الأعمدة

السودان: سلام المدنيين أم مصالح العسكر وشركائهم؟

✍️ بقلم: محمدالفاتح حضرة
💢منذ 15 أبريل 2023، تتفاقم الأزمة السودانية يومًا بعد يوم، ويتسع نطاق الحرب ليطال كل زاوية من زوايا هذا الوطن الممزق.
وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تبرز رؤيتان متناقضتان حول كيفية إنهاء هذا الصراع المدمر، رؤيتان تعكسان صراعًا أعمق حول هوية السودان ومستقبله.
🕊️ صوت السلام:
نداء القوى المدنية والشرفاء الوطنيين .
هناك معسكر وطني أصيل، يرى أن السبيل الوحيد لوقف نزيف الدم والحفاظ على ما تبقى من البلاد هو عبر المفاوضات الجادة والمبادرات السلمية الشاملة.
هذا المعسكر، الذي يضم طيفًا واسعًا من القوى المدنية والسياسية والشرفاء الوطنيين من أبناء السودان، يتسم بحس وطني عالٍ وشعور عميق بالمسؤولية تجاه المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحرب.
لقد توالت البيانات والتصريحات من منظمات المجتمع المدني، ولجان المقاومة، والأحزاب السياسية الديمقراطية، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، والعودة إلى مسار سياسي يفضي إلى حكم مدني ديمقراطي.
فعلى سبيل المثال، دعت قوى إعلان الحرية والتغيير – المجلس المركزي مرارًا إلى حل سياسي شامل، مؤكدة أن “الحل العسكري لن يجلب إلا مزيدًا من الدمار والمعاناة”.
كما شددت العديد من النقابات المهنية والمنظمات الحقوقية على ضرورة تغليب صوت العقل والحوار، وأعربت عن خشيتها من تحول الصراع إلى حرب أهلية شاملة قد تمزق النسيج الاجتماعي للبلاد.
هذه الأصوات الوطنية سعت ولا زالت تسعى جادة لحماية السودان من الانهيار، وتقديم رؤية بديلة تقوم على الحوار والتوافق الوطني.
💣 صوت الحرب:
مصالح لا تقبل السلام.
في المقابل، هناك معسكر آخر يرى في الحرب وسيلة لتحقيق المكاسب، لا كارثة يجب إيقافها.
هذا المعسكر يضم قادة الجيش الحاليين، وبعض حركات دارفور المنضوية تحت “سلام جوبا”، وبقايا النظام البائد من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشبكات مصالحهم.
🔻 هذا المعسكر يدفع باتجاه استمرار الحرب، لأنه يرى أن وقفها يعني نهاية سلطتهم ونفوذهم، وبداية محاسبتهم.
🔴 تصريحات قادة الجيش تركز على “الحسم العسكري” و”القضاء على الدعم السريع”، بدلًا من الدعوة لمسار تفاوضي جاد.
🔴 بعض قادة سلام جوبا اندمجوا في بنية السلطة، ويستفيدون من استمرار النزاع.
🔴 الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني يحاولون استغلال الحرب للعودة إلى المشهد، وهم يرفضون الديمقراطية لأنها تُنهي امتيازاتهم.
هذه القوى تتغذى من الحرب وتخشى السلام، لأنها تعرف أن السلام يعني دولة قانون ومحاسبة وعدالة، وهي كلمات لم تعرفها في تاريخها الطويل من الفساد والاستبداد.
🧠 غياب الوعي الشعبي: مأساة موازية
😓لكن المأساة الأعظم تتجلى في رد الفعل الشعبي الباهت تجاه الحرب!!!
فرغم المعاناة اليومية من الجوع، والنزوح، وانهيار الخدمات، فإن قطاعات واسعة من الشعب لا تُبدي اهتمامًا حقيقيًا بوقف الحرب أو استعادة الحكم المدني.
ويرجع ذلك إلى:
▪️ تراكم الجهل وضعف التعليم،
▪️ تفشي القبلية والعنصرية
▪️ الإحساس العميق بالتهميش الاجتماعي
▪️ فقدان الثقة في كل أنظمة الحكم السابقة، التي لم تقدم شيئًا للمواطن البسيط.
💢لعل الشعب بأكمله_عدا الكيزان -يشعر بأنه خارج حسابات الدولة، ولم يستفد او يجني خيراً من أي “نظام” حكمه منذ الاستقلال ، فلماذا يهتم بإعادة الحكم الي النظام السابق؟
غالبية الشعب السوداني ، خاصة أهل الولايات الغربية والجنوبية ، هو شعب غائب عنده الإحساس بالمواطنة، وغارق فقط في معركة البقاء علي قيد الحياة 😓
⚔️ الانتقام الاجتماعي واستغلال الحرب:
جحيم داخلي.
في هذا المناخ، ظهرت مظاهر خطيرة لاستغلال الحرب في تصفية الحسابات الاجتماعية.
فقد انخرط بعض السودانيين في صفوف الدعم السريع، وآخرون في صفوف الجيش، لا بدافع وطني، بل بدافع الانتقام الطبقي أو الجهوي أو العرقي من “الآخر”.
📍 في ولاية الجزيرة، شاركت قوات كيكل مع عصابات محلية في الاعتداء على قرى مدني والجزيرة،فنهبوا وسرقوا واغتصبوا النساء ، وكان ذلك بدعم من بعض سكان “الكنابي”.
📍 وبعد انسحاب الدعم السريع، تحالفت مجموعات أخرى من أهل ولاية الجزيرة والبطانة مع الجيش، ونفذوا حملات انتقامية دامية ضد تلك القرى والكنابي التي يعتقدون أنها قد دعمت أو استغلت وجود الدعم السريع ومارسوا النهب والسرقة والإغتصاب.
📍 في الخرطوم وشمال كردفان والنيل الأزرق وسنجة وسنار، شاهدنا مشاهد مشابهة، تتكرر بوتيرة مخيفة..
إنتقام ، وإنتقام مضاد بين المواطنين المدنيين !!!
🧨 تفكك الدولة وغض الطرف الرسمي:
مشهد الخرطوم نموذجًا.
خلال سيطرة قوات الدعم السريع على الخرطوم ومدني، لم يُظهر قادة وضباط الدعم السريع أي محاولة لوقف موجات النهب والسلب التي اجتاحت الأحياء.
بل على العكس، كثير من ضباط وجنود الدعم السريع
شاركوا مباشرة في نهب البيوت والعربات والمحال، جنبًا إلى جنب مع عصابات مدنية، أغلبها قدم من سكان المناطق الطرفية حول الخرطوم (العزبة، شرق الحاج يوسف، جنوب الحزام، غرب أم درمان) ، واغلبهم ينحدرون من مناطق دارفور وجنوب وغرب كردفان وهي المناطق التي منها تكون أساس قوات الدعم السريع وينتمي اليها القادة .
👥 كثير من أفراد هذه العصابات كانوا يبررون أفعالهم بأنهم “يستردون حقوقهم” من المدنيين “الجلابة الكيزان”، في شعارات عنصرية تخلط بين الفقر والكراهية والسرقة!!!
✈️ من جهة أخرى، لعب قصف الجيش لمناطق في دارفور وفي جنوب وغرب السودان بدعوى أنها “حواضن للدعم السريع” ، لعب ذلك دورًا كبيرًا في تغذية روح الانتقام، وتبرير الجرائم ضد المدنيين في مناطق الوسط والشمال لاحقًا، بعد انسحاب الدعم السريع.
🔁 هكذا تحولت الحرب إلى دوامة انتقام اجتماعي وقبلي وطبقي، تُغذيها الكراهية والجهل، لا السياسة أو المصالح الوطنية.
🚨 النتيجة:
شعب يتقاتل مع نفس
إن غالبية الشعب السوداني اليوم تتحرك مدفوعة بمشاعر عنصرية واجتماعية مدمرة.
ولعل الجميع قد لاحظ تصريحات قادة الدعم السريع وبعض الزعماء العشائريين الدارفوريين بشأن ضرورة قيام الدعم السريع بمهاجمة الولاية الشمالية وولاية نهر النيل بإعتبارهم الحواضن الإجتماعية ومسقط رأس قادة وضباط الجيش السوداني!!!
للأسف الشديد ، طرفا الحرب في السودان ، طرفا المؤسسة العسكرية السودانية القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ، يقودان الشعب السوداني بجهل أو عن عمدٍ ، الي إنفصال شمال ووسط وشرق السودان عن دارفور وجنوب وغرب كردفان!!!
💢أمام هذه الحالة الجهنمية من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي، تصبح عودة الأمن والسلم الاجتماعي شبه مستحيلة، حتى وإن توقفت العمليات العسكرية أو إنتهت الحرب !!!
ما دامت العنصرية وحملات الكراهية والانتقام هم المحرك والمتحكم في عقول وقلوب غالبية الشعب السوداني ، فإن آلة الحرب ستجد دائمًا وقودًا بشريًا جديدًا !!!
📢 الخاتمة:
التحدي الحقيقي
عتقد أن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان لا يكمن فقط في وقف الحرب، بل في:
🛑 إيقاف هذا الانهيار الأخلاقي،
🛑 فضح تجار الحرب في كل المعسكرات،
🛑 بناء وعي وطني جديد، يتجاوز الجهوية والعنصرية والانتقام،
🛑 وإعادة تشكيل معنى “الوطن” في وجدان الشعب.
🔁 إما أن نكون شعباً يُنهي الحرب، أو نكون شعباً تنهينا الحرب..!!!

زر الذهاب إلى الأعلى