الأعمدة

أين كان الجيش السوداني حينما إحتاج إليه الشعب السوداني؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🤔 إذا كانت المؤسسة العسكرية قد عجزت عن حماية مواطنين كان قد أُعتُدي عليهم أمام القيادة العامة للجيش في ما بات معروفاً بـ مجزرة فض اعتصام القيادة العامة
🤔 فكيف نفهم ما حدث عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، ووجد ملايين السودانيين أنفسهم بلا حماية، واضطروا إلى النزوح واللجوء خارج ديارهم؟!
🧐 هذا السؤال لا يجوز الهروب منه، ولا تكفي الإجابة عنه بالشعارات.
لقد كنت، مثل كثير من السودانيين، أظن أن الجيش الذي تُنفق عليه أموال الشعب، وتُخصَّص له الميزانيات، ويُسلَّح ويُدرَّب، سيكون قادراً على حماية المواطنين وممتلكاتهم ومؤسسات الدولة عندما تقع الكارثة.
لكن ما حدث منذ اندلاع هذه الحرب يفرض علينا أن نعيد النظر في كثير مما كنا نعتقده عن المؤسسة العسكرية في هذا السودان.
🛑 أين كان الجيش عندما سقطت الخرطوم في أيدي الدعم السريع؟!
في الأيام الأولى للحرب، تمدد الدعم السريع داخل العاصمة، وسيطر على مناطق واسعة، بينما وجد المواطنون أنفسهم في مواجهة خطر لم يكونوا مستعدين له، ولم يجد كثيرون منهم حمايةً كافية أو طريقاً آمناً للنجاة.
كيف استطاعت قوة مسلحة أن تتمدد بهذه السرعة داخل العاصمة، وتسيطر على مناطق واسعة منها، بينما عجزت القوات المسلحة عن منع ذلك أو احتوائه؟!
وكيف أصبحت مؤسسات الدولة ومنازل المواطنين وممتلكاتهم عرضة للنهب والتخريب، فيما كان ملايين السودانيين يبحثون عن طريق آمن لإنقاذ أنفسهم وأسرهم؟!
لم يكن السؤال عن انتصار طرف عسكري على طرف آخر فحسب؛ بل عن مصير شعب كامل وجد نفسه في قلب الحرب، من دون أن يشعر بأن هناك مؤسسة عسكرية قادرة على حمايته من أهوالها.
وهنا يجب أن نفرّق بين أمرين.
أن يخسر الجيش معركة، فهذا أمر قد يحدث لأي جيش في العالم.
أما أن تتسع الكارثة، وتنهار سبل الحياة الآمنة في مدن وقرى واسعة، ويُهجَّر المواطنون من بيوتهم، وتتعرض ممتلكاتهم لانتهاكات واسعة، ثم لا يجدوا حمايةً كافية أو استجابةً تتناسب مع حجم المأساة؛ فهذه أسئلة تتجاوز خسارة المعارك إلى مسؤولية القيادة العسكرية وطبيعة المؤسسة التي تدير الحرب.
‼️ فهل أُنشئ الجيش لحماية مقراته ومعسكراته وحدها، أم لحماية السودان وأهله؟!
🛑 ماذا تعني وظيفة الجيش الوطني أصلاً؟!
الجيش الوطني ليس مجرد قوة تمتلك البنادق والطائرات والمدافع والدبابات؛ بل مؤسسة وطنية مهمتها الدفاع عن البلاد وسيادتها، وحماية المواطنين، وصون مؤسسات الدولة، والقيام بواجباتها الدستورية والقانونية.
وفي زمن الحرب، تظل حماية المدنيين واجباً لا يجوز أن يختفي خلف دخان المعارك مهما اشتدت ضراوتها.
لكن ماذا رأى السودانيون خلال هذه الحرب؟!
رأوا أحياءً سكنية تتعرض للقصف، ومنازل تُدمَّر، وأسواقاً ومرافق خدمية تتوقف، ومستشفيات تعجز عن أداء دورها، وأسرًا تفرّ من مناطق القتال بحثاً عن مكان آمن.
وشهدت مناطق خضعت لسيطرة الدعم السريع انتهاكات جسيمة، بينها النهب والاعتداءات والاحتجاز والعنف الجنسي، كما وقعت انتهاكات وأعمال عسكرية ألحقت الأذى بالمدنيين ونُسبت إلى القوات المسلحة والدعم السريع، كلٌّ بحسب الوقائع المنسوبة إليه.
ولا يعني ذلك أن المسؤوليات متطابقة، أو أن جريمة ارتكبها طرف تُنسب إلى الطرف الآخر.
بل يعني أن دم المواطن السوداني وكرامته لا يجوز أن يتحولا إلى تفصيل ثانوي في حسابات الحرب.
🤔 أين كانت خطط حماية المواطنين؟!
أين خطط إجلاء الأسر من مناطق الخطر؟
أين الاستعداد لتأمين الغذاء والدواء والمأوى للنازحين؟
وأين الجهود المنظمة لحماية الأطفال وكبار السن والمرضى، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين والعالقين في مناطق القتال؟
لقد اضطر كثير من السودانيين إلى تدبير أمر نجاتهم بأنفسهم.
خرجوا سيراً على الأقدام، وقطع بعضهم عشرات الكيلومترات، وحملوا أطفالهم وأسندوا كبار السن، لا يعرفون أين يذهبون ولا ماذا ينتظرهم.
أسر تركت بيوتها وأموالها وذكرياتها، وأخرى تفرقت في طرق النزوح، وأخرى خرجت من السودان كله لتبدأ حياة اللجوء في دول الجوار وغيرها من البلدان.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ما زالت أعداد هائلة من السودانيين تعاني النزوح واللجوء والجوع والمرض والفقر وفقدان المأوى والعمل، بينما يواجه كثيرون مصائرهم بموارد محدودة، ومن دون دعم حكومي يتناسب مع حجم مأساتهم.
🫵 هل كان هذا هو المصير الذي ينبغي أن يواجهه شعب يمتلك جيشاً ومؤسسات دولة وحكومة؟!
🛑 دعونا نعود إلى الوراء… إلى مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.
في 3 يونيو 2019، تعرّض المعتصمون أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم لمجزرة مروعة، قُتل وأُصيب فيها مواطنون، ووقعت انتهاكات جسيمة وثقتها شهادات وتقارير.
كانت القيادة العامة في قلب المشهد، وكان المعتصمون يأملون أن تكون المؤسسة العسكرية سنداً لهم، وأن تحميهم من الاعتداء.
لكن الدماء سالت، والأرواح أُزهقت، ووقعت انتهاكات بالغة الخطورة، وانتهى الاعتصام إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخ السودان الحديث ألماً وبشاعة.
وهنا لا أريد أن أخلط بين المسؤوليات، أو أن أنسب الجريمة إلى كل فرد في الجيش.
إنما أسأل عن مسؤولية القيادات العسكرية، وعن واجب حماية المدنيين، وعن الذين أصدروا الأوامر أو شاركوا في التنفيذ أو امتنعوا عن حماية المعتصمين ومنع الاعتداء عليهم رغم قدرتهم على ذلك.
🤔 إذا كان المواطن قد عجز عن الحصول على الحماية وهو أمام القيادة العامة في يونيو 2019، فكيف نطالبه اليوم بأن يعود إلى بيته، ويطمئن إلى حصوله على الأمن والحماية في ظل هذه الحرب الشاملة؟!
هذا السؤال لا ينتقص من شرف كل جندي يؤدي واجبه، ولا ينكر تضحيات من يقاتلون دفاعاً عن المواطنين.
لكنه يضع القيادة العسكرية أمام مسؤوليتها، ويطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو رتبته.
🫵 فاحترام الجيش لا يعني إعفاء قيادته من المساءلة والمحاسبة والمحاكمة.
إن إصلاح المؤسسة العسكرية يبدأ من القدرة على مواجهة أخطائها، لا من إنكارها.
🛑 وهنا نصل إلى السؤال الأكبر: لماذا لم نبنِى جيشاً وطنياً مهنياً قوياً، بدلاً من الاستعانة بالمليشيات وصناعة الجيوش الموازية؟!
منذ انقلاب 1989، حكمت الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني هذا السودان لعقود، وسيطرا على مؤسسات الدولة، وأعادا تشكيل قطاعات واسعة من الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية وفق حسابات سياسية وتنظيمية.
وفي ظل ذلك النظام، لم تكن المشكلة مجرد سوء إدارة أو خلل في توزيع الموارد؛ بل تعلقت بطبيعة الدولة نفسها، وبمدى استقلال مؤسساتها عن الحزب الحاكم، وبالعلاقة بين الجيش والسلطة السياسية، وبإنشاء قوى مسلحة موازية للجيش.
فبدلاً من بناء جيش وطني مهني موحد، توسعت المليشيات والتشكيلات المسلحة، حتى أصبح السودان أمام قوى متعددة، تختلف في نشأتها وقياداتها ومصالحها وعلاقاتها بالسلطة.
ومن هنا بدأت واحدة من أخطر معضلات الدولة السودانية.
‼️ من الذي أقنع حكام السودان بأن تعدد الجيوش والمليشيات يمكن أن يحمي السلطة والدولة؟!
ومن الذي أنشأ الدعم السريع، ووسّع نفوذه، وأتاح له أن يصبح قوة عسكرية واقتصادية وسياسية ضخمة، قبل أن ينفجر الصراع بينه وبين القوات المسلحة؟
ألم يكن الدعم السريع جزءاً من منظومة السلطة التي حكمت السودان، واستُخدم في حروب وصراعات داخلية، ثم أصبح طرفاً رئيسياً في الحرب التي تدمر البلاد اليوم؟!
لا يجوز أن نختزل كل ذلك في خلاف شخصي بين البرهان وحميدتي، أو أن نتعامل مع الحرب باعتبارها حادثاً مفاجئاً لا علاقة له بتاريخ بناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوى الموازية.
💢 إضعاف الجيش وصناعة الدعم السريع… هل كان ذلك جزءاً من استراتيجية نظام الإنقاذ؟!
في تقديري، كان إضعاف الجيش السوداني، والتوسع في إنشاء المليشيات والقوات الموازية، وعلى رأسها الدعم السريع، جزءاً من استراتيجية الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني لحماية سلطتهم؛ حتى لا يبقى الجيش قوةً موحدة قادرة على تهديد حكمهم.
ولم تنتهِ هذه المعادلة بسقوط البشير وانتصار ثورة ديسمبر المجيدة.
فقناعتي أن المجلس العسكري الانتقالي كان امتداداً للجنة الأمنية العليا لنظام الإنقاذ، وأن إعلان انحياز الجيش للثورة لم يكن تحولاً حقيقياً في موقف المنظومة العسكرية التي أدارت الدولة في عهد البشير، وإنما كان مسرحية كشفت الأحداث اللاحقة كثيراً من خيوطها.
🛑 والدليل الذي أراه بالغ الأهمية هو ما حدث بشأن قوات الدعم السريع بعد الثورة.
كان المنتظر أن تكون إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتوحيد القوات المسلحة من أولويات المرحلة الانتقالية، وأن يجري العمل على إنهاء تعدد الجيوش وإخضاع التشكيلات المسلحة لقيادة وطنية واحدة.
لكن ما حدث كان على النقيض من ذلك.
في 30 يوليو 2019، وقبل التوقيع على الوثيقة الدستورية، صدر المرسوم الدستوري رقم 34 لسنة 2019، بتوقيع عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي، ملغياً المادة الخامسة من قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017.
وكانت تلك المادة تنظم خضوع الدعم السريع لقانون القوات المسلحة في حالات محددة، وتتيح دمجه في الجيش وفقاً للدستور والقانون.
🤔 فلماذا أُلغي هذا النص في ذلك التوقيت، بدلاً من اتخاذ خطوات جادة لتوحيد القوات المسلحة بعد انتصار الثورة؟!
في تقديري، أرادت الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني الإبقاء على الدعم السريع وتحصينه من أن تتمكن الحكومة الانتقالية من دمجه في الجيش، ليظل قوة عسكرية مستقلة، ظنوا أنهم قادرون على توظيفها وحماية مصالحهم بها.
وأرى أن المجلس العسكري الانتقالي كان جزءاً من المعادلة التي أبقت هذا الاختلال قائماً، وأن توقيع البرهان على المرسوم مسؤولية سياسية وقانونية لا يجوز تجاهلها عند بحث القرارات التي اتُّخذت في تلك المرحلة.
لقد أرادوا الاحتفاظ بالدعم السريع قوةً موازية للجيش، وظنوا أنه لن يتمرد عليهم يوماً… لكنهم أخطأوا الحساب.
فالقوة التي ظنوا أنهم قادرون على التحكم فيها أصبحت طرفاً في الصراع الذي انفجر في 15 أبريل 2023، ودفع الشعب السوداني ثمنه دماً ودماراً ونزوحاً وتشريداً.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
🛑 لكن الأخطر أن معضلة المليشيات لم تتوقف بعد اندلاع الحرب.
فبدلاً من أن تكون الحرب فرصة لمراجعة تجربة صناعة القوى المسلحة الموازية، وتوحيد السلاح، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية، استمر الاعتماد على تشكيلات متعددة: حركات مسلحة، وقوات مشتركة، وكتائب، ومستنفرون، وغيرها من القوى التي تختلف في قياداتها وحساباتها.
وهنا أطرح السؤال على قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وعلى كل من يتولى مسؤولية القرار العسكري والسياسي:
🤔 ألم يكن الأجدر بكم، منذ اندلاع الحرب، أن تجعلوا بناء جيش وطني موحد أولوية مطلقة؟!
لماذا يستمر تمويل وتسليح تشكيلات مسلحة متعددة، بدلاً من توجيه موارد الدولة إلى تطوير المؤسسة العسكرية، وتحسين أوضاع جنودها، وتدريبهم، وتوفير احتياجاتهم، وبناء منظومة قيادة وانضباط موحدة؟
ولماذا لا يصبح الالتحاق بالجيش الوطني المهني الخيار الجاذب لشباب السودان، بدلاً من أن يجد بعضهم أنفسهم أمام خيارات التجنيد في كتائب البراء بن مالك، أو الحركات المسلحة، أو تشكيلات أخرى لكل منها قيادتها وحساباتها السياسية؟
أليس من واجب الدولة أن تجعل جيشها النظامي هو الخيار الوطني الأول، لا أن تستمر في إنتاج قوى مسلحة قد تحتاج الدولة نفسها لاحقاً إلى نزع سلاحها أو الدخول في صراع معها؟!
🛑 والسؤال هنا موجّه إلى البرهان تحديداً.
منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، أصبح البرهان صاحب السلطة الفعلية الأوسع في إدارة الدولة، وصاحب النفوذ الأكبر في قيادة المؤسسة العسكرية، بما يرتب عليه مسؤولية سياسية عن القرارات والسياسات التي اتخذتها القيادة في نطاق سلطته.
فما الذي منع قيادة الجيش من وضع مشروع واضح لإصلاح المؤسسة العسكرية، وتحسين شروط الخدمة، وتطوير التدريب والتسليح، واستقطاب الشباب، وتوحيد القوات تحت قيادة مهنية واحدة؟
وهل كان بناء جيش وطني حديث أولوية حقيقية، أم ظلت الأولوية مرتبطة بإدارة الصراع على السلطة، وتأمين التحالفات العسكرية، والمحافظة على موازين القوة القائمة؟
لا أقول إن كل قرار اتخذته القيادة الحالية صدر بالضرورة وفق خطة واحدة، ولا أزعم أن كل تشكيل مسلح يخضع للجهة السياسية نفسها.
لكن من حقنا أن نسأل عن النتائج، وأن نحاسب أصحاب القرار على السياسات التي اختاروها، وأن نطالب بكشف حقيقة ما أُنفق من أموال الشعب، وكيف استُخدمت، وما الذي تحقق في بناء الجيش، وما الذي بقي من الدولة.
‼️ الحرب لا تعفي قادة الجيش من المساءلة، بل تجعلها أشد إلحاحاً.
🛑 ولا بد هنا من كلمة واضحة: مساءلة قيادة الجيش لا تبرئ الدعم السريع.
ما ارتكبه الدعم السريع من جرائم وانتهاكات يجب أن يخضع للتحقيق والمحاسبة، كما يجب التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة أو أي قوة أخرى شاركت في القتال.
لا يجوز أن نستخدم أخطاء الجيش لتبرئة الدعم السريع، ولا أن نستخدم جرائم الدعم السريع لإسكات الأسئلة المشروعة عن أداء الجيش وقيادته.
فالعدالة ليست مباراة بين طرفين؛ إذا ثبتت جريمة على أحدهما، فلا تسقط بذلك مسؤولية الآخر عن جرائمه.
والدولة لا تُبنى بتقديس الأشخاص، ولا بتبرئة المؤسسات من أخطائها، ولا بتحويل كل سؤال عن القيادة إلى خيانة للوطن.
هذا السودان أكبر من البرهان وحميدتي، وأكبر من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وأكبر من أي حزب أو حركة مسلحة.
🛑 ما الذي نريده إذن؟!
نريد جيشاً وطنياً مهنياً واحداً، لا يخضع لحزب أو جماعة، ولا يتحول إلى أداة لحماية سلطة سياسية.
نريد قوات مسلحة موحدة، تخضع لسلطة دستورية مدنية شرعية، وتلتزم بالقانون، وتكون مهمتها الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين، لا تقرير من يحكمهم.
نريد إصلاحاً حقيقياً للقطاع الأمني والعسكري، وإنهاءً لظاهرة الجيوش والمليشيات المتعددة، وفق ترتيبات مهنية وقانونية تضمن الأمن والاستقرار وتحفظ حقوق الأفراد.
نريد جيشاً يجد فيه الشباب السودانيون فرصة لخدمة وطنهم بكرامة، لا أن يجدوا أنفسهم بين خيارات الاستقطاب السياسي والتجنيد في تشكيلات مسلحة متنافسة.
ونريد تحقيقاً جاداً في إخفاقات القيادة العسكرية قبل الحرب وأثناءها، وفي أحداث فض الاعتصام، وفي كل واقعة تثبت فيها مسؤولية أي مسؤول عن إهدار دماء السودانيين أو تعريضهم للخطر.
فلا سلام بلا مساءلة، ولا إصلاح بلا كشف للحقيقة، ولا دولة حديثة يمكن أن تقوم على تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة.
🛑 وفي النهاية، أعود إلى السؤال الذي بدأت به:
إذا كان الجيش قد عجز عن حماية المعتصمين أمام قيادته العامة في 2019، ثم عجز عن منع تمدد الحرب واتساع الكارثة التي أصابت ملايين السودانيين منذ 15 أبريل 2023، فهل يجوز أن نطالبه بمواصلة القتال من دون أن نسأل كيف نصلح الأخطاء التي أوصلت المؤسسة العسكرية إلى هذه الحال؟!
وهل نريد فقط أن تنتهي الحرب بانتصار طرف عسكري على طرف آخر، ثم نعود إلى إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلتنا إليها؟
أم نريد أن نتعلم من هذه المأساة، ونبني دولة لا يستطيع فيها حزب أن يستولي على الجيش، ولا يستطيع قائد أن يجعل القوات المسلحة ملكاً له، ولا يستطيع حزب حاكم أن ينشئ مليشيا بأموال الشعب، ثم يفقد السيطرة عليها فتدمر البلاد وتقتل أبناءها؟!
🤔 هل نريد جيشاً يحمي الحزب الحاكم، أم جيشاً يحمي الوطن والشعب؟!
وهل نريد جيشاً تُقاس قوته بعدد المعسكرات والأسلحة والمليشيات التي تقاتل إلى جانبه، أم بقدرته على حماية المدنيين، وصون كرامتهم، والالتزام بالقانون، والخضوع للمساءلة؟!
🫵 إن المواطن السوداني الذي فقد بيته، أو نزح بأطفاله، أو لجأ إلى بلد آخر، أو عجز عن علاج مريض أو دفن فقيد، ليس رقماً في نشرة عسكرية، ولا خسارة جانبية في حسابات القادة.
إنه صاحب هذا الوطن، ومن أمواله تُموَّل مؤسساته، ومن حقه أن يسأل عن أدائها، وأن يعرف لماذا لم يجد الحماية التي انتظرها منها.
ليس المطلوب أن نهدم الجيش؛ المطلوب أن نبني جيشاً يستحق ثقة الشعب، ويحمي السودان كله، لا سلطة بعينها ولا جماعة ولا قائداً.
فهذا السودان لن ينهض بتبديل قائد بقائد، أو مليشيا بمليشيا، أو سلطة عسكرية بأخرى.
لن ينهض السودان إلا بدولة مدنية دستورية، وجيش وطني مهني واحد، وسلاح واحد، وقرار عسكري يخضع للقانون، وعدالة لا تستثني أحداً.
‼️ السؤال ليس فقط: أين كان الجيش حين احتاج إليه الشعب؟!
السؤال أيضاً:
من الذي أوصل الجيش إلى هذا الحال؟!
ومن الذي يتحمل مسؤولية إصلاحه؟!
🧐 هل نملك الشجاعة لفتح هذا الملف، أم سنظل ندفع ثمن الأخطاء نفسها، مرة بعد مرة، بينما يُطلب من الشعب السوداني أن يتحمل المزيد من الدماء والنزوح والخراب؟!

زر الذهاب إلى الأعلى