الأعمدة

سنة التمكين في القرآن الكريم ليس كلُّ تمكينٍ في الأرض هو التمكين الذي وعد الله به المؤمنين

✍️ محمد الفاتح حضرة
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
[الأنعام: 6]
لقد أصبح مصطلح “التمكين” من أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب الإسلامي والسياسي المعاصر، حتى اختزل عند كثير من الناس 🫵في معنى واحد: الوصول إلى السلطة والسيطرة على الدولة.
لكن هل هذا هو التمكين الذي تحدث عنه القرآن؟
وهل كل من بلغ الحكم، أو امتلك القوة، أو بسط نفوذه في الأرض، يكون قد نال التمكين الذي وعد الله به المؤمنين؟
إن القرآن يجيب عن هذا السؤال منذ أول وهلة، ولكن كثيرًا من الناس يقرأون آيات التمكين، ويغفلون عن الآيات التي تتحدث عن زوال التمكين.
ولو جمعوا بين الآيات جميعًا، لعلموا أن القرآن لا يجعل الوصول إلى السلطة هو معيار التمكين، وإنما يجعل العدل والإصلاح، والوسيلة التي وصل بها الحاكم، والغاية التي استعمل من أجلها سلطانه هي المعيار.
🫵ومن هنا، فإن أول حقيقة ينبغي تقريرها هي:
ليس كل تمكينٍ في الأرض هو التمكين الذي وعد الله به المؤمنين.
وهذه الحقيقة يغفل عنها كثير من الناس، بل ربما كانت سببًا في أخطاء فكرية وسياسية جسيمة وقعت فيها جماعات وحركات، حين ظنت أن مجرد وصولها إلى الحكم دليلٌ على رضا الله عنها، وأن بقاءها في السلطة شهادةٌ بصحة منهجها.
بينما يقرر القرآن أن أممًا كانت أشد قوةً، وأوسع سلطانًا، وأغنى عمرانًا، قد مكَّن الله لها في الأرض، ثم أهلكها جميعًا.
فكيف يكون مجرد التمكين دليلًا على الرضا؟
🟢❖ أولًا: التمكين نوعان… والخلط بينهما أصل الإشكال
بتدبر آيات القرآن يتبين أن التمكين ليس نوعًا واحدًا.
فهناك تمكين كوني قدري، وهناك تمكين شرعي ممدوح.
والخلط بينهما هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في سوء الفهم.
🫵أولًا: التمكين الكوني القدري
وهو كل سلطانٍ أو قوةٍ أو ملكٍ يقع في هذه الدنيا بإرادة الله الكونية، سواء كان صاحبه مؤمنًا أو كافرًا، عادلًا أو ظالمًا.
فالله سبحانه هو مالك الملك.
قال الله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ…﴾
[آل عمران: 26]
وقد يؤتي الله الملك ابتلاءً.
وقد يؤتيه استدراجًا.
وقد يؤتيه إملاءً.
وقد يؤتيه لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو.
ولهذا مكَّن الله لفرعون حتى قال:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]
ومكنَّ الله كذلك لقارون حتى قال سبحانه وتعالي:
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
[القصص: 76]
لقد مكّنَّ الله لأممٍ بلغت من القوة والعمران ما لم يبلغه غيرها، ثم قال عنها:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ… فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾
[الأنعام: 6]
إنَّ هذه الآية من أعظم الآيات في باب التمكين.
فقد جمعت بين التمكين والهلاك في آية واحدة.
وهي بذلك تهدم الوهم الذي يربط بين القوة ورضا الله.
ولذلك قال الله سبحانه وتعالي أيضًا:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
[الأعراف: 182-183]
فليس كل سلطانٍ كرامة.
وليس كل قوةٍ اصطفاء.
وليس كل دولةٍ قائمةٍ دولةً رضي الله عنها.
🫵بل قد يكون ذلك ابتلاءً…
أو إملاءً…
أو استدراجًا…
أو تأخيرًا للعقوبة إلى حين.
🟢❖ ثانيًا: الاستخلاف… أوسع من التمكين
ومن دقائق التعبير القرآني أن الله سبحانه يستعمل لفظ الاستخلاف أكثر مما يستعمل لفظ التمكين.
فالإنسان مستخلف في الأرض قبل أن يكون مُمكَّنًا فيها.
قال تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[البقرة: 30]
وقال سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾
[فاطر: 39]
وقال عز وجل:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
[يونس: 14]
فتأمل ختام الآية:
﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
أي أن الاستخلاف ليس تشريفًا مجردًا…
وإنما هو اختبار.
وليس امتيازًا…
وإنما تكليف.
فالناس جميعًا مستخلفون في الأرض، كلٌّ بحسب ما آتاه الله من سلطان أو مال أو علم أو قدرة.
🫵أما التمكين فهو مرحلة خاصة من الاستخلاف، يمنحها الله لمن يشاء، فإذا منحها، كانت امتحانًا أعظم، ومسؤوليةً أكبر.
ولهذا لم يجعل القرآن التمكين غايةً، وإنما جعله وسيلةً لإقامة الحق، وتحقيق العدل، وإصلاح الأرض.
فإذا تحول إلى وسيلةٍ للاستبداد، أو الاستعلاء، أو الفساد، فقد انحرف عن مقصوده القرآني، وإن بقي الناس يسمونه تمكينًا.
ومن هنا ندرك أن القرآن لا يسأل أولًا: من الذي مُكِّن؟ وإنما يسأل: ماذا صنع بهذا التمكين؟
ولماذا مُكِّن؟
وفي هذا يكمن الفارق بين التمكين الذي يمدحه القرآن، والتمكين الذي قد يقع في سنن الله الكونية ثم يكون سببًا في هلاك أصحابه.
🕋❖ التمكين الذي وعد الله به المؤمنين
إذا كان القرآن قد بيَّن أن هناك تمكينًا كونيًا قد يقع للمؤمن والكافر، وللعادل والظالم، فإن القرآن يبين كذلك أن هناك تمكينًا آخر، هو التمكين الذي وعد الله به عباده المؤمنين.
وهذا هو التمكين الذي يكثر الاستشهاد به في الخطب والكتابات، لكنه كثيرًا ما يُقتطع من سياقه، فتُذكر نتيجته، وتُنسى شروطه.
قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا…﴾
[النور: 55]
ولو تأملنا الآية لوجدنا أن الله سبحانه لم يبدأ بالتمكين، وإنما بدأ بالشروط.
﴿آمَنُوا﴾
ثم:
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
ثم ختم الآية بقوله:
﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾
فكأن الآية تقول:
إن التمكين ليس حقًا يُطالب به، وإنما وعدٌ يُنال بعد استيفاء شروطه.
ولذلك لم يقل الله سبحانه وتعالي :
“وعد الله الجماعة الإسلامية…”
أو:
“وعد الله الحزب الإسلامي…”
أو:
“وعد الله من رفع شعار الشريعة…”
🧐🫵بل قال:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وهذا فرقٌ جوهري بين الشعار والمعيار.
فالشعار يرفعه كل أحد.
أما المعيار فلا يحققه إلا من استوفى شروطه.
🟢❖ يوسف عليه السلام… النموذج القرآني للتمكين
ولم يكتف القرآن بذكر القاعدة، بل ضرب لها مثلًا عمليًا في حياة يوسف عليه السلام.
فيوسف لم يصل إلى التمكين بطلب السلطة.
ولم يصل إليه بالقوة.
ولم يصل إليه بالمؤامرات.
ولم يصل إليه بإقصاء غيره.
بل وصل إليه بعد رحلة طويلة من الابتلاء.
أُلقي في البئر.
وبيع رقيقًا.
وعاش غريبًا.
ودخل السجن ظلمًا.
وصبر.
واتقى.
وأحسن.
فلما استوفى أسباب التمكين قال الله:
﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ…﴾
[يوسف: 56]
ثم كشف لنا سر هذا التمكين بقوله:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]
🫵هذه هي المعادلة القرآنية:
تقوى…
ثم صبر…
ثم إحسان…
ثم تمكين.
🫵وليس:
سلطة…
ثم استبداد…
ثم نسمي ذلك تمكينًا.
الله حين مُكِّن يوسف، لم يجعل سيدنا يوسف السلطة وسيلةً للانتقام ممن ظلموه.
ولم يحتكر خيرات البلاد.
ولم يجعل المنصب غنيمةً لأسرته.
بل أنقذ شعبًا كاملًا من المجاعة، وحفظ أقوات الناس، وأدار الأزمة بأمانة وحكمة.
وذلك هو التمكين الذي يصنع الحياة.
🟢❖ وذو القرنين… التمكين لا يُغني عن الأخذ بالأسباب
ومن النماذج العظيمة أيضًا ذو القرنين.
قال عنه الله تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ۝ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾
[الكهف: 84-85]
فالله هو الذي مكنَّ لذي القرنين.
ولكن هل جلس ذي القرنين ينتظر التمكين.. 🤔
🫵بل أخذ بالأسباب.
وسعى.
وعمل.
وبذل الجهد.
وأقام العدل بين الناس.
ففي هذه الآيات ردٌّ على من يظن أن التمكين يتحقق بالأماني والشعارات.
إنه يتحقق بتوفيق الله أولًا، ثم بالأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.
🟢❖ وكيف يُعرف التمكين الحقّ ؟
يبين القرآن أن التمكين الحقيقي لا يُعرف بلحظة الوصول إلى السلطة، وإنما يُعرف بما يحدث بعدها.
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
🧐🫵إن هذه الآية لا تتحدث عن طريق الوصول إلى السلطة، وإنما تتحدث عن كيفية استعمال السلطة بعد الوصول إليها.
🫵فالمُمكَّن في القرآن هو الذي:
يقيم دين الله.
ويحفظ الحقوق.
ويقيم العدل.
ويصلح أحوال الناس.
ويؤدي الأمانات إلى أهلها.
ولذلك قرن الله بين الحكم والعدل فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…﴾
[النحل: 90]
وقال سبحانه وتعالي:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58]
وقال جل وعلا:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[البقرة: 190]
🧐فإذا تحول التمكين إلى ظلم…
أو إلى استبداد…
أو إلى فساد…
أو إلى اعتداء على الحقوق…
فقد بدأ يفقد صفته القرآنية، وإن بقي اسمه متداولًا بين الناس.
إن التمكين الذي يمدحه القرآن ليس تمكينًا للسلطة، وإنما تمكينٌ للحق والعدل والإصلاح.
🕋 سنة التمكين في القرآن الكريم
ليس كلُّ تمكينٍ في الأرض هو التمكين الذي وعد الله به المؤمنين
🪾❖ التمكين في التجربة السودانية… بين الشعار والميزان القرآني
إذا كانت سنن الله لا تحابي أحدًا، فإن أول من ينبغي أن يُوزن بها هم الذين رفعوا شعارات الإسلام، لأنهم هم الذين نسبوا مشروعهم إلى الدين.
وحين استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، أصبح مصطلح “التمكين” عنوانًا لمشروعها السياسي، ثم تحول بعد ذلك إلى سياسةٍ رسمية للدولة، وإلى منهجٍ في إدارة مؤسساتها.
ومع مرور الزمن، لم تعد كلمة “التمكين” تستحضر في أذهان السودانيين آيات سورة النور أو سورة الحج، وإنما أصبحت مرتبطةً – في الوعي العام – بتجربة سياسية بعينها.
وهنا يفرض القرآن سؤاله من جديد:
هل كان ذلك هو التمكين الذي وعد الله به المؤمنين؟
إن الإجابة لا تُستمد من الخصومات السياسية، ولا من الشعارات، وإنما من القرآن نفسه.
فإذا كان الله قد جعل من شروط التمكين:
الإيمان… والعمل الصالح… والتقوى… والصبر… والعدل… وأداء الأمانة… والإصلاح… وعدم الاعتداء…
فمن حق الأمة أن تسأل:
هل تجلت هذه المعاني في التجربة، أم غاب كثير منها؟
لقد شهد السودان، خلال سنوات الإنقاذ، أحداثًا ووقائع أصبحت جزءًا من تاريخه المعاصر، منها:
الوصول إلى السلطة عن طريق انقلابٍ عسكري، لا عبر الشورى أو الاختيار الشعبي.
حل المؤسسات الدستورية وتعطيل الحياة السياسية.
تطبيق سياسة الصالح العام التي أُبعد بسببها آلاف العاملين من وظائفهم.
تغليب الانتماء التنظيمي – في كثير من المواقع – على معيار الكفاءة والخبرة.
تركُّز السلطة والنفوذ في يد فئة محدودة لسنوات طويلة.
اتساع دائرة الفساد المالي والإداري، حتى أصبح محل اعتراف وانتقاد من شخصيات كانت جزءًا من النظام.
انقسام الحركة الإسلامية نفسها فيما عُرف بالمفاصلة، بعد أن كانت تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا واحدًا.
ثم انتهت التجربة بسقوط النظام، ودخل السودان بعد ذلك في دوامة الانهيار والحرب، التي لا يزال الشعب السوداني يدفع ثمنها من دمه وأمنه واستقراره ووحدة وطنه.
هذه وقائع تاريخية.
أما تقييمها، فإن ميزانه ليس أهواء الناس، وإنما قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]
وقوله سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: 140]
فدوام التمكين ليس حقًا مكتسبًا، وإنما ثمرةٌ متجددة لحسن القيام بأسبابه.
🟢❖ قارن بين تمكين يوسف… وتمكين البشر
حين مكَّن الله يوسف عليه السلام…
لم يبدأ بتصفية خصومه.
ولم يجعل المنصب مكافأةً لأقاربه.
ولم يحتكر خيرات البلاد.
ولم يجعل الدولة ملكًا لفئةٍ بعينها.
بل قال:
﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
[يوسف: 55]
فقدَّم معيارين لا ثالث لهما:
الأمانة.
والكفاءة.
ثم كانت النتيجة:
حفظ الأقوات…
وإنقاذ الناس من المجاعة…
وتحقيق المصلحة العامة.
🫵ذلك هو التمكين الذي يصنع العمران.
أما حين يصبح معيار التقديم هو الولاء قبل الكفاءة، والانتماء قبل الأمانة، والاستحواذ قبل المشاركة، فإننا نكون قد ابتعدنا عن النموذج القرآني، مهما كانت الشعارات المرفوعة.
فالقرآن لا يعرف تمكين الحزب…
ولا تمكين الجماعة…
ولا تمكين التنظيم…
وإنما يعرف تمكين العدل.
🪾❖ أخطر ما وقع فيه الخطاب الإسلاموي
لعل من أكبر الأخطاء الفكرية التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلاموية أنها لم تميز بين التمكين الكوني والتمكين الشرعي.
فظنت أن مجرد الوصول إلى السلطة هو دليل رضا الله.
وأن البقاء فيها شهادةٌ بصحة المشروع.
بينما القرآن يهدم هذا التصور من أساسه.
🫵ففرعون كان مُمكَّنًا…
وقارون كان مُمكَّنًا…
وأمم كثيرة كانت مُمكَّنة…
ثم أهلكها الله جميعًا.
قال الله تعالى:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
[الأنعام: 6]
إن هذه الآية وحدها تكفي لإسقاط الفكرة التي تقول:
“لقد وصلنا إلى السلطة، إذن نحن على الحق.”
فالقرآن يقول:
قد تصل إلى السلطة… ثم تهلك.
وقد تبلغ أوج القوة… ثم تزول.
وقد تُمكَّن في الأرض… ثم يكون ذلك استدراجًا لا تكريمًا.
فالميزان ليس:
هل مُكِّنت؟
وإنما:
كيف مُكِّنت؟
وبأي وسيلة؟
وماذا صنعت بهذا التمكين؟
📜❖ الخلاصة…
سنة الله لا تحابي أحدًا
إن التمكين في القرآن ليس لقبًا سياسيًا، ولا شعارًا حزبيًا، ولا برنامجًا تنظيميًا.
إنه سنةٌ من سنن الله.
له أسباب.
وله شروط.
وله غايات.
وله آداب.
وله أسباب تؤدي إلى زواله.
🧐🫵ولذلك ..
يمكن تلخيص السنة القرآنية في معادلة واحدة:
🟢الإيمان + العمل الصالح + التقوى + الصبر + الأخذ بالأسباب = تمكين بإذن الله.
🟢العدل + الشكر + أداء الأمانة + الإصلاح + عدم الاعتداء = دوام التمكين.
👿الظلم + الفساد + الاستبداد + البغي + احتكار السلطة + كفر النعمة = زوال التمكين.
إن أعظم خطأٍ أن نخلط بين التمكين الكوني الذي قد يقدره الله ابتلاءً أو استدراجًا، وبين التمكين الشرعي الذي وعد الله به المؤمنين.
فالتمكين الذي وعد الله به عباده ليس أن تملك الدولة…
بل أن تقيم بها العدل.
وليس أن تقهر خصومك…
بل أن تحفظ حقوقهم قبل حقوقك.
وليس أن ترفع شعار الإسلام…
🫵بل أن تجسد قيم الإسلام في الحكم والعدل والرحمة والأمانة.
ولهذا ستبقى هذه الآية هي الميزان الذي ينبغي أن توزن به كل تجربة حكم، قديمًا وحديثًا:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ… فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾
فليس كلُّ تمكينٍ في الأرض هو التمكين الذي وعد الله به المؤمنين.

زر الذهاب إلى الأعلى