الأعمدة

رؤى متجددة : أبشر رفاي / في كتاب تاريخ الشعوب الحرة والدول المستقلة عيد الجيش عيد الشعب

اللهم افتح بيننا وبين قومنا بمختلف مشاربهم وإتجاهاتهم وميولاتهم ومواقفهم بالحق وانت خير الفاتحين .
من موضوعات الفتح بالحق في هذه القراءة الجيش قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى وذكرى عيده التاسع والستين ١٤ اغسطس ١٩٥٤ — ٢٠٢٣ .وأزلية وعمق شعاره الخالد الله والوطن وعلاقته البنيوية الدستورية الإستراتيجية بشعار ومشروع جيش واحد شعب واحد والعكس صحيح .
تناولنا في قراءة الأمس تفكيك المفاهيم والتعريفات السياسية الأساسية المبينة للفرق بين علم ومهارة المهنة من جهة وفكرها من جهة أخرى ، وعلاقة ذلك بموضوع قراءة اليوم موضحين ان علم ومهارات المهنة تتعلق بمطلوبات الأداء وإستحقاقات عمليات التشغيل وسوق العمل ، أما فكرها فبتوسيع المدارك والمفاهيم وفتح الآفاق حول ماهيتها ورسالتها وكذلك أغراض الترقية والتطوير والمواكبة والعصرنة .
فمن باب المقاربات والمقارنة بين علم ومهارة مهنة الزراعة وفكرها ، فإن مفهوم الزراعة في الفكر الزراعي المتقدم لا يقف عند حد المفهوم الأكاديمي المعروف الزراعة بشقيها النباتي والحيواني وإنما يضيف لها بعد ثالث أعمق وهو البعد الإنساني ، لتصبح للزراعة ثلاث أبعاد بعد نباتي حيواني وإنساني ، بمعنى أن الإنسان في أصله الوجودي زراعة في هيئة شتلة عند النشأة ، ثم صار بعد ذلك بذور محسنة وغير محسنة زرعت في الأرحام عند الإنتشار ، بذور تنبت وتخضر ويستوي سوقها وتؤتي أكلها واخري لا تؤتي ثم تصفر وتصغر ثم تزبل وتتنسج حيث أتت اول مرة ..
الجندية والعسكرية هي مهنة رسالة أزلية بالأساس أحيلت ضمن حزم مطلوبات خلافة الأنسان في الأرض ، تحديدا مطلوبات الأمن والسلطان والإستقرار والحماية ، فمع تعدد جند الله في الأرض وغيرها إلا أن جندية الأنسان تتقدم على سائر الجند في الحياة الدنيا بثلاث أبعاد بعد الخلافة ، وبعد الأمانة ، وبعد تبليغ الرسالات .
ونذكر هنا حينما بدأت المراحل التفصيلية والتشغيلية لعمليات الخلافة وصور المشي والسعي والإنتشار في الأرض وما سخر لهم من إتاحات أفقية ورأسية ، تطور العقل البشري في إتجاه تقصير ظل الجندية من مفهومها الكلي ودورها الأساسي المدرج في منظومة الخلافة بشقيها الطبيعي والطليعي الراشد ، فمن هنا جاءت فكرة تنظيم جند وجيوش فجر التاريخ وحقب الإمبراطوريات والخلافات والممالك المتعددة وصولا مرحلة الدول والجمهوريات ، وجيوش وجند الأحلاف الثانوية والمستدامة .
منطق تلك المتلازمة العسكرية والأمنية السلطانية نابع من بعدين إثنين ، الأول مطلوبات التأمين والحماية وبسط هيبة الدولة ، والثاني حجم المهددات الأزلية الكامنة بالذات البشرية ( النفس الإمارة بالسوء ) والتي بسبب خطورة مهدداتها الكامنة والمعلنة خلقت لها سبع نيران يوم القيامة ، هذا للمؤمنين ، أما بالنسبة للذين لا يؤمنون بالآخرة ويسمونة الملأئكة تسمية الأنثى نقدم لهم أكثر من نار في الحياة الدنيا خلقت قصاد هذا المخلوق (التعويضي) الخطير ، مثال الجوع نار ، العطش المرض العجز أرزل العمر الموت الفقر غلبة الدين وقهر الرجال طول الأمل الهم وقلق البال الحروب التوافد القهري النزوح التعليق اللجو الخيانة العمالة نقض العهود والقائمة تطول لنيران الدنيا مما تعدون ولا تعدون .
فمن طرائف المناسبة قلت للبعض ذات مرة في سياق تعداد نيران الحياة الدنيا مارأيكم في نار زواج مطلقتك ( الحسنة والحسناء ) التي طلقتها عن حماقة طائشة طلاق بينونة صغرى قيد الرجوع ولكن ولتصفية حسابات قديمة طرف بعض قرايبها معك تم تزويجها يوم تمام عدتها نهض احد الحاضرين قائلا بالصوت العالي ( أها ، دي النار ، ام شلو أحر من نار الموت . فضج الحضور بالضحك الدامع .
بالرجوع إلى الموضوع عند بلوغ التجربة البشرية مرحلة نشأة الأوطان والدول تعززت معها مسئولة الجند والجيوش لذات الأسباب أسباب حماية الأرض والعرض والمكتسبات لان متلازمة مهددات البشر قائمة من عدة زوايا وإتجاهات هلع ومنع وظلم الإنسان لربه ولنفسه ولأخيه الأنسان . والاخيرة تجلت في اقبح وأبشع صورها في تجارب الأمبراطوريات والتشكيلات الإدارية اللاحقة حتى بلوغ مرحلة الدول بل حتي المجتمعات والأفراد .
السودان كان جزء من نسيج الامبراطوريات والممالك القديمة آخرها الإمبراطوريتين العثمانية التركية السابقة ١٨٢١ — ١٨٩٨ والبريطانية ١٨٩٩ – ١٩٥٦ مساهما بالرقعة الجغرافية والموارد والشعب والقوة العسكرية القتالية حتى رصدت صحفحات التاريخ حقائق مهمة للغاية عن السودان كانت ولازالت سببا من اسباب الغزو ودوافع الإحتلالات المتلاحقة هي الرجال والموارد والمال واخيرا بعده الجيو سياسي وبصورة أعمق للعارفين ببواطن الأمور بعده الجيو رسالي بإعتباره أحد أركان الارض المقدسة الخمس وأهله للأسف الشديد لايدرون ولا يقرون هذه الحقيقية التي يدريها الأخرون جيدا بعلمي الشهادة وعلم اللدن ..
حينما إنتهت الحرب العالمية الثانية ١٩٣٨ — ١٩٤٥ كان السودان وشعبه وقواه القتالية العسكرية من أهم اسباب الحصول على الحرية والإستقلال من براثن الأمبراطورية البريطانية رسميا في ١/١/ ١٩٥٦ والذي سبقته إجراءات إدارية تنظيمية فنية دستورية مهمة ( السودنة ) تتعلق بمشروع الدولة الوليدة: من رحم الأمبراطورية البريطانية ( السودان) والذي ما كان له أن ينال ذلك الشرف الباذخ باكرا مقارنة بالآخرين لولا وجود مقومات أساسية . وطن حدادي مدادي مليون ميل مربع من حلفا إلى نوملي ، وشعب أبي مجاهد مكافح صاحب ثورات وجولات شهد لها العدو قبل الصديق ، وموارد متدفقة سمن بها الدخل وأكسب أهله ، وجند سطروا بدمائهم السخية ساحات الوغي والفداء والحروب التي بلغ صيتها أركان البسيطة فسألوا كرنق وطبرق والأرجنتين والراحلة المقيمة عائشة الفلاتية إن كنتم لا تعلمون ، فكانت قوة دفاع السودان ١٩٢٥ — ١٩٥٤ النواة الأخيرة وقبلها نواة ونواة لقوات الشعب المسلحة الحالية ، التي كانت حاضرة في كافة مراحل بلورة وتخليق مسيرتنا ومسيرة قطرنا الطويلة حتي بلوغ مرحلة السودنة وإستقلال السودان دولة حرة مستقلة تم إعتمادها عضوا بمنظمة الأمم المتحدة فور إستقلالها في يناير ١٩٥٦ ثم شعارها الخالد الله المستمد من خلفية مفهوم جند الله ثم الوطن من منطلق حماية الأرض والعرض والشعب والموارد والقيم والمكتسبات .
أما شعار جيش واحد وشعب واحد والعكس صحيح ، هذا الشعار ليس مصدره هتافات الثورات ومحطات المواقف والأحداث مابعد الإستقلال ، الشعار مستمد خلفيته من مفهوم المتلازمة السردية الأزلية والتاريخية التي تجمع بين الوطن والمواطن والدولة ، الوطن ممثل في الجغرافية والشعب والموارد والمكتسبات هي الأصول الدستورية الثابتة ( أ ) والدولةب بمؤسساتها الرسمية وعلى رأسها قوات الشعب المسلحة والمنظومة العسكرية والنظامية الأخرى ومؤسسات الخدمة المدنية أصول دستورية ثابتة ( ب) .
أما الحكومات وتشكيلات البيئة السياسية والشعبية والمجتمعية المنتخبة هي أصول دستورية متحركة ، أهمية تفكيك وتأكيد مثل هذه المفاهيم المهمة تكمن في شيئن إثنين الفصل وعدم الخلط بين الأشياء ، والثاني الاهتمام وعدم إغفال أساسيات الوعي الوطني والتربية الوطنية ضمانة أساسية مستدامة للحفاظ على الوطن والمواطن والدولة وعلاقاتها الرأسية والأفقية والتفاعلية ، حتي لا تؤتى عن غفلة وغيرها من باب اهلها وبنيها مجسدين مأساة يخربون بيتهم بأيديهم وأيدي أداءهم وآخرين من دونهم .
الشعب السوداني من أكثر شعوب الدول علما بحقيقة ما كتبنا بالفعل وليس بالكلام على إمتداد تاريخيه الطويل ويكفي مثالا نحن شعب كردفان وجبال النوبة وتلودي العاصمة التاريخية لكردفان الكبرى والجبال أرض القومية النبيلة عرين الأمام المهدي في قدير ومهد اول ثورة وطنية بعد كرري ضد الإستعمار ١٩٠٦ ثورة تلودي ملهمة لثورات جبال النوبة والسودان ضد الإستعمار ثورة البطل كوكو كوبانو الليري موقعة الجردة ضد الشلالي وراشد بك أيمن (كلوقي) البطل السلطان عجبنا وإبنته البطلة مندي ( الدلنج) البطل الفكي علي الميراوي (كادقلي) البطل المك ادم ام دبالو مك عموم تقلي ( العباسية تقلي) ثورات شاتات ( جنوب كادقلي عرين عمنا الأمير كافي طيارة البدين ثورات تيرة اللخضر ( الجبال الوسطي عرين المكوك ارنو وكمبجو والنور وشري والقائمة طويلة .
تلودي العاصمة التاريخية لكردفان الكبرى وجبال النوبة ، ديار البطل على عبد اللطيف وعبد اللطيف الماظ والبرلماني الشهير الدابي اللزرق قمر حسين رحمة بالحي الثالث بمدينة تلودي والحاجة مريم سلامة زوجة الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري حي السوق ، والعم حليم أمين جرجس والعم كوستي طيارة اندريوتي من طليان تلودي والمك كركون والمك صقر ، بلد الجنراك محمود حسيب والقاضي الشهير عبد الرحمن إدريس والمقابيل وعمر الخليفة وناصر تمساح و الشيخ عمرهرون وآل شمعون وفضل الحاج وعقد الحكامات النضيد والقائمة طويلة . هذه المنطقة تدرك بالأصالة وبفهمها العميق لمعاني الوطن وتماسك لحمة الشعب بكل تنوعه وسحناته تمسكها المتين الأمين بالوطن والدولة ومكتسباتها التراكمية بنجاحاتها وإخفاقاتها ، ويكفي ذلك شرفا بأن الأباء قد اخبرونا عن الأجداد بأن المارشات والجلالات العسكرية التي تشنف الآذان وتلهب الحماس والشهامة والنخوة والرجولة والنسائية فوق وجل الأنثى ، مارش فوراوي شلكاوي نوباوي ، من أهم محطاتها الاساسية المارش النوباي على وجه التحديد مقره تلودي ( ثلاثة جي اورطة ) حي رديف تلودي ، حيث برع في إجادة المارشات إستخلاصا من الموروث الشعبي المحلي لحنا وأداء وطابور عرض في عشرينات القرن الماضي تقريبا الأجداد احمد كوكو وابكر كمبلا والجد مؤمن الجاك وآخرين كثر فهؤلاء إستطاعوا بحسهم الفني ومهاراتهم اللحنية وإرتباطهم بالبيئة تمكنوا من تطوير مقطوعات الأعمال والتراث الشعبي المحلي مثل مقطوعات ووصلات الدرملي والكرنق والمردوم و المردوع والفنفاج والكمبلا واليانقو والكيسة والبخسا والمكية والدحلوب وأم صلبونج والجراري والبليل وجهالي ورنة السبارة وإيقاع جلالات ذكر الطرق الصوفية والترانيم وأغاني النفير ومقطوعات سبر الكجور ، كجور الشرا ، وكجور ورق اللوبيا الكنجر دلنج سودان ، فكم منا من لايتذكر ونحن تلاميذ نقف في طابور عيد الإستقلال والأعياد الوطنية في صفوف وطنية شعبية طويلة أنيقة في الصباح الباكر صفوف تضم تشكيلات من المكونات العسكرية الهجانة ام ريش والمدنية والشعبية تمضي بثبات وهيبة وطن ودولة نحو ميدان الحرية هتافها مسك بالدم والروح نفديك يا سودانا ، شعب واحد جيش واحد ، ومن إنغام الجلالات العسكرية منتصف سبعينات القرن الماضي ( عمتي مريم كجينا ، عمتي مريم كجينا ووب مريم كجينا مريم كجينا ) ( اليوم يوم يومنا اليوم نشرب الدم صبيان البنات ) .
أما عن التحديات والمشاكل وأوجه القصور التي لازمت الوطن والدولة السودانية منذ خروج الإستعمار والتي يعرفها البعض اليوم سياسيا بدولة( ٥٦ ) خلفية تلك التحديات والممارسات وأوجه القصور معروفة ومصدرها معروف تتحمل مسئوليتها أربع بيئات مقدور على حزمها وحسمها من خلال المؤتمر الدستوري حول الحقيقة والمصارحة والمصالحة الوطنية الشاملة حال توفر البيئة والرغبة والمسئولية الوطنية الأخلاقية ، وذلك بفتح ملفات المسكوت عنه بكل شجاعة وتجرد ومعالجته ، مع تطوير الجوانب الإيجابية المعلنة نحو الأفضل ومصادر القصور هي ١– البيئة الأجتماعية ٢— البيئة السياسية ٣– الأطماع الخاصة
٤– التدخل الأجنبي المباشر وبالوكالة ..
وبالمجمل إن أسباب القصور المذكورة والتي تجاوزت مع مرور الوقت مرحلة الإعتراف إلى مستوى الحل النهائى والحاسم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم تحويلها إلى منصات سياسية وعسكرية وأمنية وأجنبية لتدمير الوطن والمواطن والدولة ممرطة سمعته بين الأمم مشردة أهله في الأمصار وافدين عالقين لاجئين .
ختاما نعم شعب واحد جيش واحد من أجل هدف واحد وهو أن يبقي الوطن والشعب والدولة في القمة وفي حدقات العيون ، واعدائه في مرمى تحديقاتها الحازمة الحاسمة وكفي الله المؤمنين شر القتال . وكل عام وأنتم بخير .. .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى