يُروى أن إحدى الفنانات المعروفة التقت بالأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ عند إشارة مرور في أحد شوارع القاهرة. وكانت تعرفه معرفة قديمة، فأرادت أن تداعبه، مشيرة إلى الفارق بين سيارتها الفارهة وسيارته المتواضعة، وكأنها تعقد مقارنة بين النجاحين. فابتسم محفوظ وأجابها بسخريته الذكية: “هذا هو الفرق بين الأدب… وقلة الأدب.”
استحضرت هذه الطرفة وأنا أشاهد حلقة تلفزيونية جمعت بين نقيضين، لا يصح وصفها بالمناظرة، بقدر ما كانت مشاحنة انتهت إلى تبادل التجريح والإساءة.
كان أحد طرفيها عالماً في الدين، والطرف الآخر ممثلة مشهورة، تدير الحوار مذيعة بدا أن همها الأول إثارة الجدل أكثر من الوصول إلى نتيجة. حاول العالم أن يقنع ضيفته بترك الفن، مستنداً إلى فهمه للنصوص الشرعية وأقوال العلماء، بينما دافعت الفنانة عن مهنتها، رافضةً ما اعتبرته تعميماً يسيء إلى كل العاملين في المجال الفني.
غير أن الحوار لم يلبث أن انحدر من تبادل الحجج إلى تبادل الاتهامات، وغابت لغة الاحترام، بينما واصلت القناة استثمار حالة الاحتقان لجذب المشاهدات، غير عابئة بما تتركه من أثر سلبي في وعي المتلقي.
لقد كانت المسافة الفكرية والنفسية بين الطرفين أبعد من أن تُردم في جلسة تلفزيونية؛ فلكل منهما مرجعيته وقناعاته، ولم يكن أي منهما مهيأً لتقبل رؤية الآخر. ولذلك بدا اللقاء منذ بدايته قائماً على الإثارة لا على الحوار، وعلى صناعة الضجيج لا إنتاج المعرفة.
وهنا تكمن المشكلة؛ فبعض وسائل الإعلام لم تعد تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن نسب المشاهدة، حتى لو كان الثمن إثارة الخصومات، وتسطيح القضايا، والإساءة إلى قيمة الحوار.
إن الدعوة إلى الإصلاح لا تكون بالخشونة ولا بالتجريح، وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أن الاختلاف في الرأي لا يبرر إسقاط الأدب في الخطاب. فحين يغيب الاحترام، يخسر الجميع، ويغدو الحوار مجرد صخب لا يورث إلا مزيداً من الفرقة وسوء الفهم.



