ثمة شعراء لا تقف علاقتهم بالناس عند حدود القصيدة المكتوبة، ولا تنتهي رحلتهم الإبداعية حين تخرج الكلمات من دفاترهم إلى فضاء الغناء؛ إنهم أولئك الذين تتسلل مفرداتهم إلى الحياة اليومية، فترافق العشاق في لحظات البوح، وتؤنس المغتربين في وحشة المسافات، وتستعيد مع الناس ملامح الأمكنة التي تركوها وراءهم، وتوقظ في الذاكرة صوراً حسبوا أن الزمن قد طواها. وحين تتحول القصيدة إلى جزء من الوجدان الجمعي، فإنها لا تعود ملكاً لصاحبها وحده، بل تصبح مساحة مشتركة يلتقي فيها الأفراد على اختلاف تجاربهم، ويجد كل واحد منهم فيها شيئاً من حكايته الخاصة. ومن هذه المنطقة الوجدانية العميقة يمكن الاقتراب من تجربة الشاعر السوداني عبد الوهاب هلاوي، الذي استطاع أن يجعل من الكلمة جسراً بين القلب والحياة، وبين خصوصية التجربة الفردية واتساع الذاكرة السودانية.
إن الكتابة عن عبد الوهاب هلاوي ليست استعادةً لسيرة شاعرٍ ارتبط اسمه بعدد من الأغنيات التي أحبها الناس فحسب، وإنما هي محاولة لقراءة تجربة إبداعية اتسعت لتشمل الشعر الغنائي والاجتماعي والوطني، والكتابة للأطفال، والعمل الإذاعي والتلفزيوني والصحفي. وهي تجربة تستحق أن تُقرأ في سياق التحولات التي شهدتها الأغنية السودانية، وأن يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من حركة ثقافية أوسع، جعلت الكلمة العامية قادرة على التعبير عن أدق الانفعالات الإنسانية، وعلى تجاوز حدود التداول اليومي لتصبح أداةً جمالية تحمل المعنى والإيقاع والصورة والذاكرة.
في كسلا، المدينة التي تحتضنها الجبال وتمنحها الطبيعة سحرها الخاص، تشكلت ملامح مبكرة من وجدان هلاوي. هناك، حيث القاش جزء من ذاكرة المكان، وحيث تتداخل الحياة اليومية مع مواسم المطر وخضرة الأرض ودفء العلاقات الإنسانية، وجد الشاعر في محيطه الأول مادةً خصبة للكتابة، ومصدراً لا ينضب من الصور والانفعالات. ولم تكن كسلا بالنسبة إليه مجرد مدينة ينتمي إليها جغرافياً، بل كانت فضاءً وجدانياً ظل حاضراً في تجربته، حتى حين اتسعت حياته لتشمل الخرطوم وغيرها من الأمكنة.
وقد عبّر هلاوي في أحاديثه عن خصوصية علاقته بكسلا، وعن أثرها في تكوينه الشعري، مشيراً إلى أنها علمته الكتابة والحب والجمال. وهي عبارة تختصر جانباً مهماً من علاقته بالمكان؛ فالمدينة التي تمنح أبناءها خبرتهم الأولى بالحياة تترك فيهم أكثر من صورة أو ذكرى، إنها تمنحهم طريقة في النظر إلى العالم، وتغرس فيهم حساسيةً خاصة تجاه الناس والأشياء والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها العابرون.
ولعل القاش، بما يحمله من دلالات الحياة والتجدد والانتظار، يظل واحداً من المفاتيح التي تساعدنا على فهم العلاقة بين الشاعر ومكانه. فالأنهار في الوجدان الإنساني ليست مجاري للمياه فحسب؛ إنها صور للزمن، ومرايا للذاكرة، وشواهد على تعاقب الأجيال. وعلى ضفافها تتشكل الحكايات، وتكبر الأحلام، وتظل الطفولة حاضرةً حتى بعد أن يبتعد الإنسان عن مسقط رأسه. وحين يستدعي الشاعر المكان في كتابته، فإنه لا يستعيد ملامحه الخارجية وحدها، بل يستعيد ما تركه المكان في داخله من عاطفة وحنين وإحساس بالانتماء.
ومن هنا، فإن حضور كسلا في عالم هلاوي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حنيناً تقليدياً إلى مسقط الرأس، بل باعتباره جزءاً من بنية تجربته الشعرية. فالمكان عند الشاعر الحقيقي ليس خلفيةً صامتة للأحداث، وإنما عنصر فاعل في تشكيل رؤيته، ومصدر من مصادر لغته وصوره وإيقاعه الداخلي. وكلما ابتعد الإنسان عن المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته الأولى، أدرك أن المسافة لا تُقاس بالأميال وحدها، وأن بعض الأمكنة تظل قريبةً على الرغم من بعدها، بينما قد تصبح أمكنة أخرى غريبةً رغم الإقامة الطويلة فيها.
بدأ هلاوي كتابة الشعر في سن مبكرة، وشهدت سنوات شبابه الأولى ظهور نصوصه في فضاء الغناء السوداني. وكان الفنان الراحل زيدان إبراهيم من أوائل الذين تغنوا بكلماته، ومن أبرز تلك الأغنيات «لو تعرف اللهفة والريد والعذاب»، ثم توالت أعمال أخرى، منها «تتبدل مع الأيام» و«عشان خاطر عيون حلوين» و«فراش القاش». وقد أشار هلاوي في حواراته إلى أن بعض هذه التجارب الغنائية ظهرت حين لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره، وهو ما يكشف عن بدايات مبكرة لشاعر وجد طريقه إلى الجمهور عبر الأغنية.
ولم تكن هذه البداية مجرد عبور إلى الوسط الفني، بل كانت لحظة تأسيس لعلاقة طويلة بين الكلمة والصوت. فالأغنية الناجحة لا تقوم على جمال الكلمات وحده، ولا على قوة اللحن وحده، وإنما على التفاعل الخلاق بين عناصرها، بحيث يمنح كل عنصر الآخر فرصةً للكشف عن طاقته. والكلمة الشعرية حين تنتقل إلى الغناء تدخل تجربةً جديدة؛ إذ تصبح مطالبةً بأن تحتفظ بعمقها الدلالي، وفي الوقت نفسه تستجيب للإيقاع والنبرة والتنفس الموسيقي. وهذه المعادلة لا تتحقق بسهولة، بل تحتاج إلى حساسية لغوية وقدرة على إدراك ما تحتمله العبارة من موسيقى وما تختزنه من شعور.
ومن خلال مسيرته، تعاون هلاوي مع أصوات فنية متعددة، من بينها زيدان إبراهيم، وأبو عركي البخيت، ومصطفى سيد أحمد، ويوسف الموصلي، وعبد العظيم حركة، وعبد الكريم الكابلي، إلى جانب فرقة عقد الجلاد وعدد من المطربين الآخرين. وقد أسهم هذا التنوع في وصول نصوصه إلى شرائح مختلفة من الجمهور، ومنح أعماله فرصاً متعددة للتجسيد الموسيقي والأدائي. وتورد كتابات صحفية عن تجربته أن رصيده الغنائي تجاوز مئةً وستين أغنية، وأن أكثر من ثلاثين فناناً تغنوا بكلماته، وهي أرقام تعكس اتساع نشاطه الإبداعي، مع ضرورة الرجوع إلى فهرس موثق لأعماله لتحديد الرصيد النهائي وتواريخه.
غير أن أهمية هلاوي لا تكمن في عدد الأغنيات وحده، بل في تنوع الموضوعات التي تناولها، وفي قدرته على الانتقال بين مستويات مختلفة من التعبير. ففي بعض نصوصه نجد العاطفة الفردية بما تحمله من لهفة وعتاب وانتظار، وفي أخرى نجد تفاصيل الحياة الاجتماعية وما يعتريها من تعب وأمل، كما نجد اهتماماً بالوطن والمكان والطفولة. وهذا التنوع يكشف عن شاعر لم يحصر نفسه في غرض واحد، وإنما جعل من الكتابة وسيلةً لمقاربة الإنسان في حالاته المختلفة.
والحب، في تجربة هلاوي، ليس مجرد موضوع غنائي متكرر، بل مدخل إلى فهم النفس البشرية وما يعتمل فيها من تناقضات. فالعاطفة لا تظهر دائماً في صورة اعتراف مباشر أو كلمات صريحة؛ أحياناً تتجلى في الصمت، وأحياناً في العتاب، وأحياناً في انتظار طويل لا يعرف صاحبه إن كان يقوده إلى اللقاء أم إلى مزيد من الغياب. والشاعر المرهف هو الذي يستطيع أن يلتقط هذه المساحات الملتبسة، وأن يمنحها لغةً لا تفسد غموضها الإنساني، بل تكشف ما فيها من صدق وحرارة.
وتبرز في هذا السياق أغنية «لو مني مستني الملام»، التي تغنى بها مصطفى سيد أحمد، بوصفها واحدة من الأعمال المرتبطة باسم هلاوي في ذاكرة المستمع السوداني. وهي من النصوص التي تتيح التأمل في طبيعة العلاقة بين البوح والعتاب، وبين الرغبة في استعادة الوصال والخوف من انكشاف الجرح. فالعتاب في التجربة الإنسانية ليس مجرد لوم، بل قد يكون تعبيراً عن محبة لم تنطفئ، وعن انتظار لم يفقد أمله تماماً، وعن رغبة في أن يفهم الآخر ما عجز الكلام السابق عن إيصاله.
وإذا كانت الأغنية العاطفية تستمد قوتها من قدرتها على ملامسة التجربة الشخصية، فإن الأغنية الاجتماعية تتطلب من الشاعر أن يوسع مجال رؤيته، وأن ينتقل من مشاعره الخاصة إلى أحوال الآخرين. وهنا تتبدى إحدى الجوانب المهمة في تجربة هلاوي؛ إذ لم يتوقف عند التعبير عن الحب والحنين، بل التفت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى الشخصيات التي تعيش على هامش الاهتمام العام، وإلى ما تحمله الحياة من مفارقات وأعباء لا تظهر دائماً في الخطاب الفني السائد.
وتأتي أغنية «حاجة آمنة»، التي قدمتها فرقة عقد الجلاد، في مقدمة الأعمال التي تكشف عن هذه النزعة الاجتماعية. فهي ليست مجرد أغنية تتخذ من شخصية امرأة محوراً للحديث، وإنما نص يستدعي مشهداً إنسانياً تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع الصبر والانتظار وثقل الظروف. وقد عُدّت هذه التجربة من النصوص التي اقتربت من البناء الدرامي، لما تتيحه من رسم للشخصية وتتابع للمشاهد واستحضار لبيئة اجتماعية واضحة الملامح.
إن اختيار شخصية بسيطة من واقع المجتمع وتحويلها إلى مركز لعمل فني يكشف عن قدرة الشاعر على رؤية الإنسان حيثما كان، بعيداً عن الأضواء والمظاهر. فالمرأة التي تحمل أعباء الحياة اليومية، وتواجه ما يفرضه الواقع من صعوبات، ليست تفصيلاً عابراً في المجتمع، بل جزء من حكايته الكبرى. وعندما يمنحها الشاعر صوتاً وحضوراً، فإنه يفتح نافذة على عالم ربما اعتاد الناس رؤيته دون أن يتوقفوا عند تفاصيله أو يتأملوا ما ينطوي عليه من مشاعر وتجارب.
وتتجاوز أهمية هذا النوع من الكتابة حدود الأغنية؛ إذ تقترب من التوثيق الاجتماعي، لا بمعنى تسجيل الوقائع بصورة حرفية، وإنما بمعنى حفظ روح المرحلة وشخصياتها وأنماط الحياة فيها. فالأدب يستطيع أن يقدم للتاريخ ما لا توفره الوثائق الرسمية وحدها: نبض الحياة اليومية، وطريقة الناس في الكلام، وأشكال العلاقات بينهم، وما يعتريهم من آمال ومخاوف. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة بعض أعمال هلاوي بوصفها نصوصاً تجمع بين الوظيفة الجمالية والقدرة على استحضار الواقع الاجتماعي.
ويمتد اهتمامه إلى موضوعات أخرى تتصل بالوطن والهوية والانتماء. وفي الأغنية الوطنية، لا تتحدد القيمة بمجرد ذكر الوطن أو الاحتفاء به، وإنما بقدرة النص على تحويل الانتماء إلى تجربة إنسانية حية. فالوطن قد يظهر في صورة المكان الذي نشأنا فيه، أو في ذكرى البيت الأول، أو في تفاصيل الحياة التي لا ندرك قيمتها إلا عندما نفقدها. وقد يكون الحنين إليه أكثر صدقاً من الخطاب المباشر، لأنه يصدر عن علاقة عميقة تتكون عبر الزمن، لا عن مناسبة عابرة.
وتندرج في هذا السياق أغنية «بلدنا نعلي شانا»، التي ارتبطت بكلمات هلاوي، بوصفها واحدة من الأعمال ذات الدلالة الوطنية في رصيده. فالوطن، في الوجدان الشعري، ليس شعاراً مجرداً، بل مسؤولية تجاه الإنسان والأرض والذاكرة والمستقبل. والاحتفاء به لا يكتمل بالحديث عن أمجاده وحدها، وإنما يتطلب الإيمان بكرامة أهله، وصون تنوعهم، والعمل من أجل أن يكون مكاناً يتسع لأحلامهم واختلافاتهم.
وفي ظل ما مر به السودان من أزمات وحروب ونزوح، تزداد الحاجة إلى قراءة الأعمال التي تتصل بالمكان والذاكرة والانتماء، وإلى فهم الكيفية التي تستطيع بها القصيدة أن تحفظ شيئاً من روح الوطن في زمن تتعرض فيه ملامحه للتبدل والتمزق. فالحرب لا تدمر البيوت والبنى المادية وحدها؛ إنها تهدد أيضاً الروابط التي تصل الإنسان بماضيه، وتضع ذاكرته أمام احتمال الفقد. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الشعر إحدى الوسائل التي يستعيد بها الناس صورهم المبعثرة، ويحمون ما تبقى من علاقتهم بالأمكنة التي شكلت حياتهم.
ولعل هذا ما يمنح الحنين إلى كسلا في تجربة هلاوي دلالة تتجاوز حدود السيرة الشخصية. فالمكان الذي يظل حاضراً في وجدان الشاعر يصبح قادراً على مخاطبة كل من عرف معنى الابتعاد، وكل من اضطر إلى ترك بيته أو مدينته، وكل من اكتشف أن بعض تفاصيل الحياة لا يمكن تعويضها مهما تبدلت الظروف. وهكذا تلتقي الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية، وتصبح القصيدة مساحةً للقاء بين تجارب متباعدة يجمعها الشعور بالفقد والانتماء.
ومن الجوانب التي تستحق اهتماماً خاصاً في تجربة هلاوي كتابته للأطفال. فقد كتب عدداً من النصوص والأناشيد التي دخلت إلى عالم الطفولة عبر الإذاعة والتلفزيون، ومن الأعمال المعروفة في هذا المجال «يا طالع الشجرة» و«طيري يا طيارة». وقد أشار في أحد حواراته إلى أن لديه عشرات الأغنيات الموجهة للأطفال، وأن أعمالاً من هذا النوع محفوظة في مكتبة الإذاعة والتلفزيون.
والكتابة للطفل ليست مهمة هامشية في مسيرة الشاعر، بل هي اختبار مختلف للموهبة والقدرة على التواصل. فالطفل لا يتلقى النص بالطريقة نفسها التي يتلقاه بها الراشد؛ إنه يقترب منه بحواسه الأولى، ويحتاج إلى لغة واضحة لا تفقد دهشتها، وإلى إيقاع يساعده على التفاعل، وإلى صور تفتح أمام خياله مساحات للاكتشاف. والشاعر الذي ينجح في مخاطبة الطفل يدرك أن البساطة ليست نقصاً في التعبير، بل مهارة في الوصول إلى جوهر الفكرة دون أن تثقلها الزوائد.
كما أن أغنيات الأطفال تؤدي وظيفة ثقافية وتربوية تتجاوز الترفيه، فهي تسهم في تنمية الخيال واللغة والإحساس بالإيقاع، وتمنح الطفل فرصة للتعرف إلى بيئته ومجتمعه من خلال الكلمة والصوت. وحين تُكتب هذه الأعمال بوعي فني، فإنها تظل جزءاً من الذاكرة المبكرة التي ترافق الإنسان إلى مراحل لاحقة من حياته. وكم من أغنية تعلمها المرء في طفولته ثم وجد نفسه يستعيدها بعد عقود، لا ليتذكر كلماتها فقط، بل ليستعيد معها وجوهاً وأمكنة وأزمنة انقضت وبقي أثرها.
وقد امتدت تجربة هلاوي إلى مجال الإعلام، حيث عمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثم ارتبط نشاطه بالكتابة والإعداد البرامجي والنصوص الموجهة إلى الإذاعة والتلفزيون. وتشير الكتابات التي تناولت مسيرته إلى أنه كتب شعارات لعدد من البرامج، وأسهم في صياغة مقدمات لأعمال درامية إذاعية وتلفزيونية، من بينها مسلسل «أمير الشرق».
ويكشف هذا الجانب عن تعدد أدواته الإبداعية، وعن قدرة الكلمة لديه على الانتقال بين أشكال مختلفة من التعبير. فالشعر الغنائي يحتاج إلى حس موسيقي وإيقاعي، بينما تتطلب الكتابة للإعلام قدرة على الاختزال والوضوح، وإدراكاً لطبيعة الوسيط والجمهور. أما كتابة المقدمات الدرامية فتحتاج إلى التقاط الجوهر الشعوري للعمل، وصياغة كلمات تستطيع أن تهيئ المتلقي للدخول إلى عالمه دون أن تكشف أسراره أو تستنفد دلالاته.
إن العمل في الإعلام، حين يجتمع بالموهبة الأدبية، يمنح الكاتب خبرةً إضافية في التعامل مع الكلمة والصوت والصورة، ويضعه أمام تحديات تتعلق بسرعة الإيقاع، ووضوح الرسالة، وضرورة التوفيق بين القيمة الفنية ومتطلبات الوسيط. ومن هنا، فإن تجربة هلاوي الإعلامية ليست مجرد فصل مهني منفصل عن شعره، بل جزء من تكوينه الثقافي، ومن خبرته في التعامل مع اللغة في سياقات متعددة.
وتتصل هذه الخبرة كذلك بمسألة التوثيق وحفظ الإنتاج الإبداعي. فالأغنية التي تُبث عبر الإذاعة أو التلفزيون تصبح جزءاً من الذاكرة العامة، لكنها قد تتعرض مع مرور الزمن للنسيان أو الالتباس إذا لم تُحفظ بياناتها الأساسية، من أسماء مؤلفيها وملحنيها ومؤديها إلى تاريخ تسجيلها وبثها. ولذلك فإن أرشفة أعمال الشعراء والملحنين والمغنين ليست عملاً إدارياً فحسب، بل مسؤولية ثقافية تضمن للأجيال المقبلة أن تتعرف إلى تاريخ الأغنية السودانية، وأن تميز بين مراحلها ومدارسها وأسماء الذين أسهموا في بنائها.
ومن المشاريع التي تستحق التوقف عندها في تجربة هلاوي مشروعه الشعري «المشاعل»، الذي ارتبط بفكرة النص الغنائي القصير، أو ما عُرف في حديثه عن تجربته بـ«الميني نص». ويكشف هذا المشروع عن رغبة في اختبار شكل مختلف من أشكال الكتابة، يقوم على التكثيف والتركيز، وعلى منح العبارة مساحة محدودة تحمل فيها أكبر قدر ممكن من الدلالة والإيحاء.
إن النص القصير ليس بالضرورة نصاً بسيطاً في بنائه، ولا يعني اختصار الكلمات أن عملية الكتابة أصبحت أقل تعقيداً. فالتكثيف يحتاج إلى معرفة دقيقة بما ينبغي الاحتفاظ به وما يمكن الاستغناء عنه، وإلى قدرة على جعل المفردة الواحدة تؤدي أكثر من وظيفة، بحيث تحمل معناها المباشر وتوحي، في الوقت نفسه، بمعانٍ أخرى لا تُقال صراحة. وفي هذا النوع من الكتابة، يصبح الصمت جزءاً من البناء، وتغدو المسافة بين الكلمات ذات أهمية لا تقل عن أهمية الكلمات نفسها.
وتكتسب «المشاعل» أهميتها من كونها محاولة لتوسيع إمكانات النص الغنائي، والبحث عن صيغة تتلاءم مع إيقاع الحياة المتغير، دون التخلي عن جوهر الشعر. غير أن دراسة هذا المشروع دراسةً نقدية متكاملة تقتضي جمع نصوصه وتوثيقها، والنظر في خصائصها اللغوية والإيقاعية، ومقارنتها بالأشكال الأخرى التي استخدمها هلاوي في كتابته. فالتجربة الجديدة لا تُقاس باسمها أو قصر نصوصها، وإنما بما تضيفه إلى اللغة الغنائية، وما تفتحه من احتمالات تعبيرية، ومدى نجاحها في إقامة توازن بين الاختزال والعمق.
ولا تكتمل ملامح التجربة الإبداعية لعبد الوهاب هلاوي عند حدود النصوص التي عبرت إلى الجمهور من خلال الغناء، فله أيضاً إصدارات شعرية تكشف عن جوانب أخرى من عالمه الأدبي، وتتيح الاقتراب من تجربته بعيداً عن الوسيط الموسيقي الذي ارتبط به اسمه زمناً طويلاً. ومن بين هذه الإصدارات ديوان (حاجة آمنة)، وديوان (يا طالع الشجرة)، وديوان (المنحدر)، و(كتاب نازحون في الأرض) وهي عناوين تفتح أمام القارئ آفاقاً متعددة لاستكشاف عوالم الشاعر، والوقوف على تنوع اهتماماته وطرائق تعبيره عن الإنسان والحياة والمجتمع.
ويكتسب ديوان «حاجة آمنة» دلالة خاصة في ضوء ارتباط هذا العنوان بعالم هلاوي الشعري الذي اقترب من تفاصيل الحياة الاجتماعية، ومن الشخصيات التي تعيش في قلب الواقع اليومي، حاملةً أعباءها وأحلامها الصغيرة. أما «يا طالع الشجرة»، فيستدعي عنوانه ذلك الأفق الذي تلتقي فيه اللغة بالخيال والطفولة، وهو مجال آخر من مجالات اهتمام الشاعر، الذي لم يحصر كتابته في التجربة العاطفية للراشدين، بل اتجه أيضاً إلى مخاطبة عالم الصغار بما يتطلبه من عفوية وإيقاع وخصوبة في الصورة. ويظل ديوان «المنحدر» عنواناً يستحق أن يُقرأ في سياق التجربة الكاملة للشاعر، مع ضرورة الرجوع إلى نصوصه نفسها لتحديد دلالاته وملامحه الفنية، بعيداً عن الاكتفاء بما يوحي به العنوان.
وتتسع هذه التجربة أكثر مع الكتاب “نازحون في الأرض” الذي يتناول رحلة النزوح والهجرة في ظروف الحرب، وهو جانب بالغ الأهمية في مسيرة هلاوي؛ لأنه ينقل الكتابة إلى مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً في حياة السودانيين. فالنزوح ليس انتقالاً من مكان إلى آخر فحسب، والهجرة في زمن الحرب ليست مجرد رحلة بحث عن الأمان، بل هما اقتلاعٌ للإنسان من تفاصيل حياته المألوفة، وامتحانٌ لذاكرته وقدرته على التكيف، ومواجهة يومية مع الغياب والفقد والأسئلة التي لا تجد إجابات سهلة.
في هذه التجربة، تصبح الكتابة وسيلةً لحفظ ما قد يتعرض للضياع وسط صخب الأحداث؛ تحفظ حكايات الذين تركوا بيوتهم، وملامح المدن التي تبدلت، والروابط التي تفرقت تحت ضغط الحرب، كما تسجل ما يعتمل في النفس من خوف وحنين ورجاء. ومن هنا تتجاوز الكتابة حدود التوثيق المباشر لتقترب من الشهادة الإنسانية، حيث تتجاور الوقائع مع الذاكرة، ويصبح المكان المفقود حاضراً في الوجدان، وتغدو العودة حلماً يتجاوز معناها الجغرافي إلى استعادة الإحساس بالأمان والانتماء.
ويكشف هذا الجانب عن أهمية النظر إلى هلاوي بوصفه شاعراً وكاتباً متعدد الاهتمامات، لا بوصفه صاحب كلمات غنائية فحسب. فبين دواوينه الشعرية وكتابته عن النزوح والهجرة، تتسع مساحة التجربة لتشمل الإنسان في علاقته بالحب والمكان والطفولة والمجتمع والوطن، وفي مواجهته لظروف استثنائية تهدد استقراره وذاكرته. وهكذا تتجاور في مشروعه الكتابي خصوصية الشعور الفردي مع الأسئلة العامة، ويظل الإنسان، بما يحمله من أحلام وانكسارات، محوراً تتقاطع عنده مسارات الكتابة المختلفة.
ومن المهم كذلك ألا يُختزل هلاوي في الأغنيات الأكثر شهرةً وحدها. فالشاعر الذي يكتب على امتداد عقود قد تكون لديه نصوص لم تجد طريقها إلى التسجيل، أو أعمال لم تنل ما تستحقه من الانتشار، أو كتابات تكشف جوانب من تجربته لا تظهر في الأغنية المتداولة. وقد أشار في بعض حواراته إلى وجود قصائد اجتماعية ونصوص يعتز بها، وإلى أهمية أن يجد الإبداع السوداني مجالاً أوسع للحضور في الصحافة والإعلام. وهذه الإشارة تجعل جمع النصوص غير المغناة ودراستها جزءاً مهماً من أي مشروع جاد لتوثيق مسيرته.
ولا يكتمل الاحتفاء بالشاعر بمجرد إعادة نشر سيرته أو ترديد أسماء أغنياته؛ فالمطلوب أن تُقرأ النصوص نفسها، وأن تُدرس لغتها وصورها وبنيتها، وأن يُنظر في علاقتها بالتحولات التي عرفها المجتمع السوداني. كما أن دراسة العلاقة بين النص واللحن والأداء يمكن أن تكشف عن الكيفية التي تتغير بها دلالات القصيدة حين تنتقل من الصفحة إلى الصوت، وعن الدور الذي يؤديه الملحن والمغني في إبراز جوانب معينة من النص أو منحها معنى إضافياً.
ومن هنا، فإن تجربة عبد الوهاب هلاوي تفتح أمام النقد أكثر من باب. هناك باب اللغة العامية السودانية وما تمتلكه من طاقة تعبيرية، وباب الصورة الشعرية وعلاقتها بالمكان والذاكرة، وباب الأغنية الاجتماعية وقدرتها على تصوير الشخصيات والبيئات، وباب الكتابة للأطفال، ثم باب الإعلام الذي يمنح الكلمة أشكالاً أخرى من الحضور. وهذه الجوانب مجتمعة تجعل من تجربته موضوعاً صالحاً لدراسة واسعة تتجاوز المقال الاحتفائي إلى قراءة نقدية وتوثيقية متكاملة.
إن الشعر العامي السوداني، في أفضل تجلياته، ليس مجرد نقل للكلام الدارج إلى قالب موزون، بل هو قدرة على اكتشاف الجمال الكامن في اللغة التي يتحدث بها الناس، وعلى تحويل مفرداتها اليومية إلى صور وإيقاعات ودلالات تتجاوز استعمالها المعتاد. فالعامية ليست نقيضاً للفصحى في القيمة الإبداعية، وإنما نظام تعبيري له خصائصه وطاقاته ومرجعياته الثقافية. وقد استطاع عدد من الشعراء السودانيين أن يمنحوا هذا النظام اللغوي مكانةً مركزية في الأغنية، وأن يجعلوه قادراً على التعبير عن التحولات العاطفية والاجتماعية والسياسية التي عاشها المجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة إسهام هلاوي بوصفه جزءاً من حركة الشعر الغنائي السوداني التي جمعت بين أصالة التعبير المحلي والانفتاح على أشكال مختلفة من الأداء والتلحين. فالشاعر الذي يكتب للغناء مطالب بأن يصغي إلى اللغة كما تُقال في الحياة، وأن يلتقط إيقاعها الداخلي، وأن يعرف كيف يحولها إلى نص يحتفظ بعفويتها دون أن يقع في الابتذال، ويحقق شعريته دون أن يفقد صلته بالناس.
ولعل أهم ما ينبغي أن يظل حاضراً في قراءة هذه التجربة هو أن الفن لا يعيش بالموضوع وحده، ولا باللغة وحدها، وإنما بالطريقة التي يلتقي بها الموضوع باللغة والصورة والإيقاع. فقد يكتب عشرات الشعراء عن الحب، لكن لكل واحد منهم طريقته في اكتشافه وصياغته. وقد يتناول كثيرون الوطن والحنين والغياب، غير أن القيمة الفنية تتحدد بما يضيفه كل نص إلى خبرة المتلقي، وبقدرته على أن يجعله يرى ما يعرفه من زاوية جديدة.
ومن هنا تأتي ضرورة القراءة النقدية التي تميز بين الأعمال وتدرسها، بدلاً من أن تضعها جميعاً في مرتبة واحدة. فالمسيرة الطويلة تتضمن تحولات وتجارب متفاوتة، وقد تحمل بعض النصوص طاقة أكبر على البقاء والتجدد، بينما تظل نصوص أخرى مرتبطة بظروفها الأولى. والاعتراف بهذا التفاوت لا ينتقص من قيمة الشاعر، بل يمنح تجربته حقها في الدراسة الموضوعية، ويجعل الاحتفاء بها أكثر صدقاً وعمقاً.
إن عبد الوهاب هلاوي، بما قدمه من أعمال غنائية واجتماعية ووطنية، وبما كتبه للأطفال، وبما راكمه من خبرة في العمل الإعلامي، يمثل اسماً يستحق حضوراً أوسع في الدراسات التي تتناول الشعر الغنائي السوداني. وليس المطلوب أن يُقدَّم بوصفه شاعراً بلا حدود أو أن تُرفع تجربته فوق النقد، وإنما أن تُقرأ أعماله بعناية، وأن تُوثق، وأن يُمنح ما أنجزه من اهتمام يتناسب مع اتساع مسيرته وتنوعها.
كما أن الوفاء لهلاوى لا ينبغي أن ينفصل عن الوفاء للذاكرة الثقافية السودانية كلها. فالأغنية التي رافقت الناس في أفراحهم وأحزانهم تحمل في داخلها تاريخاً من العلاقات والتجارب والتحولات. والشاعر الذي أسهم في صياغة هذه الأغنية شارك، بطريقته، في كتابة جزء من التاريخ الوجداني للمجتمع. وحين تحفظ المؤسسات الثقافية أعماله، فإنها لا تحفظ نصوصاً فردية فحسب، بل تصون جانباً من الذاكرة المشتركة التي تشكلت عبر أصوات الشعراء والملحنين والمغنين.
ولعل ما يجعل الشعر قادراً على البقاء هو أنه لا يقدم للإنسان إجابات جاهزة بقدر ما يمنحه لغةً لفهم أسئلته. فهو لا يعيد الزمن الذي مضى، لكنه يحفظ أثره؛ ولا يلغي الحزن، لكنه يفتح أمامه نافذةً للتعبير؛ ولا يعيد الغائبين إلى أماكنهم، لكنه يبقي صورهم حيةً في الذاكرة. وحين تلتقي هذه القدرة باللغة الغنائية، يصبح النص قادراً على أن يعيش أكثر من حياة، وأن يتجدد أثره كلما تغير المستمع وتبدلت ظروفه.
وهكذا، فإن تجربة عبد الوهاب هلاوي تستحق أن تُقرأ من خلال هذا الامتداد الإنساني الذي يصل القصيدة بحياة الناس، ويجعل من الكلمة أكثر من عبارة جميلة أو لحن عابر. إنها تجربة شاعرٍ وجد في المكان الأول مصدراً للحنين، وفي الحب مجالاً لاستكشاف النفس، وفي الحكاية الاجتماعية طريقاً إلى الإنسان، وفي الوطن معنى يتجاوز الحدود الجغرافية، وفي الكتابة للأطفال فرصةً لمخاطبة البدايات الأولى للوعي والخيال.
وحين تتنفس الكلمة وجدان الوطن، فإنها تتحول من حروفٍ على الورق إلى جزء من حياة الذين وجدوها تعبر عنهم، ومن ذاكرة الذين حملوها معهم في أسفارهم، ومن حنين الذين ظلوا يبحثون، عبر الأغنية، عن الطريق إلى بيوتهم الأولى. وفي هذا الامتداد تكمن القيمة التي تستحق أن نتوقف عندها في تجربة عبد الوهاب هلاوي: أن الشعر، حين يصدر عن حساسية إنسانية صادقة، يستطيع أن يتجاوز لحظة كتابته، وأن يجد لنفسه مكاناً في وجدان أجيال لم تكن قد جاءت إلى الحياة حين كُتبت بعض نصوصه.
ولذلك فإن أصدق تكريم له هو أن نمنح أعماله ما تستحقه من قراءة وتوثيق ودراسة، وأن نعمل على جمع نصوصه المطبوعة والمغناة وغير المنشورة، وأن نحفظ للأجيال القادمة فرصة التعرف إلى تجربته في سياقها الكامل. فالشعراء لا يبقون لأن أسماءهم تتكرر في المناسبات، بل لأن كلماتهم تظل قادرة على أن تمس الإنسان في لحظة صدق، وأن تمنحه شعوراً بأنه ليس وحده في هذا العالم.
عبد الوهاب هلاوي، ابن كسلا وسليل القاش، وصاحب التجربة التي عبرت من القصيدة إلى الغناء، ومن الوجدان الفردي إلى الحكاية الاجتماعية، يستحق أن يظل حاضراً في سجل الإبداع السوداني بوصفه شاعراً أسهم في إثراء الأغنية وتوسيع مجالاتها التعبيرية. وما بين رائحة المكان الأول، ولهفة القلب، وحكايات الناس، وأحلام الوطن، تتواصل رحلة الكلمة التي لا تفقد قدرتها على الحياة ما دام ثمة إنسان يحب ويتذكر ويحنّ، وثمة وطن ينتظر من أبنائه أن يحفظوا ذاكرته ويصونوا جماله.
بشرى سليمان



