
التحرش الجنسي وتشويه الفضاء العام
حتى داخل المؤسسات الحقوقية والنقابية (2)
كتبت المحامية/ نون كشكوش :
أن التحرش الجنسي لا يتوقف عند الشارع أو أماكن العمل أو الفضاءات الرقمية، بل قد يتسلل إلى مساحات يفترض أنها الأكثر وعياً بحقوق الإنسان، بما في ذلك اللجان الحقوقية والنقابية والمجموعات المدنية والسياسية .
وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: كيف يمكن لمن يدافع عن الكرامة الإنسانية، والمساواة، والعدالة، وحقوق النساء، أن يمارس أو يتستر على سلوك ينتهك هذه المبادئ؟
المؤسسات الحقوقية والنقابية ليست محصنة أخلاقياً لمجرد أنها تحمل خطاباً حقوقياً. بل إن مسؤوليتها أكبر، لأن من يعمل داخلها يفترض أن يكون أكثر إدراكاً لخطورة التحرش وآثاره، وأكثر قدرة على بناء بيئة آمنة تحمي الأعضاء من الانتهاك والاستغلال.
وقد يأخذ التحرش داخل هذه المساحات أشكالاً يصعب اكتشافها أو مواجهتها، خصوصاً عندما يكون المتحرش صاحب نفوذ أو موقع قيادي، أو عندما تكون الضحية في موقع أضعف تنظيمياً أو مهنياً. عندها قد تخشى الضحية من الإبلاغ خوفاً من فقدان عضويتها، أو فرصها، أو علاقاتها، أو من أن تتحول هي نفسها إلى موضع اتهام وتشويه.
والأخطر من التحرش نفسه هو التستر عليه، أو التقليل من شأنه، أو تحويل المسألة إلى خلاف شخصي،أو يحمل للضحيه باعتبارها من الفئات الأكثر هشاشة ، أو مطالبة الضحايا بالصمت «حفاظاً على وحدة المجموعة». لذا الصمت في مثل هذه الحالات لا يحمي المؤسسة؛ بل يحمي السلوك ويمنحه فرصة للتكرار، ليصبح عادة بسبب السكوت .
كما أن استغلال الخطاب الحقوقي و عدم وجود لوائح و سياسيات واضحة لتبرير التحرش أو حماية مرتكبه يمثل شكلاً من أشكال تشويه الفضاء الحقوقي ذاته. فالمبادئ لا تُختبر عندما يكون مرتكب الانتهاك خصماً أو شخصاً خارج الدائرة؛ وإنما تُختبر عندما يكون الفاعل من داخل المجموعة، أو من أصحاب النفوذ فيها.
ويؤكد هذا الفهم ما ورد في نشرة الأمين العام للأمم المتحدة ST/SGB/2019/8 بشأن «التصدي للتمييز والتحرش، بما فيه التحرش الجنسي، وإساءة استعمال السلطة»، التي تعرّف التحرش والتحرش الجنسي، وتتناول علاقات القوة وإساءة استعمال السلطة، وتضع آليات للوقاية والإبلاغ والحماية من الانتقام. وهي مرجعية مهمة للتأكيد على أن هذه الممارسات لا ينبغي التسامح معها داخل بيئات العمل أو المؤسسات، بما فيها المؤسسات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والمساواة.
إن بناء فضاء حقوقي ونقابي آمن يتطلب أكثر من البيانات والشعارات. يتطلب سياسات واضحة لمنع التحرش، وآليات مستقلة وسرية لتلقي الشكاوى، وضمان عدم الانتقام من المبلّغات والمبلّغين بعزلهم و الحد من مسؤولياتهم و يجب وجود مساءلة عادلة لا تتأثر بالشخص المكلف داخل المنظومة أو نفوذه الشخصي او نفوذ داعميه
فالاختبار الحقيقي و الالتزام الأخلاقي لأي مؤسسة حقوقية أو نقابية ليس ما تقوله عن الكرامة والمساواة، وإنما كيف تتعامل مع انتهاكهما عندما يحدث داخلها، لتتسق مع حماية رسالتها في حماية الحقوق و الكرامة الإنسانية.



