الأعمدة

الهدنة الأحادية بين القانون، وقصف كُمو، ومعركة بابنوسة

مجاهد بشري
منذ إعلان حميدتي في 24 نوفمبر عن هدنة من طرف واحد، امتلأت صفحات ومجموعات الإسلاميين منذ أمس. الأول بخطاب واحد تقريبًا:
“الدعم السريع أعلن هدنة وخرقها في بابنوسة بعد أيام.”
هذه الجملة تبدو بسيطة ومقنعة لأول وهلة.
لكن أي نقاش جاد حولها يحتاج أولًا إلى ثلاثة أشياء:
أ. فهم معنى الهدنة الأحادية في القانون الدولي الإنساني.
ب. ترتيب ما حدث زمنيًا بين 24 نوفمبر و1 ديسمبر.
ج. النظر في سلوك الطرفين: الجيش والدعم السريع، على ضوء القواعد القانونية والوقائع الميدانية، لا الدعاية.
هذا المقال يحاول أن يفعل ذلك، ثم يترك للقارئ أن يحكم بنفسه.
أولًا: ما هي الهدنة الأحادية في القانون الدولي الإنساني؟
القانون الدولي الإنساني (قانون الحرب) يميّز بين نوعين رئيسيين:
• وقف إطلاق النار / Ceasefire:
وهو اتفاق بين طرفين أو أكثر، عادةً مكتوب أو معلن بشكل متبادل، يلتزم فيه الجميع بوقف العمليات القتالية لفترة محددة أو مفتوحة.
• الهدنة الأحادية / Unilateral Ceasefire:
إعلان من طرف واحد بأنه سيوقف أو يخفف عملياته العسكرية، دون أن يكون الطرف الآخر قد وافق أو شارك في هذا القرار.
في الحالة الثانية، الطرف الذي يعلن هدنة أحادية:
• يلتزم أمام نفسه وأمام الرأي العام بأنه لن يبادر بالتصعيد قدر الإمكان.
• وبأنه يسعى لفتح المجال الإنساني وحماية المدنيين.
* لكنه لا يفقد حقه في الدفاع عن نفسه إذا استمر الطرف الآخر في الهجوم، خصوصًا إذا استهدف المدنيين أو حاول استغلال الهدنة لإعادة التموضع والهجوم.
بمعنى أوضح:
الهدنة الأحادية ليست تعهّدًا بتجميد كل رد فعل، وليست عقد استسلام، بل هي دعوة:
“نحن مستعدين نوقف النار، بشرط ألا تواصل أنت القتال.” وهي رمي للكرة في ملعب خصمك.
ثانيًا: ترتيب الأحداث ما بين 24 نوفمبر و1 ديسمبر
في 24 نوفمبر، أعلن حميدتي في خطاب مسجل هدنة من طرف واحد، دعا فيها إلى:
• وقف الأعمال العسكرية،
• وفتح المجال أمام العمل الإنساني،
• وحماية المدنيين.
حتى هذه اللحظة:
• لم يصدر من الجيش إعلان رسمي بقبول الهدنة،
• لا يوجد اتفاق مكتوب أو متبادل،
• نحن أمام مبادرة أحادية، لا “اتفاق هدنة” بين طرفين.
– الهجوم على كُمو: رسالة الجيش للهدنة
بعد أيام من الخطاب، نفّذ الجيش هجومًا بطائرة مسيّرة على منطقة كُمو في جنوب كردفان/جبال النوبة.
بحسب البيان الصادر عن الـ RS:
• سقط 45 شهيدًا، غالبيتهم من طلاب المدارس،
• وأصيب أكثر من ثمانية آخرين بجروح خطيرة، من بينهم نساء وأطفال،
• ووصِف الهجوم بأنه جريمة حرب وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
مهما كان موقف القارئ من الـ RS، يبقى السؤال القانوني البارد:
• هل استهداف طلاب مدارس ومدنيين في منطقة لا توصف كهدف عسكري مباشر يتفق مع مبادئ:
• التمييز بين المدنيين والمقاتلين،
• والتناسب في استخدام القوة؟
إذا كانت الإجابة: لا،
فإن هذا الهجوم، في حدّه الأدنى، ينسف عمليًا أي إمكانية لقيام هدنة حقيقية،
ويعبّر عن موقف واضح من الجيش:
“نحن لا نقبل هذه الهدنة، وسنواصل استخدام القوة، حتى ضد تجمعات مدنية.”
1 ديسمبر: معركة بابنوسة وسقوط الفرقة 22
في صباح 1 ديسمبر، شنّت الفرقة 22 هجومًا على مواقع الدعم السريع في محيط بابنوسة.
انتهت الأحداث، بحسب المعطيات المتداولة، إلى:
• هزيمة الجيش في تلك الجبهة،
• فرار جنود وضباط الفرقة 22 من مواقعهم،
• مقتل قائد الفرقة،
• وسيطرة قوات الدعم السريع على مقر الفرقة في مدينة خلت من المدنيين.
هنا نصل إلى قلب السؤال:
هل يُعدّ سقوط الفرقة 22 بعد كل ما سبق “خرقًا للهدنة”؟
أم نتيجة من نتائج استمرار الحرب التي رفض فيها الجيش الهدنة منذ اللحظة الأولى؟
ثالثًا: التكييف القانوني لسلوك الطرفين
1. من ناحية الجيش
• رفض قبول الهدنة أو التفاعل معها إيجابيًا.
• نفّذ هجومًا بطائرة مسيّرة على منطقة مدنية (كُمو)، قُتل فيه طلاب مدارس ونساء وأطفال.
• واصل العمليات العسكرية، بما في ذلك تحريك الفرقة 22 للهجوم في بابنوسة صباح 1 ديسمبر.
من منظور القانون الدولي الإنساني:
• استهداف المدنيين، إذا ثبت، يندرج ضمن جرائم الحرب،
• والاستمرار في العمليات الهجومية بعد إعلان هدنة أحادية من الطرف الآخر يعني ببساطة:
هذا الطرف لا يعترف بالهدنة ولا يلتزم بها.
2. من ناحية الدعم السريع
• أعلن هدنة من جانب واحد في 24 نوفمبر.
• أدان علنًا هجوم كُمو، واعتبره جريمة حرب.
• واجه في 1 ديسمبر هجومًا من الفرقة 22 في بابنوسة، وردّ عليه عسكريًا، في مدينة خالية من المدنيين.
في هذه الصورة، وفق المنطق القانوني:
• لا توجد هدنة ثنائية حتى نتحدث عن “خرق متبادل”.
• الطرف الذي أعلن الهدنة لم يجد أمامه طرفًا آخر يلتزم بها، بل هجومًا على المدنيين ثم هجومًا عسكريًا مباشرًا.
• الرد على هجوم الفرقة 22، في جبهة عسكرية، لا يمكن مساواته باستهداف المدنيين في كُمو.
هذا لا يعني بالضرورة تبرئة أي طرف من كل الانتهاكات في الحرب،
لكنه يجيب على سؤال محدد:
هل ما جرى في بابنوسة ينطبق على صورة “كسر هدنة” بالمفهوم القانوني؟
الإجابة الأقرب للمنطق: لا، لأن الهدنة لم تتحول أصلًا إلى اتفاق بين طرفين.
رابعًا: كيف يُحرَّف معنى الهدنة الأحادية في الخطاب الكيزاني؟
حين يقول بعض أنصار الجيش:
“الدعم السريع أعلن هدنة من طرف واحد، ثم خرقها في بابنوسة.”
فهم يفعلون أمرين في جملة واحدة:
1. يتجاهلون ما حدث بين 24 نوفمبر و1 ديسمبر:
• قصف كُمو،
• مقتل 45 مدنيًا،
• استمرار التحشيد العسكري.
2. يفصلون بابنوسة عن سياقها:
• كأن الفرقة 22 لم تبدأ الهجوم،
• وكأن المدينة مليئة بالمدنيين،
• وكأن الجيش كان في حالة قبول وهدوء والتزام بوقف إطلاق النار.
بكلمة أخرى، يتم تقديم جزء من الصورة على أنه الصورة الكاملة:
• يتم حذف قصف كُمو من الرواية،
• يتم حذف رفض الجيش للهدنة،
• ثم يُقَدَّم سقوط الفرقة 22 كدليل على أن “الدعم السريع هو من كسر الكلمة”.
هذا ليس نقاشًا قانونيًا أو أخلاقيًا نزيهًا، بل إطار دعائي يحاول أن:
• يحوّل من أعلن هدنة أحادية إلى متهم،
• ومن رفض الهدنة وقصف المدارس إلى طرف “مدافع عن نفسه”.
خامسًا: الإنكار كسلوك نفسي قبل أن يكون دعاية
يبقى سؤال سقوط الفرقة 22 وحالة الإنكار المحيطة به:
• الفيديوهات من داخل الفرقة تُنشر بصورة مستمرة.
• صور لعتاد وساح مصري تُرك خلف الجنود و الضباط الفارّين.
• أنباء عن مقتل قائد الفرقة.
• ومع ذلك يُصر الجيش و أنصاره وأذرعه الإعلامية على القول:
“الفرقة لم تسقط… المعركة مستمرة…”
هذا السلوك يمكن فهمه على مستويين:
1. مستوى نفسي:
• الهزيمة، خاصة بعد هزائم سابقة مثل الفرقة 6 بالفاشر، موجعة.
• الاعتراف بها يعني الاعتراف بأن “صورة الجيش الذي لا يُهزم”هي مجرد أكذوبة مما سيؤثر سلبا في الروح المعنوية لمن تبقى من الجنود في ظل انسحاب كتائب الاسلاميين و مليشياتهم، و الخسائر الفادحة في صفوف الجيش و حلفائه مما دعاه للاستنجاد بالمواطنين.
• أسهل دفاع نفسي أمام الألم هو: الإنكار.
2. مستوى سياسي–إعلامي:
• الاعتراف السريع بالهزيمة يُضعف المعنويات ويكشف حجم التراجع في. النتائج و الهزائم الكارثية.
• الإنكار يعطي القيادة وقتًا ثمينا:
• لإعادة صياغة الرواية،
• أو لإيجاد “تفسير” يلقي اللوم على الخيانة، أو أطراف أخرى.
وبالتالي، يتحول الحديث عن “خرق الهدنة” إلى جزء من منظومة إنكار أوسع، تهدف إلى:
• تغطية استهداف المدنيين في كُمو،
• التعتيم على سقوط الفرقة 22،
• وتحويل النقاش من سؤال:
“من قتل الطلاب في جنوب كردفان؟”
إلى سؤال بديل:
“هل الدعم السريع التزم بهدنته أم لا؟”
ماذا يبقى بعد ترتيب الصورة؟
بعد وضع كل القطع في مكانها، يمكن تلخيص المشهد في نقاط قليلة:
• الهدنة التي أعلنها الدعم السريع في 24 نوفمبر كانت أحادية،
ولم تتحول إلى اتفاق ملزم للطرفين، لأن الجيش لم يقبل بها، بل رفضها عمليًا بقصف كُمو.
• استهداف المدنيين في كُمو، إن ثبتت تفاصيله، يمثل جريمة حرب محتملة ويكسر أي أساس أخلاقي أو قانوني للحديث عن “التزام بالهدنة” من جانب الجيش.
• معركة بابنوسة وسقوط الفرقة 22 حدثت بعد:
• رفض الهدنة،
• واستمرار العمليات العسكرية،
• وهجوم بادرت به الفرقة 22 صباح 1 ديسمبر.
• في هذا السياق، يصبح وصف ما حدث بأنه “خرق للهدنة” من جانب الدعم السريع قراءة انتقائية ومحرّفة لمفهوم الهدنة الأحادية، أكثر من كونه تحليلًا قانونيًا أو موضوعيًا.
بعد كل ذلك، يبقى الحكم الأخير للقارئ:
• من الذي حاول أن يوقف النار – ولو شكليًا – ومن الذي رد بقصف المدارس؟
• من الذي يتعامل مع مفهوم “الهدنة” كفرصة إنسانية، ومن الذي يتعامل مع المفهوم كفرصة دعائية؟
• وأي رواية تبدو أكثر انسجامًا مع الوقائع، وأيها تقوم على حذف أجزاء أساسية من الصورة؟
إذا كانت هذه الأسئلة واضحة،
فربما لن يكون سهلًا بعد اليوم تمرير جملة من نوع:
“الدعم السريع أعلن هدنة من طرف واحد، وخرقها”
دون أن يسأل الناس:
“طيب… وماذا عن كُمو؟ وماذا عن الفرقة 22 التي بدأت الهجوم؟”
#لاللحرب #المجد_للسلام
#المؤتمر_الوطني_والحركةالاسلامية_منظومة_ارهابية

زر الذهاب إلى الأعلى