الأعمدة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٦)

في الحلقة (٢٦) من “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، تعود “أمواج ناعمة” إلى الشاطئ الذي لا تضج فيه الأسماء، بل تتوهج فيه السيرة. هنا لا نحصي العناوين، ولا نفتش في أرشيف الضجيج، بل نصغي إلى خطى الذين عبروا المهنة كما يعبر العارفون دربا قديما يعرفهم ويعرفونه. هنا تصبح الصحافة سيرة أخلاق قبل أن تكون سباق خبر، وتغدو الزمالة ظلا وارفا لا شعارا عابرا.
في هذه المحطة، لا نقف أمام اسمين بقدر ما نقف أمام تجربتين تتقاطعان كما يتقاطع مد وجزر على الرمل ذاته. جيل خبر المطبعة وهي تتنفس ببطء، وجيل يكتب على حافة النار وهو يرى البلاد تتشظى أمام عينيه. بينهما خيط خفي من الحبر، يشد الماضي إلى الحاضر، ويجعل من المهنة وطنا صغيرا يسع الجميع مهما اختلفت الطرق.
هنا عبد العظيم صالح، الذي تعلم أن الحكمة ليست موقفا باردا بل حرارة مضبوطة، وأن القيادة ليست صوتا عاليا بل بصيرة ترى أبعد من اللحظة. وهنا علوية مختار، التي اختارت أن تمشي في قلب العاصفة، وأن تجعل من الكلمة شاهدا لا يخون، وعهدا لا ينكسر. بينهما تتجسد صورة الزمالة كما ينبغي أن تكون: احترام للاختلاف، وانحياز للحقيقة، وإيمان بأن الصحافة ليست مهنة عابرة بل قدر جميل وثقيل في آن.
أمواج ناعمة في هذه الحلقة لا تكتب سيرة للتمجيد، ولا تنسج مديحا عابرا، بل تفتح نافذة على معنى أعمق: كيف يمكن للكلمة أن تكون جسرا بين الأجيال، وكيف يمكن للزمالة أن تصمد في وجه السياسة والاختلاف والعواصف. على هذا الشاطئ، نضع هذه التلغرافات في زجاجة شفافة، ونتركها للماء، علها تصل إلى قارئ يؤمن أن في الصحافة شيئا يستحق الوفاء.
عبد العظيم صالح
في الممرات الضيقة التي تفوح منها رائحة الحبر الساخن، وتتعالى فيها همسات الأخبار قبل أن تستوي على أعمدة الصفحات، كان اسم عبد العظيم صالح يمر كنسمة هادئة لا تحدث ضجيجا، لكنها تعيد ترتيب الهواء من حولها. هو من جيل الوسط؛ ذلك الجيل الذي لم تأخذه نشوة البدايات الأولى، ولم تثقل كاهله حسابات الخواتيم، بل وقف بينهما وقفة العارف بأسرار الطريق.
تخرج في تخصص الإعلام، لكن شهادته لم تكن سوى مفتاح لباب واسع اسمه المهنة. دخل الصحافة من بابها الأمامي، لا من نوافذها الخلفية. بدأ مخبرا يطارد الأخبار في مظانها، يقتفي أثر الحدث كما يقتفي الصياد أثر الغزال، بعين يقظة وقلب لا يعرف الكلل. كان يعرف أن الخبر لا يمنح لمن ينتظره، بل لمن يسعى إليه، ويصبر عليه، ويصادقه حتى يبوح له بأسراره.
تدرج في سلم المهنة درجة درجة: من مخبر يحمل دفترا صغيرا وقلما متعبا، إلى رئيس قسم يضبط إيقاع فريقه كما يضبط المايسترو نغمة الأوركسترا، ثم مدير تحرير يقرأ ما بين السطور قبل أن يقرأ السطور ذاتها، وصولا إلى رئيس تحرير جلس على كرسي المسؤولية لا متكئا على سلطة، بل مستندا إلى تجربة ممتدة صقلتها الأيام والليالي الطويلة في حضرة المطبعة. تلك الرحلة لم تمنحه لقبا وظيفيا فحسب، بل أنضجته، وجعلت منه صحفيا ملما بأدق أسرار المهنة، يعرف متى يبرز الخبر، ومتى يخفيه، ومتى يتركه ينضج قليلا قبل أن يقدمه للقارئ.
كان لعبد العظيم أسلوب فريد، لا يرفع صوته إلا ليسمع الحكمة، ولا يصمت إلا ليقول ما هو أبلغ من الكلام. يجيد الصمت كما يجيد البيان، ويوظفه بذكاء العارف بأن بعض المواقف لا تدار بالكلمات، بل بفسحة تأمل تفتح بابا للفهم. في لعبة التوازنات السياسية بين الفرقاء والتيارات، كان يمشي على حبل دقيق، لا يميل مع الريح، ولا يتصلب حتى ينكسر. محبوبا من الجميع: من زملائه الذين وجدوا فيه أخا أكبر، ومن مرؤوسيه الذين رأوا فيه قائدا عادلا، ومن رؤسائه الذين لمسوا فيه أمانة المهنة وصدق الانتماء.
قد تختلف معه، وقد تتباين وجهات النظر، لكنك لا تستطيع أن تبغضه. الخلاف عنده لا يتحول إلى خصومة، ولا يقف حجر عثرة أمام التواصل الإنساني. كان يمد الجسور حيث يقيم الآخرون المتاريس، ويحفظ للود مكانته حتى في أشد اللحظات احتداما.
وفي إدارته للفرق الصحفية، لم يكن يكتفي بتوزيع المهام، بل كان يستخرج من كل صحفي أفضل ما لديه، كما يستخرج الصائغ من المعدن الخام جوهره الخالص. يستند إلى خبرته المهنية العميقة، ويستثمر علاقاته الإنسانية الواسعة، فيصنع من الفريق روحا واحدة، تتعدد أصواتها لكن تتوحد وجهتها.
لهذا، لم يكن لقب “حكيم الصحفيين” مجاملة عابرة، بل استحقاقا نبت من أرض التجربة، وسقي بماء الخلق الرفيع، وأثمر سيرة ستبقى، ما بقي في الصحافة حبر يبحث عن معنى.
علوية مختار
هي ليست مجرد صحافية عابرة في ليل الأخبار الثقيل، بل صوت بارز يعرفه القراء كما تعرف الأرض وقع المطر الأول. ارتبط اسمها بتغطية عميقة للشؤون السياسية والإنسانية في السودان، حتى غدت كتاباتها أشبه بعدسة مكبرة تكشف ما تخفيه الزوايا المعتمة، وتضع القارئ وجها لوجه أمام الحقيقة، عارية من الزينة، ومحمولة على وجع الناس وأحلامهم المؤجلة.
في مسارها المهني، لم تركن إلى منصة واحدة، بل جعلت من الحبر جسرا تعبر به بين عواصم الكلمة. كتبت مراسلة وكاتبة لعدد من المنصات العربية والدولية المرموقة، من بينها صحيفة العربي الجديد، وموقع نون بوست، وشبكة الجزيرة. في كل محطة كانت تترك أثرا يشبه الختم الخفي: دقة في المعلومة، وجرأة في الطرح، وانحياز واضح للإنسان حين تضيق به الجغرافيا وتخذله السياسة.
أما في التغطية الميدانية، فقد اختارت الطريق الأصعب، طريق السير فوق الرماد الساخن. تنشط حاليا في نقل الأوضاع الإنسانية المأساوية من داخل السودان، لا تكتفي برواية ما يقال، بل تذهب إلى ما لا يقال. في تقارير حديثة كشفت تفاصيل مروعة عن عمليات التجويع والعنف في مدينة الفاشر، المدينة التي صارت اسما للوجع المفتوح. هناك، حيث تختلط رائحة البارود برائحة الخبز الشحيح، كانت كلماتها تسير بين الناس كيد تمتد بالعزاء، وكصرخة توثق ما يحدث حتى لا يضيع في زحام الصمت.
لكن طريق الحقيقة ليس مفروشا بالطمأنينة. فقد واجهت استهدافا أمنيا ومضايقات بسبب عملها الصحفي. لم يسلم منزلها في حي الصحافة بالخرطوم من الاعتداء، إذ تعرض للتحويل إلى ثكنة عسكرية من قبل قوات الدعم السريع خلال النزاع القائم. ومع ذلك، لم يتحول الخوف إلى قيد، ولا التهديد إلى تراجع. كانت تدرك أن الكلمة التي لا تدفع ثمنها، قد لا يكون لها وزن في ميزان الضمير.
تتركز كتاباتها على قضايا الفساد، والعلاقات الدولية للسودان، والأزمات الإنسانية في أقاليم مثل دارفور وجنوب السودان. تكتب عن الفساد كما لو كانت تكشف صدعا في جدار قديم، وعن العلاقات الدولية كما لو كانت تفكك خيوط لعبة شطرنج معقدة، وعن الأزمات الإنسانية بلغة لا تكتفي بالأرقام، بل تمنح الضحايا أسماء وملامح وذاكرة.
نواصل بحول الله،،،،

زر الذهاب إلى الأعلى