من نافخي كير الحرب إلى دعاة السلام: حين يتحول الانتهازيون بين ليلة وضحاها”
كتب: معاوية أبوالريش

في مشهد يتأرجح بين الكوميديا السوداء والمأساة المحضة، يستعد خمسة من “المحللين” و”الخبراء” الإعلاميين لعقد ندوة في لندن يوم السبت الموافق الحادي عشر من أكتوبر 2025 بعنوان “رؤية وطنية لتحقيق السلام العادل في السودان” العنوان براق والدعوة رنانة، لكن المفارقة صارخة والنفاق فاضح. هؤلاء أنفسهم كانوا حتى الأمس القريب ينفخون في كير الحرب ويصبون الزيت على نيرانها، ويصفون كل من ينادي بوقف إطلاق النار بأبشع الأوصاف من خيانة وعمالة وتآمر على السودان.
لم يتغير شيء جوهري في السودان ليبرر هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ. ما تغير فقط هو اتجاه الريح واتجاه التعليمات التي يتلقاها هؤلاء. الحرب ما زالت مستمرة، والدماء ما زالت تسيل، والشعب السوداني ما زال يدفع الثمن باهظاً. لكن فجأة، وبين ليلة وضحاها، تحول هؤلاء من دعاة حرب لا هوادة فيها إلى مبشرين بالسلام العادل، دون اعتذار واحد، دون اعتراف بالخطأ، ودون أدنى محاسبة للنفس.
الأنكى من ذلك كله، أن هؤلاء الذين يستعدون للحديث عن السلام والرؤية الوطنية، التزموا صمتاً مطبقاً ومريباً تجاه التصريحات الصادمة التي أطلقها وزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني حول السودان وقيادته العسكرية. كل هؤلاء، كما تشير المعلومات، مقيمون في قطر، يستخدمون خدماتها ويتمتعون بضيافتها، لكنهم لم يجرؤوا على التعليق على كلام الشيخ حمد ولو بكلمة واحدة.
حمد بن جاسم: الكلمة التي أسقطت الأقنعة
في لقاء تلفزيوني حديث أثار ضجة واسعة، وجّه وزير الخارجية القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم انتقادات حادة وغير مسبوقة لقيادة الجيش السوداني. لم يكن كلامه مجرد رأي عابر أو تعليق دبلوماسي مهذب، بل كان صريحاً وقاسياً ومباشراً بشكل صادم.
قال حمد بن جاسم بوضوح لا لبس فيه إن قيادة الجيش السوداني مسؤولة عن تدمير السودان بمساعدة أطراف خارجية، وإن ما يحدث لا يمكن أن يصدر عن قيادة وطنية حقيقية. حمّل الشيخ حمد المؤسسة العسكرية السودانية مسؤولية الانهيار السياسي والإنساني الذي تعيشه البلاد، مشيراً إلى أن التدخلات المتكررة للعسكر في الحكم والانقلابات المتتالية كانت السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع وانهيار الدولة. وأضاف أن الحرب الحالية ليست سوى امتداد طبيعي لنمط طويل من النزاعات التي أشعلها الجيش على حساب استقرار السودان وسلامة المدنيين، مؤكداً أن الحل السياسي الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء الهيمنة العسكرية الكاملة وإرساء حكم مدني ديمقراطي حقيقي.
هذه التصريحات، التي جاءت من رجل يعرف أسرار السياسة الإقليمية ودهاليز النفوذ في الشرق الأوسط، كانت بمثابة صفعة قوية وكلمة صادقة من خارج حسابات الكثيرين. كما وصفها أحد الكتاب السودانيين، فإن كلمة واحدة من الشيخ حمد بن جاسم كانت كافية لتفك شيفرة صمت طويل ظلّ يغطي على الكثير من الحقائق. لم تكن تصريحاته مجرد رأي عابر في بودكاست، بل كانت صفعة سياسية مدروسة وجّهها إلى وجوه امتهنت بيع الأوطان تحت لافتات براقة من الوطنية الزائفة.
الصمت الفاضح: حين يخرس من كانوا يزمجرون
المفارقة المذهلة والمحيرة هي أن هؤلاء “الخبراء” الخمسة الذين لم يتوقفوا لحظة واحدة عن الكتابة والتصريح والظهور الإعلامي والتعليق على كل صغيرة وكبيرة، التزموا صمتاً مطبقاً ومريباً تجاه تصريحات حمد بن جاسم الصادمة. لا مقال واحد، ولا تعليق عابر، ولا حتى إشارة خجولة. كأن الرجل لم يتكلم أصلاً، وكأن تصريحاته الصادمة لم تحدث قط.
فجأة، كما كتب أحد المحللين، عمّ السكون وجفّت حناجر طالما كانت تزمجر وتصول وتجول دفاعاً عن الجيش الذي وصفوه بالمقدس. السبب؟ بسيط ومخجل ومكشوف للجميع. الرجل الذي ينتقد الجيش بهذه القسوة هو نفسه من يوفر لهم الإقامة المريحة في بلاده. فكيف يردون عليه؟ وكيف يجادلونه؟ وكيف يدافعون عن موقفهم؟ الإجابة بسيطة: بالصمت المريب، بالتجاهل التام، بالتظاهر بأن شيئاً لم يحدث.
هذا ليس موقفاً سياسياً يمكن احترامه أو تفهمه، بل هو نفاق مفضوح وارتزاق إعلامي في أوضح صوره وأقبح أشكاله. هم يعرفون أن “من يدفع الثمن يحدد اللحن”، ولذلك اختاروا الصمت الآمن بدلاً من المواجهة الشجاعة.
التحول المفاجئ: من “الحرب المقدسة” إلى “السلام العادل”
دعونا نستعرض بدقة ووضوح هذا التحول الدراماتيكي الفاضح في خطاب هؤلاء الإعلاميين على مدى الأشهر الماضية.
في المرحلة الأولى من الحرب، كان هؤلاء في طليعة من نفخوا في نار الصراع وأججوا لهيبه. كانوا يكتبون ويصرحون ويظهرون في كل منبر إعلامي متاح ليرددوا نفس الخطاب التحريضي الذي لا يعرف إلا لغة واحدة: الحرب حتى النصر الكامل، بلا تفاوض ولا حوار ولا وساطة. كانوا يرفعون شعارات مثل “الحرب ضرورة وطنية مقدسة لا بديل عنها”، و”لا حوار مع المتمردين والخونة والعملاء”، و”من يطالب بوقف الحرب هو خائن للوطن وعميل للخارج”، و”يجب سحق الدعم السريع عسكرياً دون أي تفاوض أو تنازل”.
لم يكتفوا بذلك، بل كانوا يشنون حملات تشهير ممنهجة وشرسة ضد كل المفكرين والسياسيين والناشطين والإعلاميين الذين دعوا منذ اليوم الأول إلى وقف فوري لإطلاق النار وحل سياسي شامل للأزمة. كانوا يصفون هؤلاء الشرفاء بأبشع النعوت والأوصاف: خونة، عملاء، متآمرون، مندسون، باعوا الوطن، يخدمون أجندات خارجية. كانت حملاتهم ضارية وقاسية ولا ترحم، وكانوا يستخدمون كل أسلحة التشهير والتخوين والتكفير السياسي ضد أصحاب الرأي المختلف.
كان خطابهم واضحاً ومباشراً: لا سلام قبل النصر العسكري الكامل، ولا حوار مع من يحمل السلاح، ولا مساومة على “الثوابت الوطنية”. كانوا يصورون الحرب وكأنها معركة وجودية مصيرية بين الخير المطلق والشر المطلق، وكأن أي دعوة للسلام هي خيانة عظمى للوطن والشعب والتاريخ.
اليوم، وفجأة، وبلا مقدمات أو تفسيرات أو اعتذارات، انقلب المشهد مئة وثمانين درجة كاملة. الآن يدعوننا لندوة حول “رؤية وطنية لتحقيق السلام العادل”. الآن يتحدثون عن “الحرب العبثية المدمرة التي يجب أن تتوقف”. الآن يقولون إن “السلام هو الحل الوحيد لإنقاذ السودان وشعبه من الدمار”. الآن يؤكدون أن “الحوار والتفاوض هما السبيل الأمثل والوحيد للخروج من الأزمة”.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وإلحاح: ما الذي تغير بالضبط؟ هل توقفت الحرب فعلياً؟ هل انتصر الجيش الانتصار الكامل الذي كانوا يبشرون به؟ هل تحققت كل الأهداف التي كانوا يرددونها ليل نهار؟ هل زالت الأسباب التي كانوا يعددونها لرفض أي حوار أو سلام؟
الجواب المحرج والمخجل: لا شيء تغير على الأرض في السودان. الحرب مستمرة، والدماء تسيل، والدمار يتفاقم، والمعاناة تتضاعف. ما تغير فقط، وبكل بساطة، هو طبيعة التعليمات والتوجيهات التي يتلقاها هؤلاء من جهات التمويل والإقامة. تغيرت الأوامر، فتغير الخطاب بسرعة البرق، دون أي محاولة حتى لتبرير هذا التحول الفاضح أو الاعتذار عن الخطاب التحريضي السابق.
النفاق في أبهى صوره: الوطنية الانتقائية
ما يثير السخرية والغضب في آن واحد هو أن هؤلاء يمارسون نوعاً فاضحاً مما يمكن تسميته بـ”الوطنية الانتقائية” أو “الوطنية حسب الطلب”. هم وطنيون جداً وغيورون جداً على السودان عندما يتعلق الأمر بمهاجمة أي صوت سوداني مستقل ينادي بالسلام والحوار. وطنيون جداً في تخوين المثقفين والسياسيين الشرفاء الذين يدعون لوقف نزيف الدم. وطنيون جداً في الدفاع عن “السيادة الوطنية” ضد “التدخلات الخارجية” ورفع شعارات مدوية عن الاستقلال والكرامة الوطنية.
لكنهم فجأة يصمتون صمت القبور ويصبحون كأنهم خرس بكم صم، عندما يتعلق الأمر بالرد على انتقادات حمد بن جاسم الصارخة والصادمة للجيش السوداني وقيادته العسكرية. هنا تختفي الوطنية، وتتلاشى الغيرة، ويحل محلها صمت مطبق ومريب. لماذا؟ لأن الرجل الذي انتقد الجيش بهذه القسوة هو نفسه الذي يوفر لهم الحماية والإقامة والمنابر الإعلامية.
هذا ليس موقفاً وطنياً يمكن الدفاع عنه أو تبريره بأي حال من الأحوال. هذه ازدواجية أخلاقية فاضحة، وانتهازية سياسية مكشوفة، وارتزاق إعلامي في أقبح صوره. الوطنية الحقيقية لا تتجزأ ولا تنتقي، والضمير الحي لا يُباع ولا يُشترى حسب المزاج أو المصلحة.
سؤال المليون دولار
إلى السادة المحاضرين المحترمين في ندوة لندن القادمة، هذه أسئلة بسيطة وواضحة ومباشرة تستحق إجابات صريحة وشجاعة قبل أن تتحدثوا للسودانيين عن “السلام العادل” و”الرؤية الوطنية”:
لماذا لم تردوا، ولو بكلمة واحدة، على تصريحات حمد بن جاسم الصادمة حول مسؤولية قيادة الجيش السوداني عن تدمير البلاد؟ هل الإنترنت الذي تستخدمونه في الدوحة يحجب مثل هذه الأسئلة المحرجة؟ هل ستعتذرون للشعب السوداني عن دوركم الموثق في تأجيج الحرب وتخوين كل من نادى بالسلام منذ اليوم الأول؟ ما الذي تغير بالضبط في السودان ليبرر هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ من “الحرب المقدسة” إلى “السلام العادل”؟ هل لكم الشجاعة والنزاهة لمناقشة مسؤولية القيادة العسكرية عن الدمار، كما فعل حمد بن جاسم، أم أن هذا الموضوع خط أحمر لا يجوز المساس به؟
نحن في انتظار الإجابات، لكننا لن نحبس أنفاسنا طويلاً. فالصمت المريب الذي التزمتموه حتى هذه اللحظة يجيب بوضوح تام عن كل شيء، ويكشف حقيقة مواقفكم وطبيعة ولاءاتكم الحقيقية.
الخلاصة: السودان لن ينهض على أكتاف الانتهازيين
كما كتب أحد المحللين السودانيين بعمق وصدق، فقد آن للسودانيين أن يدركوا أن السودان لم يسقط لأن أعداءه تآمروا عليه من الخارج، بل لأن من تولّوا أمره من الداخل كانوا ألدّ أعدائه. علينا أن نفرّق بوضوح بين من يرفع شعار الوطن بصدق وإخلاص وبين من ينهب الوطن ويدمره باسم الوطنية الزائفة.
الشعب السوداني ليس ساذجاً ولا أعمى. نحن نعرف جيداً من هم الانتهازيون الذين باعوا أقلامهم وأصواتهم وضمائرهم بثمن بخس. نعرف من حوّل القلم من أداة للتنوير والوعي إلى سلاح للتأجيج تارة، وللتطبيع مع الواقع المرير تارة أخرى، حسب اتجاه الريح وطبيعة التعليمات وحجم التحويلات البنكية.
السلام مطلب نبيل وضروري وعاجل، وكل السودانيين الشرفاء يتوقون إليه ويدعون له ليل نهار. لكن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على لسان من أججوا الحرب ثم تحولوا فجأة إلى دعاة السلام بين ليلة وضحاها، دون اعتذار صريح، ودون اعتراف بالخطأ الفادح، ودون أدنى محاسبة للنفس أو مراجعة للموقف. السلام الحقيقي يحتاج إلى أصوات نظيفة وأيدٍ طاهرة وضمائر حية، لا إلى أبواق مأجورة تنفخ حسب التعليمات وتتلون حسب المصلحة.
ندوة لندن القادمة، في حقيقتها وجوهرها، ليست مؤتمراً حقيقياً للسلام أو منتدى جاداً للحوار الوطني، بل هي مجرد ورشة عمل في فن “إدارة الأزمات الشخصية”، أو بالأحرى دورة تدريبية في “كيف تتنصل من تاريخك المخزي وتغسل صورتك الملطخة دون أن تفقد راتبك الشهري أو تخسر إقامتك المريحة”.
رسالة ختامية إلى أصحاب الضمائر الحية
عندما تنتهي هذه الندوة المسرحية وتسدل ستائرها، سيعود كل واحد من هؤلاء إلى إقامته المريحة وحياته الرغدة وراتبه المضمون، بينما يواصل السودانيون البسطاء الشرفاء دفن شهدائهم الأبرياء ورفع أنقاض منازلهم المدمرة وترميم ما دمرته حرب طويلة ساهم هؤلاء المرتزقة بأقلامهم وأصواتهم في تأجيجها وإطالة أمدها.
هذا هو الفرق الجوهري الذي لا يمكن طمسه بين المثقف المرتزق الذي يبيع قلمه وضميره لأعلى مزايد ويغير جلده حسب الظروف، وبين الشعب الصامد الأصيل الذي يدفع ثمن انتهازية هؤلاء وخيانتهم بدمائه الزكية وأرواح أبنائه الأبرار ومستقبل أجياله القادمة.
السودان سينهض حتماً وسيعود أقوى مما كان، لكن ليس على أكتاف الانتهازيين والمرتزقين والمتلونين. السودان سينهض بسواعد أبنائه الشرفاء الذين رفضوا منذ اليوم الأول أن يبيعوا ضمائرهم أو يساوموا على مبادئهم، والذين نادوا بالسلام منذ اللحظة الأولى رغم كل حملات التخوين والتشهير والتكفير السياسي التي تعرضوا لها.
وإلى هؤلاء الخمسة وأمثالهم ممن باعوا أقلامهم لخدمة الحرب ثم تحولوا فجأة إلى دعاة السلام، نقول بكل وضوح وصراحة: التاريخ لا يرحم أبداً، والشعب لا ينسى مطلقاً، وذاكرة الأمة محفوظة بكل تفاصيلها المؤلمة. ولن تمحو ندوة في لندن، مهما كانت براقة وفخمة، ما كتبتموه بأيديكم وقلتموه بألسنتكم من دعوات للدم والدمار والحرب دون هوادة.
إذا كان لديكم ذرة واحدة من الشجاعة والنزاهة والضمير الحي، فابدأوا ندوتكم الفاخرة بالاعتذار العلني الصريح للشعب السوداني عن دوركم الموثق في تأجيج الحرب وتخوين دعاة السلام، وأجيبوا بصراحة ووضوح على الأسئلة المحرجة حول تصريحات حمد بن جاسم الصادمة عن مسؤولية القيادة العسكرية. أما إذا اخترتم الصمت والمراوغة والالتفاف كعادتكم، فاعلموا يقيناً أن الشعب قد قرأ جيداً ما بين السطور، وأدرك منذ زمن طويل حقيقتكم المرة وطبيعة ولاءاتكم الحقيقية.
السلام الحقيقي الذي نطمح إليه جميعاً يبدأ بالصدق والشفافية والاعتراف بالخطأ، لا بالنفاق والازدواجية والمراوغة. والوطنية الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى ولا تتلون حسب الظروف والمصالح.



