الأعمدة

رحمة عبدالمنعم يكتب :لجنة تهيئة «الخوار»..

في كل يوم تفاجئنا لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني بإضافة أعضاء جدد إلى عضويتها، وتلك ليست المشكلة بالطبع، فتوسيع ماعون المشاركة أمر مطلوب، ولكن يبدو أن ماعون اللجنة يتسع أيضاً لاقتسام كيكة «النثريات»، وتذاكر «الهاي كلاس» إلى الخرطوم، والاستقبال بالورود في صالة كبار الزوار، والإقامة الفندقية، وفواتير مقر إقامة الأعضاء ومقر اللجنة بضاحية الطائف، ونثريات المؤتمرات الصحفية واللقاءات مع الأحزاب والكيانات السياسية والمسؤولين الخارجيين، وكل ذلك على حساب دولة تخوض حرباً وجودية وتواجه أوضاعاً اقتصادية بالغة التعقيد!!

ومن قبل انتقدنا صرف الدولة على هذه «الملهأة»، فجاءنا رد الناطق باسم اللجنة أستاذنا عثمان ميرغني، مستنكراً انتقادنا تمويل الدولة لأنشطتها، ومتسائلاً: «من أين نأتي بالتمويل؟».. والسؤال الذي نعيد طرحه اليوم، أين تذهب هذه الأموال؟ وكم بلغت فاتورة اللجنة منذ تشكيلها؟ وما أوجه صرفها؟ وماذا أنجزت حتى الآن؟ وأستاذنا عثمان، المهموم بالشفافية والذي كرّس قلمه لجلد ممارسات الحكام «الغمتية» وتبديد المال العام، مطالب اليوم بنشر حسابات اللجنة للرأي العام، فالأموال العامة تحتاج إلى كشف حساب، والشفافية التي نطالب بها الحكام ينبغي أن تبدأ من المواقع التي نتولى مسؤوليتها!!

قلنا من قبل إن الحوار السوداني السوداني في الداخل مسار جيد، وإن جلوس السودانيين للتفاوض حول مستقبل بلادهم أمر مطلوب، ولكن «خوار لجنة عثمان» حتى الآن عاجز عن تهيئة البيئة السياسية للحوار، أو فتح «نفاج» مع القوى السياسية المناوئة للسلطة، وفي مقدمتها جماعة «صمود»، التي يسخر بعض المنتمين إليها من اللجنة وأعضائها، ويؤكدون رفضهم الحضور إلى السودان، باعتبارها لجنة تابعة للسلطة!!

وهنا نسأل ما البيئة التي تسعى لجنة عثمان لتهيئتها؟ وهل مهمتها جمع القوى الوطنية المتحالفة أصلاً، رغم تباين مواقفها حول طاولة واحدة؟ هذه القوى سبق أن دفعت برؤية للحوار السوداني السوداني، فهل جاءت اللجنة الجديدة لإعادة إنتاج ذات الرؤية وتغليفها بعنوان «تهيئة الحوار»؟ وأين الاختراق السياسي الذي يبرر كل هذه الاجتماعات والمصروفات؟!

كل ما نراه لقاءات متفرقة مع قوى الكتلة الديمقراطية والتيار الوطني وحزب الإصلاح الآن وكيان «غاضبون» وغيرها من الأحزاب والكيانات الهشة والضعيفة. ويقول الناطق باسم اللجنة عثمان ميرغني إنهم أجروا مشاورات واسعة مع أكثر من مائة مجموعة سياسية ومجتمعية، وإن عدداً منها وافق على المشاركة، فيما تتحفظ أطراف أخرى وتجري مشاورات معها.

وهنا مربط الفرس يا أستاذ عثمان: هل نجحت لجنتكم في إقناع أصحاب التحفظات؟ ومن هي القوى المؤثرة التي غيّرت مواقفها استجابة لمساعيكم؟

فالسيولة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد أفرزت تحالفات هشة ومرحلية، قابلة للتفكك في أية لحظة، وغالب هذه التحالفات يدور في فلك من يملك القوة ويغازل السلطة، وتجمع بينها قواسم الضعف وغياب القبول الشعبي الواسع، بعد أن فقدت قطاعات كبيرة من السودانيين ثقتها في الأحزاب وممارساتها وتكالبها على السلطة، فكيف تصنع لجنة ضعيفة اختراقاً وسط هذا الركام السياسي؟!

وسوف تضحك كثيراً وأنت تقرأ عن الضمانات التي تقول اللجنة إن الدولة قدمتها للمشاركين في الحوار، ومن بينهم جماعة «صمود»!! ونحن لسنا ضد عودة هؤلاء إلى الداخل أو مشاركتهم في الحوار متى راجعوا مواقفهم السياسية، فالعفو الذي شمل «النور القبة» و«السافنا» وغيرهما يفتح الباب أمام معالجة ملفات آخرين، أما الذين تذرعوا بالحياد الزائف وتبنوا خطاباً يردد سردية المليشيا و«الدويلة»، فإن مراجعة مواقفهم والعودة إلى الصف الوطني تستحق الترحيب، ويمكن للدولة التفاوض معهم مباشرة، بعيداً عن هذه اللجنة التي تستهلك الوقت وتثير السخرية!!

والأدهى أن مهام اللجنة تتمدد إلى قضايا كبرى، فقد تحدث عضوها نبيل أديب عن مناقشة النظام الديمقراطي والحكم والهوية ووحدة البلاد، وتفضيل اللامركزية والمطالبة بانتخابات حقيقية، وهي قضايا مهمة ومصيرية، ولكن كيف تخوض لجنة تهيئة نقاشاً حول كل هذه الملفات المعقدة، والبلاد تواجه حرباً وجودية ضد المليشيا وداعميها الإقليميين والدوليين؟ وأين الأولويات؟ ومن منح اللجنة تفويضاً للخوض في كل هذه القضايا قبل أن تنجح في مهمتها الأساسية؟!

نقولها بوضوح لجنة تهيئة «الخوار» تحولت إلى عبء على المال العام، ومضيعة للوقت، ومصنع للاجتماعات والنثريات التي «لا تسمن ولا تغني من اتفاق».

والأجدى تسريح هذه اللجنة وأعضائها، وإيقاف الصرف على أنشطتها، وتوجيه موارد الدولة إلى ما ينفع الناس ويسند معركة البلاد ويخفف معاناة المواطنين، فالسودان يحتاج إلى أفعال ونتائج واختراقات حقيقية، وقد شبع الناس مؤتمرات وبيانات ولقاءات فندقية، وحان وقت السؤال الذي يتهرب منه الجميع،ماذا قدمت لجنة عثمان للسودان غير فاتورة جديدة يدفعها شعب أنهكته الحرب؟!..

زر الذهاب إلى الأعلى