
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي ..
إن افتراض أن التعايش العام في أوساط أهل السودان المنكوبين بهذه الحرب القميئة، ولو بصورة نسبية، قد أصبح خبراً رتيباً في مسامع الأيام، لا ينفي أن مستجدات الأحداث خلال اليومين الماضيين تكذّب ذلك الشعور بالتعايش مع واقع الحرب، وتؤكد أن ادعاء تحقيق الانتصارات على أرض السجال العسكري قد يصبح شأناً ثانوياً في مقابل تصاعد القلق والتوتر والخوف من اتساع رقعة الحرائق.
تلك الحرائق التي تحدثها الخفافيش الكفيفة البصر، النافذة البصيرة، التي لا يعجز حسها التقني عن تجاوز المسافات الفاصلة بينها وبين مرافق الخدمات الحيوية، ولا سيما قطاع الكهرباء، على ما يعانيه أصلاً من علل وشح في العطاء. كما لا يثنيها تصدي المضادات الأرضية، التي قد تقلل من أضرار تلك الهجمات بإسقاط بعض المسيّرات، لكنها لا تنفي احتمال وصول بعضها إلى أهدافه.
وهي آليات يمتلكها الطرفان ويستخدمانها في سباق محموم، يدفع ثمنه المواطنون من أرواحهم ومصالحهم، فيما تتعرض مقدرات الخدمات، التي تعاني أصلاً من محدودية الكفاءة وضعف الأداء، لمزيد من التدمير والإتلاف، بصرف النظر عن حجمها، ما دامت نوعية الخدمة وكفاءتها هي المعيار الحقيقي لجدواها.
بالأمس، طالت تلك الخفافيش ذات الأجنحة الحارقة عدداً من المواقع التي كان يُظن أنها آمنة في كنف الجيش، ولا نقول الحكومة. ولم تسلم محطات الكهرباء في القضارف والفاو والجديد وتندلتي وكوستي، وغيرها من المواقع هنا وهناك، من تلك الهجمات.
ووصلت الحرائق إلى قلب البلاد النابض، الخرطوم، واليوم امتدت إلى المناقل، وقد تضرب مدني غداً أو الحصاحيصا، لا قدر الله.
وفي المقابل، تلقى الدعم السريع ضربة في عقر داره بمدينة نيالا، وهكذا يمضي الطرفان في سياق ذلك السباق المحموم الذي لا يفضي إلا إلى مزيد من الجنون والدمار.
وهذا كله يعني شيئاً واحداً لا ثاني لحقيقته: إنها نار الحرب التي لا تميّز بين من أشعلها ومن اكتوى بلهيبها، وهي رسائل تحذير لكل من يحمل عود ثقاب في يده، من الذين يوقدون نار الحرب من مختلف الأطراف، أو يصبون عليها الزيت، لتقول لهم بوضوح إن مصيرهم لن يكون بمنأى عن ألسنتها، وإن احتراق الأصابع قد يكون بداية لامتداد النيران إلى سائر الجسد، تماماً كما أحرقوا وطناً بأكمله، دون طائل سوى التنازع على مناصب حكم زائلة، وغنائم ثروة تتناقص كلما طال أمد الحرب.
إنه مصير لا مناص من مواجهته ما لم توقظ هذه الحرائق جذوة الضمير في نفوسهم، فينطقوا بأصوات العقول، ولا بأس إن جاءت صحوة الضمير متأخرة، ما دامت قادرة على وقف هذا النزيف وإنقاذ ما تبقى من الوطن.
لا للحرب التي لن تجلب كرامة بالموت، ولا نصراً بشواء المرافق الحيوية!
وأهلاً بالسلام الذي يمنح النفوس هنيهات من الراحة، للتفكر في ما سيكون عليه حال الوطن غداً، بدلاً من التمترس خلف أمجاد أمس مضى ولن يعود، أو الإصرار على تصفية حسابات كان الأولى أن يطويها الزمن، قبل أن تطوي هذه الحرائق المتكالبة على تراب البلاد مصائر العباد.
والله من وراء القصد.



