الأخبار

حرب السودان : نزوح وجوع وجُثث ملقية في الطُرقات ولا سلام في الأفق

تقرير : الخير صالح عبدالله

النُزوح وحنِين العودة إلى الخرطوم

لم أعتقد يومًا ما بأني سأحُن إلى الخرطوم ، الحرب جعلتنا نُعيش وضعًا نفسيًا صعبًا مع ذواتِنا ، أغلقتُ باب بيتي ووضعت حقيبتي التي تحتوى على أغراضي المُهمة وأمسكتُ إبنتي البالِغة من العُمر 9 سنوات برفقة زوجتي وطلعنا من منزلنا والدموع تتقاطر من عيني كالسيل المُنهمر ومضينا إلى طريق المجهول . نظرت إبنتي ذاتِ الـ 9 سنوات وقالت لي بِحزن : ” يابابا نرجع متين ؟” لم أكن أتحمل سؤالِها وتجاهلتِها ؛ ثُم كررت السؤال مرة أخري فإنبرة أُمها لإجابتِها بعدما مسحت دموعها بثوبها لتقول لها : ” سنذهب إلى جدتكم في النيل الأبيض وسنعود قريبًا ” بهذه الكلمات الحزينة تحدث سالم أحمد آدم الذي يبلغ من العُمر 53 عامًا قصة خروجه نازحًا برفقة أُسرته من حيّ ” جبرة ” جنوب الخرطوم إلى النيل الأبيض حيث ينحدِر أُسرة زوجته من هُناك .

يقول سالم أحمد آدم : ” مع إشتداد حِدة المعارك في حيّ ” جبرة ” ودوى الرصاص والمدافع من مقر سكننا الواقع بالقُرب من منزل قائد قواتِ الدعم السريع بحسبانه هدفًا للطائرات القوات المُسلحة كان القرار النهائي مع زوجتي ” لنغادر جميعًا ” لكن المعضلة كانت تتمثل في توفير مبلغ الرحلة في ظل توقف تطبيق ” بنكك ” وبعض تفكير عميّق قررت زوجتي بيع هاتفها ” A71 ” بـ 90 ألف فقط لننجح في توفير مبلغ مالي وزعناه مع زوجتي خوفًا من أخذه منا في الطريق سواء كان من جانب القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع .

وزعنا بعض الأغذية على جِيرانٍ من الناحية الشمالية والغربية الذين تمسّكوا بالبقاء رغم إصراري لهم بالخروج وتوجهنا إلى محطة رئيسية تبعد من بيتنا حوالي 20 مترًا عرفت بأنها محطة حديثة لنقل الركاب إلى ولايات النيل الأبيض والشمالية . حجزتُ 4 مقاعد على متن حافلة نقل ركاب تقصد حاضرة ولاية النيل الأبيض بثمنٍ باهظ جدًا لأن السماسرة دائمًا مايظهرون في مثل هذه الأزمات وإنطلقت بنا الحافلة ووجوهُ الُركاب إنطبعت عليها تجاعِيّد الحُزن بشأن مُستقبل وطنٍ يرسم ملامحه العسكر .

وإندلع قِتال ضروس بين القوات المسلحة وقواتٍ الدعم السريع في 15 أبريل / نيسان 2023 في مناطق واسعة من السودان لكنه شِدةٍ القتال كان في العاصمة الخرطوم وبعض ولايات دارفور وكردفان . ودفع القتال إلى نزوح 4 ملايين شخص من منازلهم ، منهم أكثر من 3 ملايين نزحوا داخليًا ، ويُمثل عدد الفارين من العاصمة الخرطوم حوالي 75% من مجموع النازحين معظمهم يعيش في ظلّ أوضاع إنسانية حرجة سواء في مُخمياتِ النزوح المؤقتة أو مع أُسرهم في الولايات .

وتعرض أغلب الأسواق والمؤسسات للنهب وفقد الجميع وظائفهم وأعمالهم التجارية مما جعل وضعهم الإجتماعي والإقتصادي لايُطاق ؛ والحرب تدخل شهرها الخامس دُون بارقة أمل لإنهاء الصراع بالطُرق السلمية .

الجوع يطرق بطون العالقين في الخرطوم

أدى إستمرارالقتال في السودان إلى تفشى أزمة جوع شديدة يُعاني منها 20.3 مليون شخص وفقًا لبيان من برنامج الأغذية العالمي الجمعة الماضية .

ويُعاني حوالي 6.3 مليون شخص من سُكان البلاد البالغ تعدادهم 46 مليون نسمة من نقص في الغذاء يُهدد الحياة حسبما ذكر ممثل برنامج الأغذية العالمي في السودان إيدي رو . ودعا المسؤول الأممي في السودان طرفى الصراع إلى تسهيل توصيل المساعدات الإنسانية .

وفي الأسابيع الماضية نجح برنامج الغذاء العالمي في توصيل الغذاء إلى إقليم غرب دارفور الذي تضرر بشكلٍ خاص . ووصف رو الوضع في غرب دارفور ووسط دارفور بـ ” كارثٍ ” مشيرًا إلى أنّ أغلب الرجال هناك لقوا حتفهم أو أصيبوا أو إختفوا تاركِين الاُسر تلقى مصيرها الأسوأ .

لاحل سياسي يلوح في الأُفق

دخلت الحرب في السودان شهرها الخامس بين القوات المسلحة وقواتِ الدعم السريع ولاحل سياسي يلوح في الأُفق وإن كانت الأنظار تتجه إلى مبادرة خارطة طريق نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار على ان مبادرته تقوم على وقف فوري للقتال بين الجيش والدعم السريع وتدشين حوار شامل يؤسس لمرحلة إنتقالية وتُشرف السلطة التنفيذية على تنفيذ خريطة طريق لإنهاء الأزمة فإن قوات الدعم السريع بقيادة المستشار السياسي يوسف عزت رفض هذه المبادرة وقال إنه لايعترف بسلطة مالك عقار نائب رئيس المجلس السيادي الإنتقالي بالسودان .

واضاف يوسف عزت في مقابلة مع الجزيرة – إن قوات الدعم السريع لاتعترف بسلطة مالك عقار ، وأكد إلتزام الدعم السريع بمنبر جدة والمبادرة الأمريكية السعودية

هل إجتماع أديس أبايا هو الطريق المفضى لإنهاء الحرب ؟

أُلتئم في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا إجتماعًا وصف بالمهم بين قادة ” الحرية والتغيير ” والموقعين على الإتفاق الإطارى تتعلق ببناء جبهة مدنية واسعة لإيقاف الحرب .

وشددت القوى المدنية الموقعة على “الاتفاق الإطاري” بالسودان، الثلاثاء، على وقف “جميع أنواع الانتهاكات التي نتجت عن الحرب في البلاد فورًت ، وإجراء تحقيق مستقل حولها”

جاء ذلك في البيان الختامي لاجتماع القوى المدنية الموقعة على “الاتفاق الإطاري” بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا والذي استمر ليومين. والقوى الموقّعة على “الإطاري” هي إعلان الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، وقوى سياسية أخرى (الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، المؤتمر الشعبي) ومنظمات مجتمع مدني، وحركات مسلحة تنضوي تحت لواء “الجبهة الثورية”. وأدان البيان ما وصفه بـ “الجرائم الجسيمة والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي نتجت عن هذه الحرب وعلى رأسها جرائم القتل والسلب والنهب واحتلال البيوت من قبل قوات الدعم السريع”. كما أدان ما اعتبرها “جرائم القتل والقصف الجوي للمدنيين والاعتقالات التعسفية وحماية أنشطة وفعاليات فلول النظام البائد (نظام عمر البشير) من قبل القوات المسلحة السودانية”

وطالب البيان بـ”ضرورة وقف جميع أنواع الانتهاكات فوراً وإجراء تحقيق مستقل حولها يحدد المنتهكين ويحاسبهم مع اعتماد آليات فاعلة لإنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة وجبر الضرر وتعويض المتضررين”. وأضاف البيان: “يجب أن تنتهي هذه الحرب عبر حل سياسي سلمي يؤدي لاتفاق وطني على مشروع سوداني نهضوي جديد قائم على المواطنة المتساوية والديمقراطية والسلام والتنمية المستدامين”. وتابع: “الحرب ليست الطريق الصحيح لتسوية الصراعات السودانية، ويجب أن تبدأ العملية السياسية بوقف الحرب ومن ثم مخاطبة جذورها عبر حل سياسي سلمي شامل”

جُثث في شوارع الخرطوم

خلفت الإشتباكات الدامية التي إندلعت في 15 أبريل / نيسان 2023 مايُقارب الـ 3 آلاف قتيل وفقًا حسب ما أكده وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم في يونيو الماضي لكن هذه الحصيلة لم يتم تحديثها بعد ذلك ويُمكن ان تكون أكثر بعد تجدد الإشتباكات في نيالا والفاشر وغرب كردفان الفولة . ومع تزايدُ أعداد الموت بأسباب عديدة مرة لعدم تمكنهم من الحصول على أدوية أساسية وآخرون توفوا من الجوع بسبب إطلاق النارالذي سجنهم من الخروج للحصول على طعام تبقى الحقيقة المُحزنة ان الجنازات أصبحت شبه مستحيلة حيث يتم إنزال الميت سريعًا في حضور عدد ضيل من الجيران لايزيد عددهم عن الـ20 مُشيع .

ورصدت أمدر تايمز الأوضاع البشعة في شوارع الخرطوم حيث أصبح معتادًا رؤية الجُثث ملقاة في الشوارع وربما من الصعب حتي التعرف على هوية أصحابها وينتهى بها الحال إما ” مُتحللة ” حيث هي أو مدفونة في أي مكان متاح .

وفي 6 يوليو / تموز الماضي قال جمعية الهلال الأحمر السوداني إن فرقها ” جمعت خلال أسبوع واحد أكثر من 100 جثة من شوارع الخرطوم فقط لكنه أشار إلى أنه لم يعد بمقدور تلك الفرق الإستمرار في العمل بالعاصمة ودارفور بسبب نهب سياراتهم .

وبحسب آخر إحصائية للجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوداني فإن ” فرقًا مشتركة دفنت حوالي 1000 جُثة كانت منتشرة في الشوارع منذُ بداية القتال .

وفي 8 أغسطس/آب الجاري قالت منظمة “أنقذوا الأطفال” الإنسانية (بريطانية غير حكومية تُعنى بالدفاع عن حقوق الطفل حول العالم) في بيان، إن “آلاف الجثث تتحلل في شوارع الخرطوم على خلفية عدم سعة المشارح لحفظ الجثث من ناحية، وتأثير انقطاع الكهرباء المستمر على نظم التبريد من ناحية أخرى”.


وحذر البيان من “خطر تفشي الأمراض والأوبئة في شوارع الخرطوم التي مزقتها حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع مستمرة منذ 4 أشهر”. ونقلت المنظمة عن نقابة الأطباء السودانية قولها: “لم يتبقَّ أي طاقم طبي في المشارح، تاركين الجثث مكشوفة على حالتها”.
وقال مدير صحة وتغذية الأطفال في المنظمة بشير كمال الدين حميد، إن “عدم القدرة على دفن الموتى بكرامة هي معاناة أخرى للعائلات، إلى جانب الأسى والألم”، حسب البيان نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى