الأعمدة

*الإفطار مع المارة لا يمحو الدم ولا يعيد الثقة*

بقلم: سلوى سيد أحمد محمد صالح
يصر الفريق أول عبد الفتاح البرهان على تقمص دور الرئيس القريب من نبض الشارع، عبر سلسلة من الظهور المدروس، فتارة يشرب القهوة لدى بائعة شاي، وتارة يشارك طلاب جامعة النيلين وجبة الباكمبا، أو يتناول العرديب من بائع متجول في الكلاكلة، وصولاً إلى مشهد إفطاره الرمضاني الأخير مع المارة مساء أمس. وهي مشاهد يسارع الكيزان والبلابسة إلى ترويجها في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها تجلياً غير مسبوق للتواضع والبساطة.
إلا أن هذه المشاهد تفتقر إلى البراءة، فهي محاولة يائسة لترميم صورة شعبية مهشمة. فالبرهان تماماً قبل غيره حجم الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب السوداني، وفي مقدمتها فاجعة فض اعتصام القيادة العامة التي راح ضحيتها المئات من الشباب واغتصاب الفتيات في شهر رمضان. كما يدرك تماماً مآلات انقلابه مع حميدتي في 25 أكتوبر 2021، الذي وأد به أحلام جيل كامل في دولة مدنية ديمقراطية.
إن البرهان يعلم قبل غيره أنه هو من فتح أبواب العنف بحصاد أرواح المئات من الشباب في شوارع الخرطوم بعد انقلابه المشئوم، وأنه هو من أعاد لصوص الحركة الإسلامية إلى مفاصل الدولة، وأنه هو من كرس سياسة الإفلات من العقاب عندما فك الحسابات المجمدة وإعادة الأراضي المستولى عليها بغير وجه حق لرموز النظام البائد.
يدرك البرهان أن هناك حاجزاً من الدم يفصله عن الشباب، وأن ثقتهم به قد تبددت تماماً. وهو يوقن أن الشارع لا ينسى، وأن زخم المظاهرات والمواكب الرافضة له ستعود بمجرد توقف الحرب وعودة النازحين واللاجئين من مصر، لذا يلجأ إلى هذه اللقطات التي تستهدف فئة الشباب تحديداً مراهناً على سحر الصورة لا على حقيقة الفعل.
كما أن هذه المواقف ليست عفوية كما يراد لها أن تبدو، بل هي نتاج هندسة أمنية دقيقة أشرف عليها جهاز المخابرات بدءاً من اختيار الزمان والمكان وصولاً إلى تأمين المشهد بالكامل وضبط تفاصيله لإنتاج مادة دعائية تجميلية بعيدة كل البعد عن اللقاءات الطبيعية التلقائية.
خلف هذه المشاهد، يحاول البرهان تسويق صورة الخرطوم الآمنة لتسريع حركة العودة إلى الخرطوم، لكن الواقع يكذب هذه الدعاية، فبينما يطالب المواطن بالعودة، تقيم أسرته في تركيا وتتوزع أسر أعضاء مجلس السيادة والوزراء بين أنقرة ودبي وأبو ظبي والقاهرة ما يضعنا أمام خطاب مزدوج يفتقر للمصداقية.
إن القرب الحقيقي من الشعب لا يصنع بفنجان قهوة أو إفطار عابر على قارعة الطريق، بل تصنعه القرارات الشجاعة، والمحاسبة العادلة، وإنهاء تمكين الفاسدين، وحماية حق الإنسان في الحياة والتعبير. إعادة الثقة تتطلب أفعالاً ملموسة لا صوراً دعائية، فالشارع السوداني يمتلك وعياً لا يخدع، وشبابه يمتلكون ذاكرة لا تصدأ.
سلوى سيد أحمد محمد صالح
حلفا الجديدة

زر الذهاب إلى الأعلى