الأعمدة

شهداء ديسمبر وقادة الثورة ودعاة السلام.. هل قدّموا تضحياتهم لشعبٍ لا يستحقها؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 29 أكتوبر 2026
📖يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
\[الأعراف: 179\]
ويقول سبحانه وتعالي :
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
\[الحج: 46\]
ويقول سبحانه:

﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
\[يس: 30\]

حين دعا موسى عليه السلام فرعون وقومه إلى الحق، اتهموه بالضلال، كما قال الله تعالى:

﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ \[الأعراف: 60\]
إنها معانيٍ تدعونا إلى التأمل في أحوال البشر حين تُعطَّل العقول، وتُعمى البصائر، ويصبح التعصب أقوى من الحقيقة، فيُخذَل أصحاب الحق، ويُصدَّق من يضلل الناس، ويقف بعض المظلومين مع من يظلمونهم، ضد من يسعون إلى إنقاذهم.

فهل نجد في واقع السودان اليوم ما يدعونا إلى مراجعة أنفسنا ومواقفنا، والتأمل في مصير التضحيات التي قُدّمت من أجل الحرية والسلام والعدالة؟! 🤔💢
يحزنني، والله، أن أتأمل ما آل إليه حال السودان، وأن أستعيد في ذاكرتي أولئك الشباب الشرفاء الوطنيين الشجعان الذين خرجوا في ثورة ديسمبر، مؤمنين بأن هذا الشعب يستحق الحرية والسلام والعدالة، ومستعدين لبذل أرواحهم من أجل أن ينعم شعبهم بحياة كريمة في دولة مدنية ديمقراطية تحترم الإنسان وتصون حقوقه.
لم تكن تضحيات أولائك الشباب محصورة في شهداء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، وإن كانت تلك المجزرة واحدة من أبشع صفحات الغدر بالشعب السوداني؛ فقد امتدت التضحيات إلى شهداء المواكب والمظاهرات السلمية المناهضة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، ومن بينهم ست النفور ورفاقها، الذين واجهوا القمع والرصاص وهم يدافعون عن حق السودانيين في استعادة ثورتهم ومسارهم المدني الديمقراطي.
أولئك الشباب لم يخرجوا طلباً لسلطة أو جاه، ولم يكونوا يبحثون عن امتيازات شخصية، بل خرجوا من أجل وطنٍ يتساوى فيه المواطنون، ولا تتحكم في مصائرهم البنادق، ولا تُختطف إرادتهم بواسطة العسكر أو الجماعات السياسية التي تتخذ من الدين ستاراً لمشروعاتها في السلطة.
🤔 فهل كانوا يتصورون أن يأتي يومٌ يجد فيه بعض الذين ضحّوا من أجلهم أنفسهم في صفوف من يبررون الانقلاب والحرب، أو يرددون الأكاذيب التي تستهدف كل من يسعى إلى إنهاء هذه المأساة؟!
💢 إنَّ الخذلان لم يتوقف عند شهداء الثورة، ولم ينتهِ عند الذين خرجوا في المواكب السلمية وواجهوا الرصاص بصدورهم..
إنه خذلانٌ متواصل حتى اليوم، يتعرض له الشرفاء الوطنيون من قادة القوى المدنية والسياسية الذين ظلوا يدفعون أثماناً باهظة بسبب مواقفهم المناهضة للانقلاب والحرب، ومن بينهم عبدالله حمدوك، وخالد سلك، وبابكر فيصل، وعمر الدقير، ورفاقهم.
🫵 ظلَّ هؤلاء، وسائر دعاة وقف الحرب واستعادة الحكم المدني والانتقال الديمقراطي، يتعرضون لحملات التشويه والتخوين والاتهامات بالعمالة والارتزاق، ويواجه بعضهم مخاطر أمنية حقيقية، فيما اضطر كثيرون إلى مغادرة بلادهم والتشرد في أصقاع الأرض، لأجل مواصلة العمل من أجل إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني.
والمؤلم أن يجد هؤلاء الشجعان ، بدلاً من التقدير والمساندة، قطاعات واسعة من الشعب السوداني تصدق ما يُبث ضدهم من أكاذيب وبهتان، وتتعامل مع الدعاية التي تطلقها الأطراف العسكرية الانقلابية وحلفاؤها من جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، وكأنها حقائق لا تقبل النقاش 😡‼️.
🤔 أيُّ مفارقةٍ هذه؟!
أن يعمل بعض أبناء الوطن، في ظروف بالغة الصعوبة، من أجل وقف الحرب وإنقاذ المواطنين من الموت والتشرد والجوع، ثم يجدوا أنفسهم متهمين بالخيانة لدى بعض الذين يسعون إلى إنقاذهم!
وأن يصبح المنادي بالسلام موضعاً للريبة والتخوين، بينما يحظى من يبرر الحرب أو يروّج لاستمرارها بالتصفيق والتأييد!
ألا يستحق هذا المشهد وقفةً جادة للمراجعة والتأمل؟!
### 🛑 ما تكشفه الحرب من حقائق مؤلمة
إذا نظرنا إلى أحوال السودانيين اليوم، ولا سيما البؤساء الذين بقوا داخل البلاد أو عادوا إليها تحت ضغط الظروف، وجدنا ملايين يعيشون في أوضاع بالغة القسوة؛ يعانون من انعدام الأمن، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، وانقطاع الكهرباء والمياه، وانهيار مصادر الرزق، وارتفاع تكاليف الحياة، وغياب أبسط مقومات الاستقرار.
أسرٌ لا تعرف كيف توفر الطعام لأطفالها، ومرضى يعجزون عن الحصول على العلاج، وأطفال حُرموا من التعليم، ومواطنون فقدوا بيوتهم ومدخراتهم وأعمالهم، ولم يعودوا يعرفون ماذا يحمل لهم الغد أو أي مستقبل ينتظر أبناءهم.

ومع ذلك، تجد أغلبهم يصفقون للعسكر الانقلابيين أينما ظهروا، ويرفعون لهم شعارات التأييد ، ويصدقون رواياتهم الكاذبة، ويعيدون ترديد دعاياتهم عن العزة والكرامة ، حتى عندما تتناقض تلك الروايات مع واقع الذلّة والبؤس الذي يعيشونه هم ذات أنفسهم!!
🤔 كيف يمكن لمواطنٍ أنهكته الحرب، وجرّدته من أسباب الحياة الكريمة، أن يرى في استمرار حكم العسكر أو عودة الجماعات التي أسهمت في تكريس الاستبداد خلاصاً من مأساته؟!
كيف لا يربط بين الانقلاب على الانتقال المدني، والصراع على السلطة، والحرب التي انفجرت بين شريكي الانقلاب، وبين الكارثة التي يعيشها اليوم؟!
وكيف يصبح الولاء للقائد أو الجماعة أهم من مستقبل الأبناء، ومن حق الأسرة في الأمن والصحة والتعليم والعمل والحياة الكريمة؟!
إنها أسئلة موجعة، لا أجد لها إجابة منطقية .
فالمأساة ليست فقط في أن الحرب دمّرت البلاد، وإنما أيضاً في أن قطاعات وااااسعة من الشعب السوداني لا تزال تمنح الثقة لمن صنعوا هذه المأساة أو تسببوا فيها !!
### 💢 الحرب كشفت ما كان مستوراً
ولم تقتصر المأساة على الانقسام السياسي أو المواقف من الحرب؛ فقد كشفت الحرب، كذلك، عن مظاهر خطيرة من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي في قطاعات من المجتمع السوداني.
رأينا جرائم النهب والسرقة واستباحة ممتلكات المواطنين، وشهدنا انضمام أشخاص إلى عصابات الدعم السريع، وإلى مجموعات مسلحة من مرتزقة حركات دارفور، كما رأينا من التحقوا بكتائب وميليشيات جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية، وشاركوا في التعبئة العسكرية والسياسية التي غذّت الصراع وزادت الكارثة .
🫵كل هذه الممارسات، على اختلاف الجهات التي ارتكبتها، كشفت عن أزمة عميقة في الضمير الوطني، وعن استعداد بعض الناس للتخلي عن قيم التعايش والحقوق والواجبات، والانخراط في العنف أو الاستفادة من الفوضى على حساب دماء الآخرين وممتلكاتهم.
لا يمكن بناء وطنٍ سليم حين يصبح النهب بطولة، والتعصب فضيلة، والطاعة العمياء للقادة بديلاً عن التفكير، وتُقاس الوطنية بمدى الولاء لهذا المعسكر أو ذاك، لا بمدى احترام الإنسان لحقوق مواطنيه.
إن الوطن الذي حلم به شهداء ديسمبر لا يمكن أن يقوم على هذه القيم، ولا يمكن أن تستعاد فيه الثقة دون محاسبة عادلة للمجرمين، ومراجعة جادة للأفكار والممارسات التي شرعنت العنف والاستبداد، وإعادة الاعتبار للقانون والكرامة الإنسانية.
### 🛑 وهنا أصل إلى السؤال الأكثر إيلاماً
ما الذي كان يتوقعه شهداء ديسمبر من الشعب السوداني 🤔 ؟!
لقد خرجوا من أجل الحرية والسلام والعدالة، وسقطوا وهم يحلمون بأن ينعم السودانيون بدولة مدنية ديمقراطية، وأن يتخلصوا من الاستبداد، وأن تكون السلطة خاضعة لإرادة الشعب، لا أن يكون الشعب خاضعاً لإرادة أصحاب البنادق.
ثم جاء من واصلوا النضال السلمي والسياسي بعد الثورة، فدفعوا أثماناً من أمنهم واستقرارهم وحياتهم الأسرية، ولا يزال بعضهم يواجه حملات التخوين والتهديد والتشويه، بينما يواصلون الدعوة إلى وقف الحرب وإنهاء الانقلاب واستعادة الانتقال الديمقراطي.
فماذا كانت النتيجة؟!
🫵هاهي قطاعات واسعة من الشعب السوداني لا تزال تنحاز إلى الاطراف التي تتصارع على السلطة، بينما يتهمون الوطنيين الشرفاء بالخيانة ، يفعلون ذلك من دون أن يمنحوا أنفسهم فرصةً للتفكير في حقيقة ما يجري، أو في المصالح التي تقف وراء استمرار الحرب.
إن أكثر ما يؤلمني ليس اختلاف السودانيين في السياسة، وإنما أن يصل الخلاف ببعضهم إلى تأييد ومناصرة من يدمّرون عليهم حياتهم، بينما يعادون من يسعون إلى إنقاذهم!!
ولهذا، أجد نفسي أمام مرارة سؤالٍ لا يفارقني:
🤔 هل قدّم شهداء ديسمبر كل تلك التضحيات لشعبٍ لم يكن جديراً بها ، وليس مستعداً لحماية أحلامهم أو الدفاع عن المبادئ التي استشهدوا من أجلها؟!
للأسف الشديد، إن ما نراه اليوم يجعل هذا السؤال حاضراً بقوة، ويجعلني أخشى أن تكون تضحيات أولئك الشباب قد تجاوزت استعداد قطاعات من المجتمع لتحمل مسؤولية الحرية، وحماية الديمقراطية، ومقاومة الاستبداد، والتمييز بين الوطنية الحقيقية والدعاية السياسية.
ولعل أشد ما في الأمر مرارةً أن الشعب الذي دفع شهداء ديسمبر أرواحهم من أجله، لا يزال بعض أبنائه يصفقون للقوى التي أجهضت حلمهم، ويخذلون الذين يحاولون إنقاذ ما تبقى من ذلك الحلم.
### 🛑 وهنا لا أملك إلا أن أقول:
رحم الله شهداء ثورة ديسمبر، وشهداء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وشهداء المواكب السلمية المناهضة للانقلاب، ومن بينهم ست النفور ورفاقها.
والرحمة لكل من دفع حياته ثمناً لحلم السودان الحر، والعزاء لكل أسرة فقدت أبناءها وهي تؤمن بأن تضحياتهم ستفتح أبواب المستقبل.
والرحمة لكل ضحايا الحرب، من قتلى ومفقودين ومشرّدين، ولكل من تعرّضوا للتعذيب والاغتصاب والانتهاكات، ولكل أسرة فقدت أمنها وبيتها ومصدر رزقها.
والتحية لكل الشرفاء الوطنيين الذين لا يزالون، رغم كل ما يتعرضون له من تشويه وتخوين ومخاطر، ينادون بوقف الحرب، وإنهاء الانقلاب، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وبناء دولة القانون والعدالة.
لكنني، وأنا أنظر إلى هذا الواقع، لا أستطيع إخفاء مرارتي من حجم الخذلان الذي تعرضت له تلك التضحيات، ولا من اتساع الهوة بين أحلام الشهداء ومواقف قطاعات من أبناء الوطن الذين ضحّوا من أجلهم.

الحقيقة القاسية:
إن الحرية والعدالة لا يصنعها الشجعان وحدهم، وإن تضحيات الشهداء لن تكفي ما لم يكن هناك وعيٌ شعبي يحميها، وإرادةٌ وطنية تصون مكتسباتها.

فالثورات لا تُجهض فقط حين تنقلب عليها البنادق، بل تُجهض أيضاً حين يفقد الناس القدرة على التمييز بين من يسعى إلى تحريرهم ومن يريد إخضاعهم، وحين يصبح التضليل أقوى من الحقيقة، والولاء أقوى من الضمير.

ومع ذلك، فإن خذلان بعض الناس لا يمحو قيمة ما قدّمه الشهداء، ولا يجعل تضحيات الضحايا بلا معنى، ولا يسقط حق أسرهم في الحقيقة والعدالة. يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ \[الكهف: 30\]

إلى أسر الشهداء والضحايا، وإلى كل من فقد عزيزاً أو تعرّض للأذى والظلم: إن جحود الناس لا يغيّر من قيمة تضحياتكم، وإن انحراف البعض عن المبادئ التي ضحّى من أجلها أبناؤكم لا يجعل تلك المبادئ أقل عدالة ونبلاً. سيظل الوفاء لهم في التمسك بالحرية والسلام والعدالة، وفي مواصلة المطالبة بحقوق الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.

ما أشدّ وجعي وحزني على وطنٍ قدّم أبناؤه أرواحهم كي لا يحكمه الإستبداد، ثم أجد بعض أبنائه اليوم يهتفون لمن قتل إخوتهم ولمن يعيدون إنتاج الظلم والإستبداد !! 💢
والله لا يضيع أجر المحسنين 🤍

زر الذهاب إلى الأعلى