الخبير المصرفي وليد دليل يكتب: اجتماع المتابعة وسؤال الأثر: قراءة مصرفية في مدخرات المغتربين وحصائل الصادر والمظلة الضريبية

اجتماع لجنة متابعة الأداء الاقتصادي برئاسة الفريق مهندس إبراهيم جابر في مقر بنك السودان المركزي خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث الشكل، فالاقتصاد الذي يعاني من تشتت القرار يحتاج إلى مكان واحد تُراجَع فيه التكليفات ويُسأل فيه المنفذ عما أنجز. غير أن قراءة المصرفي لبيان الاجتماع لا تتوقف عند عناوين الملفات، وإنما تبحث عن الأرقام التي تقف خلفها، وعن الفجوة بين ما يُناقَش في القاعة وما يتحرك فعلاً في الحسابات.
وللإنصاف نبدأ بما أُعلن في ملف المظلة الضريبية. ففي مؤتمر صحفي عقده ديوان الضرائب في 23 يوليو 2026 بقاعة الديوان، برعاية وزير المالية د. جبريل إبراهيم وإشراف الأمين العام للديوان أ. بدر التمام محمد، أُعلن رسمياً إطلاق مبادرة وآلية لتوسيع المظلة الضريبية بهدف تحقيق العدالة الضريبية ودعم الاقتصاد الوطني. وأهم ما قيل في المؤتمر أن نحو 60% من مكونات الاقتصاد السوداني تظل خارج المظلة الضريبية، وهو اعتراف صريح يفسر إنشاء الآلية الجديدة ويحدد حجم المهمة، كما أكدت قيادة الديوان سعيها إلى الموازنة بين تعزيز إيرادات الدولة ومراعاة الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون ودافعو الضرائب. وفي السياق نفسه أُعلن أن إجمالي التحصيل في عشرة أشهر من عام 2025 بلغ نحو 2.8 تريليون جنيه، أي ما يعادل نحو 1.3 مليار دولار، متجاوزاً الربط المقدر بنسبة 230%، وأن الأداء الكلي لإيرادات الموازنة بلغ 147% من المستهدف رغم ظروف الحرب، وعُزي ذلك إلى التدابير الإلكترونية وتوسيع المظلة الجبائية، وأُفيد بأن الحصيلة خُصصت بالكامل لدعم المجهود الحربي والاحتياجات الأمنية الطارئة. وهذه أرقام تُسجَّل لمن عمل عليها، لكن قراءتها المصرفية تقتضي تحفظات. فهذا الأداء تحقق، بحسب إفادة الديوان نفسه، من اقتصاد لا يغطي وعاؤه سوى نحو 40% منه، أي أن التجاوز الكبير للربط يدل على أن التقدير الأولي كان متحفظاً جداً وعلى أن الوعاء الممكن أكبر بكثير، لكنه يحمل تحذيراً أيضاً، فهو يعني أن العبء يقع على المسجلين أصلاً. والأرقام الاسمية بالجنيه تتضخم مع التضخم وتراجع العملة، ولذلك فإن مقابلها الدولاري هو المقياس الأصدق، وهو يقارب العائد الرسمي لصادر الذهب في عام كامل، أي أن الدولة جبت من الداخل في عشرة أشهر ما تجنيه من أكبر صادراتها في اثني عشر. وتخصيص الحصيلة كلها للشأن الأمني، على مشروعيته في زمن الحرب، يجعل المموِّل لا يرى أثراً مباشراً لما يدفعه في الخدمات، وهذا يضعف الامتثال الطوعي على المدى المتوسط ما لم يقترن بإعلان واضح لأوجه الصرف. وتتفق الأدبيات المحلية على أن مشكلة النظام الضريبي السوداني قديمة، وتتمثل في ضعف المعلومات المؤكدة لصحة الإقرارات، وتدني الربط الشبكي بين المكاتب، وفجوة الثقة بين المموِّل والديوان.
أما المشكلة التي تجمع الملفات الأخرى فهي أن موارد الدولة من النقد الأجنبي تتسرب خارج القنوات الرسمية، وأوضح ما يكشف جذرها نشرة الأسعار المعلنة في 27 أكتوبر 2026. فالدولار يُشترى رسمياً بنحو 4500 جنيه، بينما تُظهر أسعار التحويل المعلنة لدى شركات الصرافة في الخليج في اليوم نفسه ما يقارب 9800 جنيه للدولار، محسوبة من سعر الريال المربوط بالدولار. وهذه أسعار تقريبية تتغير يومياً بنسب طفيفة، لكن الفجوة التي تتجاوز 115% لا تتأثر بهذا التغيير، فالمؤشر واضح. ومعنى ذلك أن المغترب الذي يحوّل عبر المصرف يتسلم أهله أقل من نصف ما يتسلمونه عبر السوق الموازي. ولنأخذ مغتربي الخليج مثالاً، وهم يمثلون نحو 70% من المغتربين بحسب التقدير المتداول، وكانت التحويلات عبر البنوك الخليجية ميسورة لهم في السابق. فمن يرسل ألف دولار شهرياً تعطي القناة الرسمية أسرته نحو 4.5 مليون جنيه، وتعطيها القناة الموازية نحو 9.8 مليون، أي أن الفارق أكثر من خمسة ملايين جنيه كل شهر، ولا يملك مغترب أن يتنازل عن أكثر من نصف القيمة مهما كانت وطنيته. ولذلك تتحدث التقارير عن خسارة تتراوح بين أربعة وستة مليارات دولار سنوياً من التحويلات التي لا تمر بالجهاز المصرفي الرسمي، ويبلغ عدد المغتربين نحو ستة ملايين. وللمقارنة، فإن العائد الرسمي لصادر الذهب، وهو أكبر صادرات البلاد، لم يتجاوز في 2025 نحو 1.3 إلى 1.5 مليار دولار بكميات تتراوح بين 12.5 و14 طناً، وهو ما قال البنك المركزي إنه يعادل 58% من إجمالي الصادرات. أي أن ما يمكن أن يأتي من المغتربين عبر الجهاز المصرفي قد يفوق مجموع صادرات البلاد الرسمية.
ويتصل بذلك ملف حصائل الصادر، فالفجوة نفسها تحفز المصدّر على إبقاء حصيلته خارج القنوات الرسمية أو الالتفاف عليها. وقد أوضحت منشورات البنك المركزي أن التصدير يتم بنموذج خاص وبالدفع المقدم وأن الدولة تستهدف شراء حصيلة الذهب. وإيرادات قطاع الذهب في 2025 بلغت نحو 1.8 مليار دولار بنسبة إنجاز 132% من المستهدف، وهو رقم إيجابي، لكن التقديرات الدولية المتداولة تتحدث عن تهريب نسبة كبيرة من الإنتاج، ما يعني أن الإنجاز هنا أيضاً مقيس بهدف متواضع.
ولا يحتاج السودان إلى اختراع الحل، فجارتاه مصر وإثيوبيا واجهتا المشكلة نفسها. ففي مصر ارتفعت التحويلات الرسمية من نحو 22.7 مليار دولار في 2024 إلى نحو 43.1 مليار دولار في الأشهر الأحد عشر الأولى من السنة المالية 2025/2026 بزيادة 31.2% عن الفترة نفسها من العام السابق، وبلغ صافي الاحتياطيات الدولية مستوى قياسياً تجاوز 55 مليار دولار بنهاية يونيو 2026. وجاءت الحوافز بعد تقليص الفجوة بين السعرين لا قبله: شهادات ادخار بالدولار، ومبادرات مثل «معاشك بكرة بالدولار» و«بيتك في مصر» و«افتح حسابك في مصر»، وإعفاء سيارات المغتربين من الجمارك والضرائب مقابل تحويل مبلغ مواز لها بالعملة الأجنبية لوزارة المالية، وقد توقعت الوزارة أن تدر هذه المبادرة نحو 2.5 مليار دولار. وفي إثيوبيا بلغت التحويلات نحو 8.2 مليار دولار في 2025/2026 مقابل 7.1 مليار في السنة التي سبقتها وقرابة 4.4 مليار في 2023/2024، وتنسب السلطات هذا التحسن إلى الإصلاحات وفي مقدمتها التحول إلى نظام صرف قائم على السوق. ورافقته حوافز مصرفية، منها مبادرة «ديبو» التي خصصت فيها المصارف 100 مليار بير لاستثمارات المغتربين مع أسعار صرف تنافسية، وحزمة قروض بقيمة 50 مليار بير للبنك التجاري الإثيوبي، وسقف بنسبة 4% على رسوم خدمات الصرف، ومنصات تحويل رقمية بلا رسوم. ومع ذلك يقدّر البنك التجاري الإثيوبي أن نحو 22% فقط من تحويلات مغتربيه تمر عبر القنوات الرسمية، أي أن الطريق لم ينتهِ. والدرس من التجربتين أن الحوافز لا تنجح وحدها، وأن الخطوة الأولى في البلدين كانت تقريب سعر الصرف الرسمي من الواقع، ثم جاءت الشهادات والإعفاءات والقروض لتثبّت النتيجة.
أما الحلول فتقوم على مسار مزدوج: تقريب السعرين الرسمي والموازي تدريجياً، وتقديم بدائل ادخارية تجعل القناة الرسمية أجدى للمغترب حتى قبل اكتمال التقريب. فأولها مسار معلن لتقليص الفجوة، لأن الدراسات المحلية تؤكد أن قرب السعر من الواقع هو العامل الأقوى في توجيه التحويلات نحو البنوك. وثانيها ما سبق أن اقترحته من أدوات الادخار المرتبطة بالذهب، وهي الجنيه الذهبي والدولار الذهبي والوديعة الذهبية، فالمغترب الذي يحوّل دولاره عبر المصرف يتلقى مقابله وحدات ادخارية تحمل قيمة محددة بوزن الذهب، يحتفظ بها أو يبيعها بسعر معلن أو يحوّلها إلى وديعة مقومة بالذهب لأجل محدد، فيطمئن إلى أن مدخراته لا تتآكل مع انهيار الجنيه، وتحصل الدولة على نقد أجنبي حقيقي تشتري بجزء منه الذهب لبناء احتياطي عيني. وثالثها ربط التحويل بتسهيلات يحتاجها المغترب فعلاً، فيسمح له باستيراد سيارة أو أثاث أو مواد بناء لبيته مقابل وديعة مقومة بالدولار لدى مصرف سوداني مدتها عامان أو أقل، فتدخل الدولة نقداً أجنبياً حقيقياً في الجهاز المصرفي بدل أن يُشترى من السوق الموازي. ورابعها منتجات مصرفية تناسب مغترب الخليج: حسابات بالعملة الأجنبية قابلة للسحب، وشراكات مع الصرافات والبنوك الخليجية، وتحويل منخفض الكلفة عبر الهاتف. وخامسها تعميم النافذة الموحدة بالموانئ والمعابر لتقليص حلقات التخليص وفرص التهريب، مع ربط بيانات الجمارك بحصائل الصادر لدى البنوك آلياً. وسادسها أن تُبنى آلية توسيع المظلة على التحصيل الإلكتروني الذي رفع الحصيلة، فتُدخل الاقتصاد غير الرسمي، وهو نحو 60% من الاقتصاد بحسب إفادة الديوان، عبر بوابة المصارف والدفع الإلكتروني وتراخيص التجارة بدل الملاحقة المباشرة، وتُوثَّق عمليات الاستيراد مقابل الودائع الدولارية في السجل الضريبي من اليوم الأول. وسابعها تنظيم التجارة الحدودية مع جنوب السودان ببروتوكول يربطها بحسابات مصرفية موثقة.
وللمعوقات حضورها. فالحرب تعطل الإدارة الضريبية وسلاسل الإنتاج في مناطق واسعة، وانعدام الثقة بسعر الصرف الرسمي يدفع المغترب إلى القنوات الموازية، وتشتت الإنتاج الأهلي للذهب يصعّب إخضاعه للرقابة، وضعف البنية الرقمية والكهرباء والاتصالات في الولايات يحد من التحصيل الإلكتروني، فضلاً عن متطلبات الامتثال الدولي التي تثقل التحويلات عبر البنوك المراسلة. وفي ملف المظلة يبرز تحدٍّ خاص، هو أن الاقتصاد غير الرسمي يضم أنشطة صغيرة ومتناهية الصغر متضررة من الحرب، فتوسيع الوعاء عليها بالجباية وحدها قد يدفعها إلى مزيد من الاختباء، ولهذا جاءت إشارة قيادة الديوان إلى مراعاة ظروف المواطنين في محلها، وينبغي أن تتحول إلى حوافز عملية كالإعفاء المرحلي والتسجيل المبسط. وللأدوات الجديدة محاذيرها كذلك. فالوحدات الذهبية تعرّض الدولة لمخاطر تقلب سعر الذهب العالمي إن لم تُغطَّ بمخزون فعلي أو بتحوّط، وتتطلب جهة مصدرة موثوقة وآلية معلنة لتسعيرها واسترداد قيمتها. وتسهيلات الاستيراد مقابل الودائع تعني تنازلاً جزئياً عن الإيراد الجمركي، وتحتاج إلى ضوابط تمنع تحولها إلى باب للتجارة بدل الاستهلاك الشخصي، وإلى التحقق من مصدر الدولار المودع، وإلى سقوف ومواصفات واضحة للسلع المسموحة. ولا يمكن إغفال أن تقريب السعر الرسمي من الموازي يحمل كلفة تضخمية على المدى القصير، ولذلك يحتاج إلى حزمة تحمي الفئات الضعيفة.
وبالنظر إلى المستقبل، أرى ثلاثة مسارات. إذا استمر الوضع بلا تغيير جوهري في سعر الصرف فسيبقى الاجتماع حدثاً دورياً بنتائج محدودة، وتظل الفجوة تلتهم الحوافز، ويبقى الإنجاز الضريبي مرهوناً بقدرة الدولة على الجباية دون أن يقابله تحسن في موارد النقد الأجنبي. وإذا نُفذت إصلاحات جزئية تشمل النافذة الموحدة والتحصيل الإلكتروني وتحسين خدمات التحويل فسيظهر أثر تدريجي خلال ستة أشهر إلى سنة، يتجسد في ارتفاع حصائل الصادر المسجلة وزيادة التحويلات الرسمية وانضمام شرائح جديدة إلى المظلة. أما إذا اقترنت هذه الإجراءات بمسار معلن لتقليص الفجوة وبأدوات الادخار الذهبي وتسهيلات الاستيراد مقابل الودائع، وأعلنت الدولة سنوياً جزءاً محدداً من الحصيلة الضريبية للخدمات الأساسية، فقد نرى عودة جزء معتبر من تحويلات المغتربين إلى القنوات الرسمية وتوسعاً طوعياً في الوعاء الضريبي يقلص نسبة الـ60% الواقعة خارج المظلة، وهو ما يمثل شرياناً للدولة قبل أي قرض، كما فعلت مصر وإثيوبيا وإن بدرجات متفاوتة.
أن قيمة اللجنة ستُقاس بما تنشره من أرقام ربع سنوية عن التحويلات الرسمية وحصائل الصادر والإيراد الضريبي وحجم الاقتصاد الداخل في المظلة، فالأرقام المعلنة هي المقياس الوحيد لنجاح المتابعة.



