
✍🏻رضا القزويني – باحث و کاتب في الشؤون الإيرانية

في هروب إلى الأمام ومحاولة لطمس فشله في تحقيق أهدافه من العدوان على إيران، ولعله أيضا لخداع الرأي العام والناخبين الأمريكيين، زعم الرئيس الأمريكي مؤخرا أن الجمهورية الإسلامية هي التي بدأت الحرب مع أمريكا عام 1979.
يستند زعم ترامب إلى رواية انتقائية للتاريخ، رواية تحذف سجلّ التدخلات الأمريكية في إيران، كما في سائر أنحاء العالم، وتصف عقودا من التوتر والصراع بأنها حرب متصلة، كي تُحمل الماضي مسؤولية قرارات واشنطن اليوم. وفي هذه الرواية تُصور أمريكا دائما في موقع رد الفعل، دون النظر في دور سياساتها في نشوء العداء وتفاقمه.
لم تنشأ خلفية هذا العداء مع الثورة الإسلامية الإيرانية. فقبل ربع قرن من الثورة، شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في انقلاب عام 1953 على حكومة مصدق المنتخبة، ثم واصلت واشنطن دعم نظام الشاه الاستبدادي. وبالنسبة إلى الإيرانيين، لم تكن أمريكا مجرد دولة بعيدة تختلف معهم سياسيا، بل قوة تدخلت في تقرير مصير بلادهم السياسي وكانت السند الذي يقوم عليه حكم الشاه. ومن ثم فإن انعدام الثقة بأمريكا لم يكن نتاج عداء بلا مقدمات، بل تعود جذوره إلى تجربة التدخل الأجنبي ودعم الاستبداد.
وفي عام 1979 أيضا، جاء قبول الولايات المتحدة استقبال الشاه قبل اقتحام السفارة الأمريكية، فزاد ذلك المخاوف من تكرار التدخل. وكانت ذاكرة انقلاب 1953 لا تزال حيّة في وعي المجتمع الإيراني، وفي هذا السياق يكتسب سلوك واشنطن معناه. أما أزمة الرهائن، وإن شكّلت نقطة تحول في تصعيد التوتر، فلم تكن بداية هذا التاريخ كله، ولا يمكن أن تُحمل إيران مسؤولية النزاعات اللاحقة. كما أن توضيح خلفيات تلك الأزمة لا يعني تأييد كل ما جرى خلالها؛ فالمسألة هي تجنب حذف الأسباب والانتقاء التعسفي لنقطة بداية التاريخ.
ولم يسهم سلوك أمريكا في السنوات اللاحقة في ترميم انعدام الثقة هذا، بل زاد من حدته. ففي الحرب العراقية على إيران، اصطفت واشنطن، بدعمها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري صدام، إلى جانب نظام كان قد هاجم الأراضي الإيرانية. وبالنسبة إلى مجتمع كان يدفع الكلفة البشرية والمادية للحرب، كان هذا الدعم تجسيدا ملموسا للعداء. ولا يمكن استبعاد هذا السجل من الرواية ثم تصوير معارضة إيران للسياسات الأمريكية على أنها عداء بلا سياق. كما أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية الثقيلة وغير المسبوقة ليست أمرا ينساه الإيرانيون.
ومن هذا المنظور، يمكن عد حربَي 2025 و2026 نقطة انفجار لسجل طويل من الضغط والتدخل الأمريكي ضد إيران. فقد قصفت أمريكا مباشرة ثلاث منشآت نووية إيرانية في 22 يونيو 2025، ونفذت في 28 فبراير 2026، بالاشتراك مع الكيان الصهيوني، الضربات الأولى للحرب. وكانت هذه الوقائع قرارات محددة اتخذتها واشنطن في زمان وظروف محددين؛ ولا يمكن إزالة المسؤولية عنها بالإحالة إلى عام 1979، ولا تقديم هجمات اليوم على أنها مجرد امتداد حتمي لأحداث وقعت قبل نحو نصف قرن.
والنقطة الجوهرية هي الفرق بين «الجذور التاريخية للعداء» و«مسؤولية بدء حرب بعينها». فإذا كان ترامب يتحدث عن الجذور، فعليه أن يدخل في روايته، الانقلاب، ودعم الاستبداد، ودعم صدام، والعقوبات الاقتصادية الواسعة؛ وإذا كان يتحدث عن الحرب الأخيرة، فعليه أن يتحمل مسؤولية قراره بشن الهجمات. إن التنقل بين هذين النقاشين لا يمحو المسؤولية السياسية عن قرار الحرب.
لم تصنع إيران هذه العلاقات العدائية من العدم. وتجاهل دور أمريكا في تشكلها يحول التاريخ إلى أداة لتبرير السياسة الراهنة. فالرواية الموثوقة عن الماضي ينبغي أن تنطلق من حيث تشكل التدخل وانعدام الثقة، لا من النقطة الأنسب لتبرئة واشنطن.
*التاريخ لا يبدأ عام 1979 يا ترامب !*



