الأعمدة

الطغاة يتشابهون حتى عند سكرات الموت

هل يمكن أن يعيد التاريخ نفسه في السودان، ولكن بوجوه مختلفة؟

ادم الحاج اديب
السؤال اليوم ليس عن التشابه بين عمر البشير وعبد الفتاح البرهان في الشخصية أو المسار السياسي، وإنما عن التشابه في اللحظة الأخيرة من عمر السلطة؛ عندما تضيق مساحة المناورة، ويتسع الخلاف مع المجتمع الدولي، وتتراكم الأزمات الداخلية، ويصبح الحاكم محاصراً بين حرب لا تنتهي وسلام لا يستطيع الوصول إليه.
البشير والبرهان… صورتان لسلطة عسكرية اختلفت الظروف، لكن بعض ملامح المشهد تبدو متقاربة بصورة لافتة.
من مواجهة المجتمع الدولي إلى الاصطدام به
عاش البشير سنوات طويلة في مواجهة المجتمع الدولي بسبب سياسات نظامه والحرب في دارفور، حتى تحولت المسألة من خلاف سياسي إلى ملف جنائي دولي.
ففي مارس 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشير بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم صدرت في يوليو 2010 مذكرة ثانية تضمنت تهم الإبادة الجماعية. وظلت المذكرات قائمة ولم تُنفذ حتى اليوم.
وكان البشير يواجه المجتمع الدولي بخطاب سياسي يقوم على رفض المحكمة واتهامها باستهداف السودان، مع محاولة إظهار أن الشرعية الشعبية والوطنية يمكن أن تكون سداً في مواجهة المطالب الدولية.
واليوم يجد البرهان نفسه في مواجهة دولية مختلفة في التفاصيل، لكنها تضيق حول سلطته أيضاً.
فالولايات المتحدة فرضت عليه عقوبات في يناير 2025، واتهمت قوات تحت قيادته بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب.
ثم جاءت قضية الأسلحة الكيميائية لتفتح جبهة أخرى. ففي مايو 2025 أعلنت واشنطن أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال الحرب، بينما رفضت السلطات السودانية الاتهام واعتبرته بلا أساس، وشكلت لجنة للتحقيق فيه.
وهكذا، من دارفور إلى الحرب الحالية، تتغير الملفات والأسماء، لكن الصدام بين السلطة السودانية والمجتمع الدولي يعود من جديد.
من فظائع دارفور إلى اتهامات حرب جديدة
لم تكن مأساة دارفور بالنسبة للبشير مجرد أزمة سياسية؛ فقد تحولت إلى أحد أكبر الملفات الجنائية الدولية المرتبطة بالسودان.
أما في الحرب الحالية، فإن الاتهامات بالانتهاكات والجرائم تطال أطراف النزاع المختلفة.
الأمم المتحدة وثقت انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وأكدت أن طرفي الحرب ارتكبا انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
والأخطر أن ملف دارفور عاد مرة أخرى إلى واجهة العدالة الدولية؛ ففي يناير 2025 قال مدعي المحكمة الجنائية الدولية إن مكتبه يستعد لتقديم طلبات جديدة لإصدار أوامر توقيف على خلفية الجرائم المرتكبة في دارفور.
وهنا المفارقة:
البشير خرج من السلطة وملف دارفور يطارده دولياً، والبرهان يقترب من نهاية مرحلة سلطته وملفات الحرب الجديدة تتراكم أمام المجتمع الدولي.
الاقتصاد… حين يصبح الخبز شاهداً على نهاية السلطة
لم تكن سلطة البشير في نهايتها تعاني فقط من الاحتجاجات السياسية، بل من أزمة اقتصادية خانقة ساهمت في إشعال الغضب الشعبي.
والبرهان لا يملك اليوم ترف تجاهل العامل الاقتصادي.
الحرب دمرت الاقتصاد، وأضعفت العملة، ووسعت دائرة الفقر والنزوح والجوع، بينما أصبحت الدولة نفسها موزعة بين مناطق نفوذ عسكرية مختلفة.
وفي سبتمبر 2026 أشارت رويترز إلى الانهيار الحاد في قيمة العملة السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، وسط أزمة اقتصادية مرتبطة بالحرب والانقسام.
وهنا تتكرر إحدى قوانين التاريخ السياسي:
عندما تعجز السلطة عن تقديم السلام والخبز والأمان، فإن خطاب التعبئة الوطنية وحده لا يستطيع إلى الأبد أن يحل محل الشرعية.
الانقسام من الداخل
البشير لم يسقط فقط لأن الشارع خرج ضده؛ فقد وصل نظامه في سنواته الأخيرة إلى مرحلة من التآكل الداخلي والصراعات بين مراكز القوى.
واليوم، فإن معسكر بورتسودان نفسه ليس كتلة سياسية متجانسة.
هناك المؤسسة العسكرية، وهناك القوى السياسية والإسلامية والمدنية التي تدور حولها، وهناك مصالح إقليمية ودولية متباينة، وهناك خلافات حول مستقبل الحرب والسلام وشكل الدولة.
بل إن البرهان نفسه تحدث سابقاً عن الانقسامات داخل التيار السياسي المرتبط بالنظام السابق، واعتبرها تهديداً للوحدة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
إذا كان البشير قد خرج من السلطة بفعل ضغط الشارع والثورة، فهل يمكن أن يخرج البرهان بالطريقة نفسها؟ أم أن النهاية هذه المرة قد تأتي من داخل المعسكر الذي يحكم من بورتسودان؟
هل تتكرر لحظة السقوط؟
البشير لم يتوقع أن تنتهي سلطته بعد ثلاثة عقود بالطريقة التي انتهت بها.
والسؤال الآن ليس: هل يستطيع البرهان أن يبقى إلى الأبد؟
فالتاريخ لا يمنح الحكام هذا الامتياز.
السؤال الحقيقي هو:
كيف ستخرج روح سلطة البرهان؟
هل يكون الخروج عبر ثورة شعبية جديدة؟
هل يكون عبر تسوية سياسية تفرضها الضغوط الدولية والإقليمية؟
هل يكون عبر تحول داخل المؤسسة العسكرية نفسها؟
أم أن خصوم السلطة داخل معسكر بورتسودان، مع تصاعد الخلافات وتعدد مراكز النفوذ، قد يصبحون هم أصحاب الكلمة الأخيرة؟
هنا تحديداً يصبح الحديث عن التعبئة الجماهيرية المصنوعة مهماً.
فالبشير حاول في مواجهة الضغوط الدولية أن يجعل من الحشد الشعبي والسيادة الوطنية جداراً سياسياً في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية.
لكن الحشود لم تمنع سقوط النظام.
واليوم، إذا حاولت سلطة البرهان استخدام التعبئة الجماهيرية المصنوعة باعتبارها دليلاً على شرعية شعبية مطلقة، فإن السؤال سيظل قائماً:
هل الحشد المصنوع يصنع شرعية، أم يصنع فقط صورة مؤقتة للشرعية؟
وهل يستطيع البرهان مصارعة مسعد بولس؟
ربما تكون هذه واحدة من أكثر مفارقات المشهد السوداني دلالة.
فالمواجهة لم تعد فقط بين البرهان وخصومه العسكريين في الداخل.
هناك أيضاً طاولة دولية يتحرك حولها المبعوث الأمريكي مسعد بولس، الذي يقود جهوداً للضغط من أجل هدنة إنسانية ثم مسار تفاوضي.
وفي سبتمبر 2026، أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة ربطت، وفق مصادر ووثيقة دبلوماسية سودانية، مسألة تأشيرة البرهان للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقفه من مقترح هدنة لمدة 90 يوماً. كما أشارت إلى أن الجيش السوداني كان قد أبدى تحفظات على المقترح.
وهنا يصبح السؤال السياسي أكثر وضوحاً:
هل يستطيع البرهان أن يواصل مصارعة الضغوط الدولية، أم أن الزمن الذي كان يستطيع فيه البشير أن يشتري مزيداً من الوقت قد انتهى؟
فقد يستطيع الحاكم أن يقاوم خصماً عسكرياً.
وقد يستطيع أن يقاوم مظاهرة.
وقد يستطيع أن يقاوم عقوبة.
لكن عندما تجتمع الحرب والاقتصاد والانقسام الداخلي والضغط الدولي وفقدان الأفق السياسي، يصبح السؤال عن نهاية السلطة مسألة وقت أكثر منه مسألة قوة.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى:
البشير ماتت سلطته على يد ثوار خرجوا إلى الشوارع.
فهل تموت سلطة البرهان على يد ثوار السودان أيضاً؟
أم أن نهايتها ستأتي من داخل المعسكر الذي ظن أنه يحميها؟
أم أن التسوية الدولية ستكتب الفصل الأخير؟
لا أحد يستطيع أن يجزم.
لكن المؤكد أن التاريخ السوداني يضع أمامنا درساً لا ينبغي تجاهله:
السلطة التي تعتقد أن التعبئة تستطيع أن تمنحها شرعية إلى الأبد، قد تكتشف في اللحظة الأخيرة أن الجماهير ليست جداراً يحمي السلطة، وأن أقرب طريق إلى نهايتها قد يبدأ من داخلها.
وهنا فقط يصبح عنوان المقال مفهوماً:
الطغاة يتشابهون حتى عند سكرات الموت؛ يختلفون في الطريق، لكنهم كثيراً ما يكتشفون متأخرين أن السلطة التي قاتلوا طويلاً من أجل بقائها لا تستطيع أن تقاوم إلى الأبد عندما تتآكل من الداخل والخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى