الأعمدة

الإنسان السوداني التائه ما بين الشيخ والزعيم والجنرال… تاريخٌ طويل من الخضوع وإعادة إنتاج الجلّاد!!

✍️: محمد الفاتح حضرة
من يقرأ تاريخ السودان منذ بداياته الحديثة يلحظ شيئًا خطيرًا ظل يتكرّر بلا انقطاع، شيء يكشف سرّ قابلية هذا الشعب للخضوع للزعيم العسكري، وللشيخ الصوفي، ولزعيم الطائفة، ولرئيس الحزب، مهما أساء، ومهما ظلم، ومهما لوَّث البلاد دمًا وخرابًا !!
وهذا (الشيء ) ـ في تقديري ـ هو نفس الثغرة التي اكتشفها كل الاشخاص والقوى التي سيطرت يوماً علي حكم السودان ، من لدن المتمهدي محمد أحمد، إلى طائفتي الختمية والأنصار، وصولًا إلى الحركة الإسلامية والعسكر الإنقلابيين !!
الإنقياد الأعمي لشيوخ الدين المرتبطين بالسماء !!
✦ البداية: من المتمهدي إلى الطائفيةوالبندقية… الشعب الذي يهرب من الدولة إلى الزعيم!!
حين ظهر المتمهدي محمد أحمد، كان السودان يعيش أزمات ظلم واستعمار وقهر
فجاء الرجل بخطاب ديني عاطفي روحي..
فاستسلم له عامة الناس له بلا سؤال
وصار السودان كلّه في لحظة واحدة تحت سلطة رجل واحد
شيخٌ وقائدٌ ومخلّصٌ في آنٍ واحد
ومنذ ذلك العهد تأسّست أول بذرة في العقل الجمعي السوداني:
أن الخلاص لا يأتي من الدولة بل من الزعيم الإلاهي
وهذه البذرة ما تزال تعيش حتى اليوم!!
✦ طائفتا الختمية والأنصار… حين تحوّل الدين إلى حزب سياسي ، والطريقةالصوفية إلى دولة!!
بعد سقوط الدولة المهدية وصعود الاستعمار
تولّدت الطائفية من جديد..
الختمية بطريقتها
والأنصار بإرث المهدية
فورثوا النفوذ الروحي
ثم حوّلوه إلى نفوذ سياسي
ثم صنعوا لأنفسهم أحزابًا باسم الدين
فصار شيخ الطريقة هو نفسه رئيس الحزب
وصار الإتباع الديني والطائفي تبعيّةً سياسيةً
وصار الولاء للزعيم أعلى من الولاء للوطن!!
وبذلك دخل السودان في دائرة جديدة من الخضوع العاطفي الأعمي لشيوخ الدين الإسلامي !!
الأخطر من ذلك أن هاتين الطائفتين تحوّلتا إلى سوق تجاري سياسي ديني
يُبرم الصفقات
ويمتلك الثروة
ويصنع التحالفات
ويحدّد مصير السودان
ومع ذلك ظلّ الشعب يراهم “أولياء” و”سادة” يُقبّلون أياديهم!!
✦😈 جماعة ما يسمي بالحركة الإسلامية… وريثة الطائفية رغم خطابها ضدها!!
المفارقة العجيبة أن الجماعة التي طعنت الطائفية في خطابها
وسخرت منها
واتهمتها بالرجعية
هي نفسها التي ورثت أدوات الطائفية ودخلت من نفس بوابتها !!
🧠🫀العقل السوداني الذي ظلَّ يخضع للشيخ وللخليفة ،
سيخضع بسهولة و ينقاد للسياسي ( الأفندي) الذي يرتدي البنطلون والقميص ويتحدث بلغة الفرنجة ، ما دام أنه يحمل خطابًا دينيًا يتوجه به الي الناس !!
😈وهذا مافعلته جماعة الأخوان المسلمين او ما يسمي الآن بالحركةالإسلامية..
فقدّمت نفسها خليفة للمسلمين المستنيرين في القرن العشرين
وهي في حقيقتها لم تكن سوي نسخة جديدة من الطائفية
ولكن بثوبٍ حديث ولحيةٍ مشذبة وخطاب “حضاري”!!
رغم أنهم كانوا ينتقدون المتصوفة وزعماء الطوائف الدينية والاحزاب التقليدية ، إلا أن جماعة الحركة الإسلامية ظلت علي مدي تأريخها تربط نفسها ببيوتات الأنصار والختمية
وتصنع معهم تحالفات تحت الطاولة
رغم ادعائها العداء لهم !!
✦ الآن ..صار الجنرال هو الشيخ الجديد… وهذا ما فعله البرهان!!
من المتمهدي
إلى الخليفة
إلى السيد علي
إلى السيد عبدالرحمن
إلى الترابي
إلى البشير
ثم وصلنا إلى عهد البرهان
البرهان الذي هو و جماعته وصنيعته الدعم السريع، كانوا سببًا في كل هذا الخراب والدمار والتشظي والقتل والنزوح الذي أصاب الشعب السوداني..
البرهان الذي مزّق السودان
وأطلق يد الجنجويد
وأعاد الإسلاميين إلى أجهزة الدولة و الحكم
وأهدر الدماء
وأفقر الناس
وأحرق المدن
البرهان.. الذي خان المعتصمين في القيادة العامة
وغدر بالشباب الذين طالبوا بالحرية
رغم كل هذا الذي إرتكبه البرهان ، إلا أنك تجد الشعب السوداني لا يفتأ يصنع له التماثيل
ويرفع صوره
ويهتف باسمه
وكأنه صلاح الدين لا المسؤول عن خراب الدين و ضياع الوطن !! 🤦‍♂️🔥
🧐كيف يحدث هذا ؟
مالذي أعطب قلوب وعقول السودانيين !!!
إننا ـ كسودانيين ـ لم نتحرر بعد من “عقلية الشيخ”
لقد تحوّل الآن الجنرال وحامل البندقية إلى “شيخٍ جديد”
فإذا رأيناه في ثوب الإحرام
أو مبتسمًا في حضرة شيخٍ صوفي
غفرنا له كل شيء
ونسينا الجريمة
وتسامحنا مع الدماء فهو ملكنا ونحن عبيده!!
وكأن السودان ليس وطنًا للشعب ، بل هو ضيعةً بيد العسكري الشيخ الذي نظل نطيعه و ننفذ أوامره مهما ظلم وغدر و خان..فإنه السلطان ولا يجوز الخروج عليه !!
✦ الدائرة التي لا تنكسر!!
منذ قرن ونصف
والسوداني يظل يهرب من الدولة إلى الزعيم
ومن العقل إلى العاطفة
ومن القانون إلى البركة
ومن الوعي إلى التسليم
قال ابن خلدون:
“الناس على دين ملوكهم”
وهذه الكلمة تصف حالنا بدقة
فالناس عندنا لا تختار الأفضل
بل تتبع الأقوى
ولا تعبأ بالعدل
بل تصنع أساطير القوة
ولا تتذكر الدم
بل تتذكر العمامة و البندقية .
وهنا يكمن سبب سقوط السودان المتكرر في أحضان الاستبداد الديني والعسكري معًا
✦ الخاتمة
😓علة الإنسان السوداني:
✦ “نقطة الضعف الروحية – النفسية – الاجتماعية في الشخصية السودانية، تتمثّل في حالة الشعور الدائم للإنسان السوداني بحوجته للوسيط، وللزعيم، وللشيخ، وللحامي”
هذا الضعف يتكوّن من ثلاثة عناصر متشابكة:
① الاحتياج التاريخي لـ«الزعيم» بدل «المؤسسة»
الشخصية السودانية ـ بفعل القرون من حكم السلاطين والممالك والمشيخات ـ تشكّلت على قاعدة الولاء للأشخاص لا للأفكار
ولذلك كان من السهل أن يدخلوا من هذا الباب
فالجيش قدّم نفسه “زعيم القوة”
والإخوان المسلمين قدّموا أنفسهم “زعيم الدين”
والمشايخ قدّموا أنفسهم “زعيم البركة”
وبذلك اكتمل المثلث الذي ظل يركع له الإنسان السوداني ويخاف أن يخرج عنه!!
② الاعتقاد بالوسيط الروحي
السوداني ـ بخلاف شعوب كثيرة ـ يملك حسًّا روحيًا عالياً ، ما خلق عنده شعورًا بأن الخير لن يأتي إلا عن طريق “شيخ”
فاستغلت الطوائف الدينية الإنتهازية هذا الباب:
شيخ يبارك
شيخ يدعو
شيخ يشفع
شيخ يحمي
حتى أصبح الشيخ أقوى من القانون وأعلى من الدولة..
ومن هنا ..دخلت الحركة الإسلامية لتقول:
“نحن وكلاء الله في أمور السياسة و الحكم و الدين !!”
فانقاد لهم عامة الناس بلا تفكير 🤦‍♂️🛑
③ الخوف من مواجهة السلطة خوفًا من الفوضى
السوداني يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الظلم.
وهذه التركيبة جعلت الجيش يرفع فزاعة:
“بدوننا الفوضى !!”
فصدّق الناس ذلك، وصاروا يرضون بكل جريمة يرتكبها العسكري طالما أنه يرفع شعار “حماية البلاد وحماية المدنيين..وحماية الدين ”
وقد بينت الأيام إنها محض أكذوبة كبرى!!
✦ ماهية الخلاصة والتركيبة النفسية للإنسان السوداني و التي اكتشفها الإسلاميون والعسكر🧐🤔
الشخصية السودانية تُقاد ولا تُقنع !!
الشخصية السودانية ، تخضع للرموز لا للمنطق
وتثق في الشيخ قبل العالم
وفي الزعيم قبل القانون
وفي القوة قبل الدولة 🤨🔥
هذه هي “الشفرة النفسية” التي فكّكها الإسلاميون باكرًا
فخلقوا دولة قائمة على:
• شيخ يشرعن
• عسكري يحكم
• تابع يخضع
ولو غُيّبت هذه الشيفرة لانتهى مشروعهم من أول يوم!!
✦ وهذه هي توقعاتي :
لن ينهض السودان إلا حين ينتقل السوداني من عقليّة التابع إلى عقليّة المواطن
ومن قداسة الأشخاص إلى احترام القانون
ومن البحث عن الشيخ إلى البحث عن الدولة
وحينها فقط ستسقط كل الأقنعة، ويعود السودان وطنًا للجميع وليس ضيعةً مملوكةً للعسكر والإخوان المسلمين وشركائهم من زعماء الطوائف و العشائر و قادة الحركات والميليشيات !!
والي ذلك الحين ، ستظل تتوالى الأسطورة والمأساة السودانية القاتلة
جيلًا بعد جيل
شيخٌ يصبح زعيمًا وطنياً
وزعيم عصابة مسلحة يصبح جنرالًا في الجيش
وجنرالٌ في الجيش يصبح “وليَّاً من الصالحين” عند الناس
ولو تلطخت يداه بكل دماء الوطن !!
لن يخرج السودان من هذا القيد إلا حين يرفض الشعب تحويل الدين إلى سلعة، والشيخ إلى حزب، والجنرال إلى ملّك ..
يومها فقط سيسقط الاستبداد الذي يتغذى على ضعف الوعي، وستنقطع السلسلة التي بدأت بالمتمهدي وانتهت بالبرهان
وستنهض بإذن الله دولةٌ تحترم الإنسان وتضع الزعيم تحت القانون لا فوقه!!
😈في الماضي.. كان الساسة الإنتهازيون يستعينون برجال الدين ..
🧐وفي زماننا هذا ، صار تجار الدين وطلاب الثروة والسلطة والمال يستعينون برجال الجيش و يختبئون خلف مؤسسة القوات المسلحة..
ولكن إن لم ينصاع لهم قائد الجيش ، خرجوا عليه وشتموه !!!
إنهم:-
العمل الضَّار..
أمن يا جنّ..
قالوا عن أنفسهم أنهم محض شياطين 😈👹👺
ولكننا نقول لهم إنكم؛ براءءوون و شهداء🫤 !!
✦ بروموشن
للمزيد من التحليلات عن الدين والسياسة والوعي السوداني تابعوا صفحتي على فيسبوك
facebook.com/MohamedAlfatihHadra
#السودان
#التاريخ
#الوعي
#لا_للتقديس

زر الذهاب إلى الأعلى