
بقلم: عباس العشاري

أحيانًا أتساءل: ماذا حدث لنا نحن السودانيين؟
لماذا أصبح الانشقاق وكأنه جزء من ثقافتنا السياسية والاجتماعية؟ انشقاق في الرأي، وانشقاق داخل الأحزاب، وانشقاق داخل الكيانات، وانشقاق حتى بين أصحاب المهنة الواحدة. أصبحنا نختلف قبل أن نتفق، ونتفرق قبل أن ننجز، وننشئ كيانًا جديدًا كلما اختلفنا مع كيان قائم.
إذا عدنا إلى الوراء قليلًا ونظرنا إلى الحكومات التي ظهرت في السنوات الأخيرة، سنجد أن بعض الأزمات تبدأ قبل أن تبدأ الحكومة نفسها في تقديم شيء حقيقي للمواطن. تشكيل الحكومة يصبح قضية، وتوزيع المناصب يصبح قضية، والخلافات تبدأ مبكرًا، وأحيانًا يُعفى الوزير أو المسؤول قبل أن تتاح له فرصة حقيقية ليقدم ما وعد به.
أما الأحزاب السياسية، فحدث ولا حرج. أحزاب كانت محدودة العدد أصبحت عشرات، ثم مئات، ليس بالضرورة بسبب اختلاف المشاريع والرؤى الفكرية، وإنما في كثير من الأحيان بسبب الانشقاق والخلاف الشخصي والتنظيمي.
والسؤال هنا:
هل نحن أمام ظاهرة سياسية عابرة، أم أن الانشقاق أصبح ثقافة متجذرة في المجتمع السوداني؟
الأمر لا يتوقف عند السياسة.
حتى في الكيانات الاجتماعية والمهنية، نرى الخلاف يتحول بسرعة إلى انقسام، والانقسام إلى كيان جديد. وفي الوسط الإعلامي، الذي يفترض أن يكون أكثر قدرة على إدارة الاختلاف، نجد أحيانًا انشقاقات داخل الكيانات الإعلامية نفسها، وكأن الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يعيش داخل إطار واحد.
والأكثر إيلامًا أن هذه الظاهرة لا تتوقف حتى في الظروف التي يفترض أن توحدنا.
الحرب التي دمرت السودان، وشردت الملايين، وفقد فيها الناس بيوتهم وأمنهم وأرزاقهم، لم تمنع الانقسام.
بل حتى في ظل الكارثة الوطنية، نجد خلافات وانشقاقات وصراعات حول المواقف والقرارات والتمثيل.
وعندما نتابع مواقف السودانيين تجاه القرارات الدولية، وحتى قرارات مجلس الأمن، نجد الانقسام حاضرًا أيضًا: هذا يؤيد، وذاك يرفض، وثالث يتهم، ورابع يشكك. الاختلاف في حد ذاته ليس مشكلة؛ فالمجتمعات الحية تختلف في الرأي. لكن المشكلة عندما يتحول الاختلاف من تعدد في الرؤى إلى عجز عن العمل المشترك.
حتى بعد مواسم الحج، التي يفترض أن تترك في النفس معنى الوحدة والتسامح والمراجعة، سرعان ما تظهر خلافات ونزاعات حول هذا الأمر أو ذاك.
فهل المشكلة في اختلافنا؟
لا أعتقد.
الاختلاف ليس عيبًا. العيب أن نعجز عن إدارة الاختلاف.
من الطبيعي أن يختلف اثنان في الرأي، ومن الطبيعي أن تختلف الأحزاب والقيادات والتيارات. لكن المجتمعات الناجحة لا تتوقف عند الاختلاف؛ بل تبحث عن المساحة المشتركة التي تمكنها من العمل معًا.
أما نحن، فكأننا كثيرًا ما نتعامل مع الاختلاف باعتباره معركة يجب أن يكون فيها غالب ومغلوب، ثم إذا خسرنا المعركة أنشأنا كيانًا جديدًا.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل ورثنا هذه الثقافة؟
هل هي نتيجة لطبيعة المجتمع السوداني؟
أم أنها نتاج تراكم سياسي طويل من الصراعات والأنظمة والأزمات؟
أم أن غياب المؤسسات القوية والقواعد الديمقراطية الراسخة جعل الأشخاص أهم من المؤسسات، وأصبح الخلاف مع القيادة يعني الانشقاق عن الكيان؟
ربما الحقيقة مزيج من كل ذلك.
لكن المؤلم أن السودانيين في الخارج كثيرًا ما يسمعون عبارات جميلة عن شعبهم: السوداني نظيف، كريم، مضياف، خلوق، ومتعاون.
ونحن نحب أن نسمع هذه الصورة عن أنفسنا.
لكن علينا أن نسأل: أي نظافة نتحدث عنها إذا كنا لا نستطيع تنظيف خلافاتنا من الحقد والتخوين؟



