء كبير من مقاتليها، بحكم أعمارهم وارتباطهم بوسائط التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وتيك توك، وتويتر، وواتساب)، بينهم بسبب عوامل اقتصادية، وبسبب ضعف رواتبهم لا يملكون أجهزة ذكية حديثة تمكّنهم من استخدام الفيديو بكفاءة.

وبرزت وجوه إعلامية أثناء الحرب، فمن الجيش اشتهر عثمان فدائي، الشهير بـ«ود فور»، والذي يتردد أنه قتل في إحدى المعارك، بينما برزت وجوه من «الدعم السريع» نجحت في تقديم «الدعم السريع» على «السوشيال ميديا» بفعالية، ومنهم المقدم الفاتح قرشي، والجندي عمر جبريل. وتابع أبو الجوخ: «الحرب أفرزت نماذج نقيضة أسهمت بشكل سلبي على الطرف الذي تواليه».

غرف دعاية احترافية
تعمل المجموعات المساندة للجيش بشكل منظم، تتولى خلاله غرف دعاية احترافية لإنتاج المحتوى، وتقوم بتوزيعه على مستويات متعددة، وفي الغالب هي غرف صناعة دعاية وحرب نفسية، مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب «المؤتمر الوطني»، وتقوم خلية محترفة بتنسيق عملها، وهو ما أشار إليه أبو الجوخ بقوله: «أبرز نقاط ضعف تلك الغرف فشلها في نفي أي صلة للحرب بالحزب المحلول».

أما قوات «الدعم السريع» فهي تتحرك في مسارين، يقول أبو الجوخ: «أولها ذو طابع رسمي وينشر على صفحات القوات، والثاني غير رسمي وينشر في صفحات متعاطفة». وأضاف: «الملاحظة الأساسية أن الخطاب المنشور في الصفحات الرسمية أكثر انضباطاً وتقيداً، بينما يلاحظ أن الخطاب المنشور في المواقع غير الرسمية التي في الغالب يطغى عليها الانفلات، ويكون ذا طابع جهوي؛ لكن المسارين فشلا في تبرير حالات النهب والسلب التي قامت بها عناصر (الدعم السريع)».

ويتبادل مؤيدو الجيش و«الدعم السريع» الاتهامات في وسائط التواصل، ببث أخبار دقيقة أحياناً، وأخبار زائفة أحياناً أخرى، بمقابل مادي وتوظيف الصفحات والمواقع الأكثر متابعة في حربهم النفسية ضد الطرف الآخر، ما جعل منها في غياب الإعلام الرسمي مصدر المعلومات الوحيد المتاح لأكبر شريحة من المواطنين، رغم الانتقادات التي توجه لها بأنها تحولت لأدوات لاستمرار الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى