
✍️ محمد الفاتح حضرة
كثيرٌ من أهل السودان يتحدثون عن “الخروج على الحاكم” دون تحريرٍ دقيقٍ للمقصود شرعًا وقانونًا وتاريخًا، حتى تحولت هذه العبارة عند بعض الجماعات إلى أداةٍ سياسية تُستخدم ضد الخصوم، ثم تُعطَّل فجأة حين تتعارض مع المصالح الحزبية والتنظيمية‼️
والحقُّ أنَّ هذه المسألة من أخطر مسائل الدين والسياسة؛ لأنها تتعلق بالدماء والاستقرار والعدل والسلطة والفتنة، ولذلك تكلم فيها أهل العلم قديمًا بضوابط دقيقة، لا بالأهواء والتلون والانتهازية السياسية 🤨
📖 ما المقصود بالخروج على الحاكم شرعًا؟!
الأصل عند أهل العلم أنَّ الخروج هو: منازعةُ الحاكم سلطانه بالقوة، أو حمل السلاح ضده، أو الدعوة إلى إسقاطه بالقوة المؤدية إلى الفتنة والاقتتال.
وقد وردت في ذلك أحاديث صحيحة، منها قول النبي ﷺ:
«من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» رواه مسلم
وقوله ﷺ:
«إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» متفق عليه
وقال الإمام النووي:
“المراد بالخروج عليهم: منازعتهم وقتالهم والخروج بالسلاح”
وقال ابن حجر العسقلاني: “طاعة السلطان المتغلب خيرٌ من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء”
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “قلَّ من خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير”
⚖️ لكن مالذي يُعتبر خروجًا على الحاكم في عصر الدولة الحديثة؟!
في عصرنا الحديث أصبحت الدول تُدار بالدساتير والقوانين والمؤسسات، وأصبحت الشرعية السياسية تستند إلى: ـ الدستور
ـ الوثيقة الدستورية
ـ الانتخابات
ـ المؤسسات الانتقالية المتوافق عليها
ـ القانون الداخلي والدولي
ولهذا فإنَّ أيَّ انقلابٍ عسكري على حكومةٍ مدنية دستورية، أو استخدام السلاح لإسقاط السلطة خارج إطار القانون والدستور، يُعتبر — سياسيًا وقانونيًا — من أوضح صور الخروج على النظام الشرعي القائم‼️
بل إنَّ كثيرًا من العلماء المعاصرين اعتبروا الانقلابات العسكرية من أعظم صور الفتن الحديثة؛ لأنها تقوم على القوة المسلحة لا على الشورى ولا الرضا الشعبي.
🤨 المفارقة السودانية الصادمة
ما جرى في السودان كشف حجم التناقض والانتهازية السياسية لدى جماعة ما يُسمى بـ “الحركة الإسلامية” و”التيار الإسلامي العريض” الذين احتكروا الحديث باسم الدين لعقود‼️
فهؤلاء ظلوا سنواتٍ طويلة يحدثون الناس عن: ـ السمع والطاعة للحاكم
ـ تحريم الخروج على ولي الأمر
ـ حرمة الفتن
ـ عدم جواز انتقاد الحاكم علنًا
ـ الصبر على الظلم والقمع بحجة “المصلحة العامة” و”درء الفتنة”
لكن ما إن خرج الحكم من أيدي جماعتهم حتى تغيَّر الخطاب فجأة 😡
فصار: ـ الهجوم على الحكومة المدنية مباحًا
ـ والتحريض السياسي والديني مشروعًا
ـ والتخوين والتشويه والكراهية تملأ المنابر
ـ وصار الدكتور عبدالله حمدوك يُتهم في دينه ووطنه وأخلاقه‼️
ثم جاءت المفارقة الأخطر!!
حين انقلب قادة الجيش على الحكومة المدنية الدستورية في 25 أكتوبر، لم يعتبر كثيرٌ منهم ذلك “خروجًا على الحاكم”‼️
مع أنَّ الانقلاب العسكري هو أوضح صور منازعة السلطة بالقوة والسلاح.
بل إنَّ بعضهم أثنى على الانقلاب، وطالب الناس بطاعة قادته باعتبارهم “أولي أمر” تجب طاعتهم واحترامهم والجهاد تحت رايتهم 🤨
لكن حين اختلفوا سياسيا مع الجنرال عبد الفتاح البرهان بسبب الاتفاق الإطاري واتجاهه نحو إعادة السلطة للمدنيين، انقلب الخطاب مرةً أخرى!!
فصار الرجل نفسه الذي كانوا يصفونه بـ: ـ “ولي الأمر”
ـ “الحاكم الشرعي”
ـ “القائد المجاهد”
يوصف فجأة بأنه: ـ “لا دين له”
ـ “كذاب”
ـ “خائن”
ـ “متآمر” 😈
وهنا تظهر الازدواجية الصارخة‼️
حين يكون الحاكم حليفًا لهم يصبح انتقاده فتنة
وحين يختلف معهم يصبح الهجوم عليه “جهادًا” و”موقفًا شرعيًا”‼️
🎭 مفارقة الصلح والحرب
ولعل من أعجب المفارقات كذلك، أنَّ جماعة الحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض يؤيدون التفاوض والصلح في النزاعات الإقليمية والدولية المعقدة: ـ يؤيدون الوساطات بين إسرائيل وحركة حماس
ـ ويؤيدون التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران
ـ ويتحدثون عن “الحكمة السياسية” و”فقه المصالح” و”وقف نزيف الدماء”
🧐🫵لكن حين يتعلق الأمر بالحرب في السودان، يصبح كلُّ من يدعو إلى وقف الحرب أو وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين متهمًا بأنه: ـ ضد الجيش
ـ ضد الدين
ـ عميل ومتعاون
ـ محارب للإسلام 😡
يا سبحان الله!! 🤨
كيف يصبح الصلح مطلوبا بين أعداءٍ عالميين، ثم يصبح خيانةً حين يتعلق الأمر بوقف دماء السودانيين؟!
أليس الله تعالى يقول:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
سورة الحجرات: 9
الآية لم تقل: “حرِّضوا بينهما” أو “أشعلوا الحرب حتى يفنى الناس”
بل أمرت بالإصلاح ووقف الاقتتال والسعي إلى حقن الدماء.
قال الإمام الطبري: “فرض الله على المؤمنين إذا اقتتلوا أن يسعوا في الصلح بينهم”
وقال القرطبي: “في الآية دليل على وجوب الإصلاح بين المسلمين وترك تأجيج الفتن”
وقال ابن كثير: “هذا أمرٌ من الله بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين”
⚠️ الإسلام ليس مشروعًا حزبيًا
المشكلة الحقيقية ليست في الإسلام، وإنما فيمن يستخدم الدين غطاءً للمواقف السياسية المتقلبة‼️
فالإسلام لا يعلِّم الناس ازدواج المعايير
ولا يبيح الكذب باسم المصلحة الحزبية
ولا يجعل الدم السوداني أرخص من الحسابات السياسية 😔
والعالم الرباني الصادق لا يبدِّل أحكامه بتبدل التحالفات والمصالح، ولا يجعل النصوص الشرعية خادمةً للتنظيم والجماعة.
قال الله تعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
سورة الصف: 3
وقال سبحانه وتعالي :
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
سورة المائدة: 8
📌 الخلاصة 📜
حين يصبح الصلح في فلسطين حكمةً
والتفاوض مع إيران سياسةً رشيدةً
لكن الصلح بين السودانيين “خيانة”‼️
فاعلم أنَّ المشكلة ليست في النصوص، وإنما في توظيفها الانتقائي لخدمة المشاريع الحزبية والتنظيمية 😔
وحين يتحول الجنرال عبد الفتاح البرهان في الخطاب نفسه من: “ولي أمر تجب طاعته” إلى “رجل لا دين له”‼️
فالمشكلة هنا ليست قضية فقهٍ أو عقيدة، وإنما قضية سلطةٍ ومصالح ونفوذ.
سيظل السودان يدفع الثمن ما دام بعض الناس يخلطون بين: ـ الإسلام والتنظيم السياسي
ـ الدين والحزب
ـ الحق والمصلحة
ـ الفتوى والانتهازية السياسية 😔



