الأعمدة

فلول الإنقاذ وادّعاء الوصاية على الشعب السوداني ” تعقيب على تصريحات الهندي عز الدين


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
يبدو أن بعض أبواق النظام البائد لم يستوعبوا بعد الدرس الذي أسدته إليهم جموع الشعب السوداني في ديسمبر 2018، حين خرجت ملايينه في كل شبر من أرض السودان الواسعة، رافعةً شعار “تسقط بس”، لتُسقط بذلك أطول نظام استبداد عرفه السودان الحديث. فكيف يتجرأ اليوم أبواق ذلك النظام على التحدث باسم هذا الشعب ذاته الذي ثار عليهم وأسقطهم؟
والهندي عز الدين ليس سوى إعلامي وظّف قلمه وصوته طوال عقود في خدمة نظام البشير، فأضفى عليه الشرعية وزيّن قبحه للناس، وأسهم في تزوير الوعي الشعبي وإسكات الأصوات المعارضة، ليعود اليوم متجرئاً على التحدث باسم هذا الشعب ذاته الذي طالما صادر صوته وزوّر إرادته. وقبل أن يُلقي الهندي محاضراته في الشرعية والديمقراطية، يليق به أن يقف وقفة مراجعة أمام السجل الأسود للنظام الذي أمضى عمره في الدفاع عنه وتلميع صورته.
أولاً: ثلاثة عقود من الخراب الممنهج
– الأرقام لا تكذب
جاء انقلاب يونيو 1989 على السودان وهو بلد يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله للريادة الإقليمية، فأفضى بعد ثلاثة وثلاثين عاماً إلى دولة مثقلة بالديون والحروب والانهيار الاقتصادي. والمفارقة المُرّة أن هذا النظام ذاته رفع شعار “الإسلام هو الحل” ليُغطي به نهبه الممنهج وفساده المتجذّر، فأين الإسلام في نهب المال العام وإيداعه في بنوك خارجية؟ وأين هو في الإبادة الجماعية في دارفور؟ وأين هو في إلقاء جثث الشهداء في النيل؟
على الصعيد الاقتصادي: ورث السودان من نظام الإنقاذ ديوناً خارجية تجاوزت ستين مليار دولار، وانهار الجنيه السوداني انهياراً مدوياً إذ تدهورت قيمته من جنيه واحد مقابل الدولار في مطلع التسعينيات إلى ما يزيد على ستمائة جنيه عشية سقوط النظام. وبلغ معدل التضخم في سنواته الأخيرة أرقاماً فلكية تجاوزت ثلاثمائة بالمائة، فيما عجزت الحكومة عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها من دواء وخبز ووقود.
على صعيد الثروة النفطية: أهدر النظام الفرصة التاريخية التي أتاحها النفط السوداني، إذ بلغ الإنتاج في أوج ازدهاره نحو خمسمائة ألف برميل يومياً، غير أن عائداته الضخمة لم تُوجَّه لبناء مستشفى أو مدرسة أو جسر أو طريق، بل أُودعت في حسابات بنكية خارجية سرية لصالح الحركة الإسلامية وقياداتها، في عملية نهب ممنهج منظّم لم تشهد له البلاد مثيلاً. وكان الثمن الأفدح انفصال الجنوب عام 2011 وخسارة ثلاثة أرباع هذه الثروة النفطية دفعةً واحدة، فخسر السودان نفطه وبقي بلا تنمية، في كارثة مزدوجة لم تكن لتقع لولا عقود من النهب والتهميش الممنهجَين.
على صعيد التنمية البشرية: احتل السودان في عهد الإنقاذ مراتب متأخرة جداً في مؤشرات التنمية البشرية عالمياً، وتفشّت الأمية في أرجاء واسعة من البلاد، فيما هاجر عشرات الآلاف من الكوادر العلمية والمهنية المؤهلة هرباً من القمع والإفقار، في نزيف مريع استنزف رأس المال البشري للبلاد جيلاً بعد جيل، فأصبح السودان يُصدّر عقوله إلى الخارج بدلاً من أن يستثمرها في بنائه.
ثانياً: الحروب والتمزق – جريمة لا تُغتفر
لم يكتفِ نظام الإنقاذ بنهب ثروات البلاد، بل أشعل نيران الحرب في أكثر من جبهة في آنٍ واحد. ففي دارفور وحدها راح ضحية الحرب ما يزيد على ثلاثمائة ألف قتيل وفق التقديرات الأممية، وشُرِّد ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة من ديارهم في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ أفريقيا الحديث. وبلغ الأمر حداً دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق الرئيس المخلوع البشير بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو وصف لم يحمله قبله سوى نفر قليل من أشد مجرمي التاريخ المعاصر دموية.
وفي جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، كانت الحروب تحصد الأرواح وتدمر القرى، في حين كانت عائدات النفط تُودَع في بنوك خارجية بعيداً عن أبناء الشعب وحاجاتهم الأساسية. وما الحرب الكارثية الدائرة اليوم في السودان إلا امتداداً طبيعياً لإرث ذلك النظام، إذ يرى كثير من المحللين أن فلول الحركة الإسلامية يصبّون الزيت على نار الاقتتال ويُذكون جذوته، سعياً إلى إعادة تموضعهم على الساحة السياسية من بوابة الفوضى التي صنعوها بأيديهم.
ثالثاً: ثورة ديسمبر – حكم الشعب الذي لا يُناقَش
في ديسمبر 2018 أصدر الشعب السوداني حكمه القاطع والنهائي على ثلاثة عقود من هذا الخراب المتراكم. خرجت الحشود في أكثر من ثمانين مدينة وبلدة، وهتفت حناجر الشباب والنساء والشيوخ بصوت واحد، ودفعوا ثمناً باهظاً بدمائهم الزكية حتى بلغ عدد شهداء الثورة المئات.
وبلغت الجريمة ذروتها في فضّ اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019، حين نفّذت قوات النظام مجزرة بشعة راح ضحيتها عشرات الشهداء، وأُلقيت جثث بعضهم في نهر النيل في جريمة لن يمحوها التاريخ ولن تغسلها السنون. هذا الشعب، يا هندي ، هو الذي تدّعي اليوم التحدث باسمه، وهو نفسه الذي أمضيت سنوات في تلميع صورة من كان يقمعه ويسرق مستقبله ويُلقي شهداءه في النيل.
رابعاً: التناقض الصارخ – من فوّضك؟
يتعجب المرء من هذه الجرأة الخطابية التي يتحدث بها الهندي عز الدين عن إرادة الشعب السوداني والشرعية الانتخابية. فأيّ تفويض شعبي يحمله إعلامي وظّف قلمه في خدمة نظام وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري لا بصناديق اقتراع؟ وإن كان يحتج بالشرعية الانتخابية معياراً للحكم، فبأيّ منطق يُسبغها على قادة الجيش الذين يقف خلفهم؟ فالبرهان لم يأتِ بانتخاب شعبي قط، بل انقلب على الشراكة المدنية العسكرية في أكتوبر 2021 انقلاباً أجهض مسيرة التحول الديمقراطي في مهدها.
والأشد إثارةً للدهشة أن قيادات المؤتمر الوطني المحلول بات كثير منها مطلوباً للعدالة محلياً ودولياً، فكيف يتحدث المطلوبون للقضاء عن شرعية الحكم وإرادة الشعب؟ وبأيّ وجه يُطالب من أفسدوا ثلاثة عقود بمحاسبة غيرهم؟ إن الشرعية التي يتشدق بها الهندي عز الدين لا تسكن في بنادق العسكر، ولا في خطب الإعلاميين المأجورين، بل تسكن وحدها في إرادة الشعب الحرة المعبَّر عنها بصناديق نزيهة وشفافة، وهو ما لم يعرفه السودان طوال سنوات الإنقاذ الثلاث والثلاثين.
خامساً: تصدير الأزمة – حيلة الفلول القديمة الجديدة
ثمة نمط متكرر لا يخطئه المراقب المتأمل في خطاب فلول النظام البائد، فهم الذين صنعوا الأزمات بأيديهم على مدى ثلاثة عقود، ثم يقفون اليوم يتاجرون بها لإعادة إنتاج أنفسهم سياسياً. فالتفكك الذي يُحذّرون منه هم من زرعوا بذوره، والفوضى التي يرسمون صورتها هم من أشعلوا فتيلها، والحرب التي تُنزف السودان اليوم هم من أسهموا في إذكائها. وما خطاب الهندي عز الدين في نهاية المطاف سوى حلقة في هذه السلسلة المتكررة من محاولات توظيف معاناة الشعب السوداني لخدمة أجندة الحركة الإسلامية وفلولها الساعين إلى العودة من بوابة الفوضى.
تحدّث باسمك، لا باسم الشعب
إن للهندي عز الدين كامل الحق في التعبير عن آرائه باسم الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني المحلول أو أي تنظيم ينتمي إليه. أما ادّعاء الوصاية على الشعب السوداني والتحدث بلسانه، فذلك ما يرفضه المنطق والتاريخ والوقائع جميعاً.

زر الذهاب إلى الأعلى