الأعمدة

قارئة الفنجان… حين يتاجر الوهم بأحلام الناس، ويتنكّر الجهل في ثوب الغيب

بقلم: الشريف محمد عطا القطيعي

 

ليست قارئة الفنجان امرأةً تجلس خلف فنجان قهوة فحسب، وليست حكايةً عابرةً تُروى بين ضحكةٍ ودمعة؛ إنها، في معناها الأوسع، صورةٌ لكل من يتاجر بقلق الناس، ويبيع لهم الأوهام في أثوابٍ من الغموض والإبهار، فيجعل من الخوف سلعة، ومن الأمل طُعمًا، ومن جهل البعض طريقًا إلى عقولهم وقلوبهم.

تأتيك يومًا ببشارةٍ تُضحك القلب، وتأتيك في يومٍ آخر بنبوءةٍ تُربك الروح وتُثقل الصدر. تزرع في نفسك شكًّا، ثم تعود لتبيعك الطمأنينة؛ تُشعل نار الفتنة بكلمة، ثم تتظاهر بأنها تحمل مفتاح النجاة! وكأنها تملك مفاتيح الغد، وتقرأ ما تخبئه الأقدار، وتعرف ما استأثر الله بعلمه.

وما أغرب الإنسان حين يترك يقين عقله لظنون الآخرين! قد يسمع كلمةً من عابرٍ يدّعي معرفة المستقبل، فيبني عليها قرارًا، أو يهدم بها علاقةً، أو يُسيء الظن بأقرب الناس إليه؛ فإذا صدقت مصادفةٌ واحدةٌ في توقعٍ ما، نسي عشرات التوقعات التي أخفقت، وتحوّلت المصادفة في عينيه إلى معجزة، والوهم إلى حقيقة، والدجل إلى علم!

وهنا تكمن خطورة الشعوذة: أنها لا تسرق المال وحده، بل قد تسرق راحة البال، وتُفسد العلاقات، وتزرع الخوف في النفوس، وتُعلّق الإنسان بما لا يملك عليه دليلًا.

وليس المقصود بقارئة الفنجان امرأةً بعينها، ولا فئةً دون غيرها؛ فالمسألة أوسع من فنجان، وأخطر من طقسٍ تتناقله المجالس. إنها كل ممارسةٍ تدّعي كشف الغيب، وكل من يوهم الناس بأنه يعرف مصائرهم، أو يكشف أسرارهم الخفية، أو يحدد لهم من يحبهم ومن يعاديهم، مستغلًّا حاجتهم إلى الأمل، أو خوفهم من المجهول، أو رغبتهم في الاطمئنان.

وقد يختلف الناس في تصديق هذه الممارسات أو تكذيبها؛ فمنهم من يراها تسليةً عابرة، ومنهم من يعلّق عليها قلبه وقراراته، ومنهم من يرفضها رفضًا قاطعًا. والناس أحرار في أفكارهم، لكن الحرية لا تجعل الادعاء حقيقة، ولا تمنح الوهم سلطةً على عقول الآخرين، ولا تُبيح استغلال البسطاء أو تخويفهم أو الإضرار بهم.

أما ميزان المؤمن، فليس فنجانًا يُقرأ، ولا نجمًا يُراقب، ولا منجّمًا يُصدَّق؛ وإنما هو كتاب الله، وهدي رسوله، والعقل الذي يتدبر، والدليل الذي يُمحّص، واليقين الذي لا يُبنى على الأوهام.

يقول الله تعالى:

﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[النمل: 65]

ويقول سبحانه:

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾

[الأنعام: 59]

فإذا كان الغيب من اختصاص الله سبحانه وتعالى، فكيف يطمئن إنسانٌ إلى من يزعم أنه يقرأ المستقبل في بقايا القهوة، أو يستخرج أسرار القدر من خطوط الكف، أو يعرف ما تخفيه الأيام من حركة النجوم؟!

إن القرآن الكريم ليس كتابًا للتخويف، ولا وسيلةً لإغلاق أبواب الأمل، بل هو نورٌ يهدي الإنسان إلى الحق، ويحرره من الخرافة، ويربط قلبه بالله، ويعلّمه أن يسعى ويأخذ بالأسباب، ثم يتوكل على خالقه.

ومن المؤسف أن يتحول بعض مدّعي المعرفة بالغيب إلى أصحاب نفوذٍ في حياة الناس؛ فيُصدَّقون بلا برهان، وتُتَّبع أقوالهم بلا تفكير، ويُعاملون أحيانًا كأنهم لا يخطئون، مع أن العصمة ليست لبشرٍ بعد الأنبياء، وأن الكلمة مهما كان قائلها لا تعلو على ميزان الحق.

وليس كل ما يثير الدهشة دليلًا على الحقيقة، ولا كل ما يوافق حدثًا لاحقًا دليلًا على معرفة الغيب؛ فقد يصيب المرء بالتخمين، وقد يقرأ ملامح الناس، وقد يستغل معلوماتٍ سابقةً أو مخاوفَ شائعةً، ثم يترك للعقل مهمة نسيان إخفاقاته وتضخيم مصادفاته.

إن أخطر أنواع الوهم هو الذي يجد في النفس بابًا مفتوحًا؛ وأقوى حصون الإنسان أن يسأل قبل أن يصدّق، وأن يتثبت قبل أن يتهم، وأن يُعمل عقله قبل أن يُسلّم إرادته لغيره.

فلا تجعل فنجانًا يفسد بيتًا، ولا نبوءةً تهدم علاقةً، ولا كلمةً غامضةً تحرمك نومك، ولا مدّعيًا للغيب يقود قراراتك. إذا أقلقك أمرٌ، فابحث عن حقيقته، واستشر أهل العلم والخبرة، وواجه مشكلاتك بالأسباب الواقعية، ولا تسلّم مستقبلك لمن لا يملك من أمره إلا الظن.

إن الغد لا يُبنى بقراءة الفنجان، بل بصناعة اليوم؛ ولا تُحل الأزمات بالتنجيم، بل بالحكمة والعمل؛ ولا تُصان القلوب بالخرافة، بل بالصدق والثقة وحسن الظن الذي لا يلغي ضرورة التثبت.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أكبر من فنجان، والإنسان أكرم من أن يكون أسيرًا لوهم، والإيمان أعمق من أن تهزّه نبوءةٌ عابرة.

فيا من تبحث عن سرّ الغد، لا تُفتّش عنه في قاع فنجان؛ بل ازرع في يومك عملًا صالحًا، وفي عقلك معرفةً، وفي قلبك يقينًا، ودع الغيب لمن يعلم الغيب.

فما خاب من جعل الله ملاذه، وما استقام عقلٌ استسلم للخرافة، وما أشرق قلبٌ حين أطفأ نور الحقيقة واستبدل به بريق الوهم

————-القطيعى الشريف————–

قارئة الفنجان… حين يتاجر الوهم بأحلام الناس، ويتنكّر الجهل في ثوب الغيبقارئة الفنجان… حين يتاجر الوهم بأحلام الناس، ويتنكّر الجهل في ثوب الغيب

زر الذهاب إلى الأعلى