الأعمدة

تقييم المواقف الآنية..لا تقديس الولاءت المطلقة.

في ما يسمى بالحرب الخاطفة التي لا تستغرق وقتا في مفاجاة العدو فيكون المنتصر فيها غالبا من بداء بالهجوم لسبب استراتيجي وهو ان الطرف الذي بوغت بالضربة لم يتسنى له معرفة حجم القوة البشرية وإمكانات خصمه الآلية والفنية ولم يكن مستعدا للتصدي لمن باغته بتلك الضربة المؤلمة.
وهذا ما حدث على سبيل المثال في حرب الستة ايام عام 1967 وادت إلى تلك الهزيمة التي تحملها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وقدم استقالته ولكن الجماهير إعادته ربما لإصلاح ما انكسر. بل إن قائد جيشه المشير عبد الحكيم عامر انتحر متحملا كل المسئؤلية كما جاء من المصادر الرسمية رغم تشكيك بعض المحللين بان الرجل قد يكون تمت تصفيته بشبهة الخيانة العظمى .
وكان اكثر ما اضر بموقف مصر والعرب واذاهم بمرارة تلك الهزيمة هو الشحن الإعلامي الكاذب لاذاعات صوت العرب والقاهرة حيث كان المعلق احمد سعيد يبشر جموع العالم العربي بان جيوشهم تقف على بوابة تل ابيب ..تماما مثلما كان يتشدق بمليء فيه محمد سعيد الصحاف وزير اعلام الرئيس العراقي وقتها صدام حسين .
وبقيت هذه القصص موثقة في سفر التاريخ قريبه وبعيده نسبيا .

اما الحروب التي يتطاول امدها لسنوات او حتي بضعة شهور مثل حربنا الحالية فالامر يختلف في طبيعة الحسم لهذا الطرف او الطرف الآخر من المعادلة لان تطاول المعارك يعطي كلا الطرفين المساحة الكافية لمعرفة المقدرات العسكرية بشريا وماديا لكل منهما . وتعقب تحركات ومواقع وخطط بعضهما .
لذا تكون فرضية الحسم لاي منهما معقدة بل شبه مستحيلة و تصبح حربهما قابلة للتحولات المرحلية زمانيا ومكانيا ..ففي موقعة ما قد ينتصر هذا الطرف وفي معركة اخرى يتراجع هو نفسه امام تقدم خصمه المتراجع بالامس القريب .
لذا فإن التصعب للجهة التي انت مؤيد لها كصحفي او محلل استراتيجي او حتى كنت مواطنا عاديا وتقديسها وتبرئتها من فرضية الخسارة وكانها معصومة من الخطا هوما يضر بتلك الجهة و يملؤها بغرور النزاهة المطلقة التي لا تستوعب احتمال الخسارة ولا تستجيب للنقد ولو كان ناصحا بكل الامانة والصدق ..بل تجد ان مصادرها الإعلامية الرسمية من داخلها تكابر بخطاب تضليل الراي العام وادعاء النصر المؤزر ونحقير العدو بالقدر الذي يشحن المؤيدين كالبالونات الشفافة بهواء الزهو الساخن الذي يكون مردوده صدمة لهم وتفريغا لذلك الهواء متى ما طعنهم دبوس الحقيقة وادركوا انها عكس ما صفقوا له في غمرة نشوة الإنحياز الاعمى الذي لا يعتق عقولهم لتحليل مواقف معسكرهم في تقييم حالة الكر والفر كناموس ازلي معروف في مجريات كل الحروب .
الآن المشهد العام في فضاءات الحياة ليس كما كان بالامس في ازمنة الامثلة التي اشرنا إليها عاليه.
بل صار كل مواطن هو محطة استقبال وارسال يحركها بإصبعه
لمعرفة الحقيقة من الفضاءات خارج حدود الاعلام الداخلي متى ما احس بان تحت الاكمة ماتخفيه عنه اجهزته المنحازة بالولاء المطلق البعيد عن تشريح المواقف كل على حده !
والله المستعان .
وهو من وراء القصد ..

زر الذهاب إلى الأعلى