


يكشف المقال المنشور تحت عنوان “قاطعوا هذا الخبيث” للمدعو صبري محمد علي (العيكورة) عن أزمة حقيقية لدى كاتبه وجماعته، ليست أزمة إعلامية أو مهنية، بل أزمة نفسية عميقة في مواجهة الحقيقة، فعندما يعجز المُفلس عن مواجهة الواقع بالحجة والمنطق، يلجأ إلى أسلوب الشتائم والتشويه، وهو بالضبط ما نشهده في هذا المقال الذي يفيض بالألفاظ البذيئة والإسقاطات المرضية.
من يستحق اللوم حقاً؟
يبدأ الكاتب مقاله بسؤال استنكاري عن “العاقل” الذي يمكن أن يلوم المذيع أحمد طه، ثم يتناقض مع نفسه ليمطره بوابل من الشتائم والألقاب المهينة. هذا التناقض الصارخ يعكس الاضطراب الفكري والأخلاقي الذي يعاني منه الكاتب وجماعته. الحقيقة التي يهرب منها هي أن الأستاذ أحمد طه صحفي محترف ومحاور متمكن، يطرح الأسئلة الصعبة التي تُحرج أصحاب الأجندات المشبوهة. ولأنه يفعل ذلك بمهنية عالية، فهو يُشكّل كابوساً لمن اعتادوا على الإعلام الموجّه والمُسيّس الذي يُلقّنهم الأسئلة مسبقاً ويبث إجاباتهم دون نقاش أو محاسبة.
الشتائم… سلاح العاجز
يستخدم الكاتب ترسانة من الألفاظ النابية التي تعكس مستواه الحقيقي: “الخبيث”، “الدعي”، “المهرج”، “الصائع”، “قُطاع طُرُق”، “الفاقد التربوي”، بل ويصل به الأمر إلى اقتراح أن يعمل المذيع “بوّاباً” أو “يبيع كشري” هذا السيل من السباب والتحقير لا يعكس إلا إفلاس الكاتب من أي حجة موضوعية أو نقد مهني حقيقي. في المقابل، نتساءل: أين الأمثلة الملموسة؟ أين المقاطع التي تُثبت هذه الادعاءات؟ لماذا لم يأتِ الكاتب بدليل واحد على “السخرية” أو “الاستفزاز” المزعومين؟ الجواب بسيط: لأنه لا يملك شيئاً سوى الافتراءات الفارغة والاتهامات الجزافية التي تكشف عن عقلية مأزومة لا تحتمل الحوار الحر والنقاش الجاد.
لماذا يُزعج أحمد طه هؤلاء تحديداً؟
الإجابة واضحة كالشمس: لأن الأستاذ أحمد طه يمارس الصحافة الحقيقية. يسأل الأسئلة الصعبة، يطلب التوضيحات، يواجه التناقضات، ولا يقبل الأجوبة المراوغة أو الخطابات الإنشائية الفارغة، على شاكلة (بلادي حقول بلادي سهول )، هذا النوع من الصحافة يُرعب من اعتادوا على المنابر الدعائية والخطاب الأحادي الذي لا يقبل السؤال أو المساءلة. تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، المعروف بحزب المؤتمر الوطني سابقاً، له تاريخ أسود في تكميم الأفواه ومحاربة الإعلام الحر. فعندما كانوا في السلطة، صادروا الصحف، اعتقلوا الصحفيين، عذّبوا الأصوات الحرة، وحوّلوا الإعلام إلى أبواق دعائية تُسبّح بحمدهم ليل نهار. واليوم، بعد سقوطهم المدوي وفضيحتهم أمام التاريخ، يحاولون تشويه كل صوت حر يفضح ممارساتهم وأجنداتهم وماضيهم الأسود الذي لا يزال ينزف في جسد الوطن.
الكذب الصريح والتدليس الواضح
يزعم الكاتب أن أحمد طه “مطلوب في بلده على ذمة قضايا تمس الأمن القومي المصري” هذا ادعاء خطير وخطير جداً يحتاج إلى دليل قاطع، لكن الكاتب، كعادته وعادة جماعته، يرمي الاتهامات جزافاً دون أي إثبات أو مستند. هذا أسلوب معروف ومكشوف لدى جماعات الهوس الديني والإسلام السياسي الفاشل: اتهم ثم اتهم ثم اتهم، ولا يهم إن كانت الاتهامات كاذبة أو ملفقة، المهم أن تلوّث السمعة وتشوّه الصورة. كما يدّعي الكاتب أن أحمد طه “يسخر من اللهجات المحلية” و”يحقّر الضيوف” و”يمارس الاستفزاز المتعمد” مرة أخرى نسأل: أين الأدلة؟ أين التسجيلات؟ أين المقاطع التي تدعم هذه الادعاءات الخطيرة؟ كل من يتابع برامج أحمد طه بموضوعية وحياد يعرف أنه يحترم جميع ضيوفه باختلاف توجهاتهم، بل ويُتيح لهم مساحة واسعة وحرة للتعبير عن آرائهم، حتى لو كانت مخالفة تماماً لقناعاته الشخصية. إنه يمارس دوره كصحفي محترف يبحث عن الحقيقة، لا كمنشد في حلقة ذكر يردد ما يُملى عليه.
الحملة المنظمة وأهدافها المكشوفة
ما نشهده ليس مقالاً عفوياً من كاتب منزعج، بل جزء واضح من حملة منظمة ومدروسة تهدف إلى تشويه سمعة صحفي نزيه يفضح الفساد والممارسات اللا أخلاقية، وتخويف الإعلاميين الآخرين من ممارسة دورهم الرقابي والمهني، وحشد الرأي العام ضد الأصوات الحرة لصالح أجندات سياسية ضيقة، وإسكات الحقيقة التي تُزعج أصحاب المشاريع الفاشلة والسجلات السوداء. لكن هذه الحملة البائسة ستفشل، كما فشلت كل محاولاتهم السابقة، لأن الشعب السوداني الواعي والحر يعرف تماماً من يقف مع الحقيقة ومن يروّج للأكاذيب والأوهام. الشعب السوداني لم يعد ذلك القطيع الذي يُساق بالشعارات الجوفاء والخطابات العاطفية الفارغة.
من يُمثّل السودانيين حقاً؟
يدّعي الكاتب بجرأة مدهشة أن أسلوب أحمد طه “لا يُشبه السودانيين” وأن ما يفعله “لا يمت للحقيقة بصلة” لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من أعطاك، أيها العيكورة، حق التحدث باسم كل السودانيين؟ من انتخبك ممثلاً للشعب السوداني بأطيافه وتنوعه واختلافاته؟ الملايين من السودانيين الشرفاء الأحرار يُقدّرون ويحترمون الأستاذ أحمد طه لأنهم يرون فيه صوتاً نزيهاً يدافع عن الحقيقة ويطرح الأسئلة التي يخشى آخرون طرحها، ويكشف المستور الذي يريد البعض إبقاءه في الظلام. أما من “لا يُشبه السودانيين” حقاً، فهو أسلوب الشتائم البذيئة والتحريض والكذب الفاضح الذي يمارسه الكاتب وجماعته بلا خجل أو حياء. السودانيون معروفون تاريخياً بالأدب الرفيع والأخلاق العالية والتسامح والتعايش، لا بهذا الخطاب الملوّث المشحون بالكراهية والحقد والتشويه الممنهج.
رسالة واضحة لا لبس فيها
إلى العيكورة وجماعته نقول بوضوح تام: اعلموا أن زمن تكميم الأفواه وإسكات الأصوات الحرة قد ولّى إلى غير رجعة. الإعلام الحر باقٍ ومستمر، والحقيقة ستنتصر حتماً مهما حاولتم تشويهها أو دفنها تحت ركام الأكاذيب والافتراءات. أما محاولاتكم البائسة اليائسة لإسكات الأصوات النزيهة والصحفيين الشرفاء، فلن تزيدها إلا قوة وإصراراً وتألقاً ووهجاً. الأستاذ أحمد طه محل احترام وتقدير عميق من كل السودانيين الشرفاء الذين يقدّرون قيمة الكلمة الحرة والصحافة النزيهة، وسيبقى كذلك ما بقي الحق حقاً والباطل باطلاً، رغم أنف الحاقدين والمفلسين والمأزومين الذين لا يحتملون رؤية الحقيقة في المرآة .



