
بقلم/ إيهاب الأمين
حين خرج السودانيون في ثورة ديسمبر المجيدة، لم يكن مطلبهم سوى الحرية والسلام والعدالة، وإنهاء ثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والعزلة التي عاشتها البلاد تحت حكم الحركة الإسلامية، لكن بدلاً من الاستجابة لصوت الشعب، اختارت السلطة آنذاك لغة التهديد والتخويف، وكان قادة النظام يرددون صراحة و تلميحاً أن بسقوطهم سينهار الأمن، وأن هناك قوى وكتائب ظل موالية لهم ستمنع أي انتقال للسلطة، وفي ذلك الوقت ظن كثير من السودانيين أن تلك التصريحات مجرد محاولة لبث الرعب في نفوس الثوار، غير أن السنوات التالية جعلت هذه التهديدات تظهر للعيان بأنها برنامج سياسي يقوم على ربط بقاء الدولة ببقاء النظام نفسه.
لقد قامت ثورة ديسمبر على شعارات واضحة حرية، سلام، وعدالة، ولم يكن الثوار يدعون إلى الحرب، بل كانوا يطالبون بدولة مدنية يسودها القانون، وحكم ديمقراطي رشيد، وفي المقابل شهد السودان أحداثاً دامية كان أبرزها فض اعتصام القيادة العامة، الذي أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع ارتكاب انتهاكات جسيمة من بينها أعمال قتل وعنف جنسي وإخفاء للجثامين ورميها في النيل، وهي وقائع ثابتة بتسجيلات فيديو رآها الجميع وبأحداث شهدتها الأسر لا يزال الشعب يطالب بمحاسبة المسؤولين عنها.
ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، برزت مفارقة يصعب تجاهلها، ففي الوقت الذي كانت فيه القوى المدنية ترفع شعار لا للحرب وتدعو إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض، ارتفعت أصوات الآلة الإعلامية للنظام السابق تدعو إلى استمرار القتال، وتعتبره معركة وجود وتعبئ الجماهير لمواصلة الحرب مهما كانت كلفتها الإنسانية والاقتصادية.
وكان الأكثر إثارة للتساؤل أن القوى التي تقدم نفسها اليوم باعتبارها المنقذ الوحيد من قوات الدعم السريع هي ذاتها التي لعبت دوراً أساسياً في نشأة هذه القوة وتوسيع نفوذها خلال سنوات حكمها، وكانت تدافع عن بقائها عندما كانت أصوات الثوار تنادي بإخضاع جميع القوات لقيادة الجيش ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة. واليوم يُراد للشعب أن ينسى هذه الحقائق وأن يصدق أن من ساهم في صناعة الأزمة هو وحده القادر على حلها.
لقد حاولت الآلة الإعلامية والسياسية المرتبطة بالنظام السابق تحميل القوى المدنية مسؤولية الحرب رغم أن مواقف هذه القوى في عمومها كانت تقوم على رفض الحرب والدعوة إلى الحلول السياسية، وفي المقابل استمرت حملات التعبئة العسكرية والتخوين ورفض أي مسار تفاوضي وهو ما أسهم في إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المواطنين.
إن المأساة السودانية لم تبدأ يوم اندلاع الحرب بل هي نتيجة تراكمات طويلة من إضعاف مؤسسات الدولة وتسييس القوات النظامية وإنشاء تشكيلات مسلحة خارج البناء العسكري التقليدي، واستخدام الانقسامات والأدوات الأمنية لإدارة السياسة وعندما تنهار دولة بسبب هذه السياسات لا يمكن لمن نفذ هذه السياسات الفادحة على هذا النحو أن يتنصل من مسؤوليته التاريخية.
السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي ولا إلى إعادة تدوير القوى التي حكمته ثلاثين عاماً وانتهت تجربتها بانقسام المجتمع السوداني وتدهور الاقتصاد، وتفشي الفساد وانهيار الخدمة المدنية وانفصال الجنوب والعزلة الدولية ثم الحرب المدمرة، بل يحتاج إلى دولة قانون، وجيش مهني واحد، وعدالة انتقالية تنصف الضحايا، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم أو انتهاكات، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
لقد أثبتت التجربة أن الأنظمة التي تربط بقاء الوطن ببقائها، إنما تجعل الوطن رهينة لمصيرها هي، أما الأوطان الحقيقية، فتبقى بمؤسساتها ودستورها وإرادة شعوبها، لا بحزب أو جماعة أو تنظيم.
سيكتب التاريخ أن ملايين السودانيين خرجوا مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، بينما كان قادة الكيزان وفلول نظامهم المنحل تمارس التخويف من المستقبل إذا فقدت السلطة، وسيظل السؤال قائماً هل كان السودان سيدفع هذا الثمن الباهظ لو جرى احترام إرادة الشعب، وتغليب الانتقال السلمي، وتقديم مصلحة الوطن على مصلحة التنظيم؟
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالسلاح ولا بالانتقام ولا بإحياء مشاريع الهيمنة القديمة، وإنما بالحقيقة والعدالة والمصالحة الوطنية، وبإقامة دولة يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القانون، ويكون الولاء فيها للوطن وحده.



