الأعمدة

الدعم السريع وممارسة الغباء والوحشية: من انحياز للثورة إلى إبادة ممنهجة للشعب

بقلم/ إيهاب الأمين
عندما اندلعت شرارة ثورة ديسمبر 2018، وقف الشعب السوداني بكامله ضد مشروع الجنجويد الذي تحوّل لاحقاً إلى ما يُعرف بـقوات الدعم السريع وكان الرفض الشعبي لوجود مليشيا موازية للجيش، ولعمل أكثر من جيشٍ واحد في البلاد، صرخة واحدة خرجت من كل أطياف الشعب، لكن انحياز هذه المليشيا المفترض للثورة — أو بالأحرى، انحيازها لمصالحها الذاتية المُقنّعة بشعارات ثورية — بدأ يزيل بعض الحواجز النفسية بينها وبين قطاعات من الشعب الثائر لكن ما حدث عقب انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021، وما تلا اندلاع الحرب في أبريل 2023، كشف عن وجه آخر كامن في بنية هذه المليشيا، وجهٌ لا يعرف سوى السلب والنهب والاغتصاب والقتل.
عندما اشتعلت الحرب بين الجيش والدعم السريع كانت هناك فرصة تاريخية — نظرياً — أمام الأخير، فالجيش يقوده من صنعوا الدعم السريع ومنحوه النفوذ والقوة والشعب يعرف ذلك، كان بإمكان الدعم السريع لو امتلك ذكاءً سياسياً حقيقياً، أن يجد تأييداً واسعاً من قوى الثورة ومن عموم الشعب خاصة أن قطاعات عريضة كانت ترى في الجيش امتداداً للنظام البائد، لكن ما فعله الدعامة — كما يُسمّيه الشعب — كان العكس تماماً، فبدلاً من أن يُقدّم الدعم السريع نفسه كبديل مدني أو حتى كقوة تحرر، اجتاح بيوت الناس في المدن والقرى، ومارس الانتهاكات بحق المواطن البريء، السلب والنهب والقتل وطرد المواطنين من منازلهم لم تكن حوادث فردية بل كانت سياسة ممنهجة، وحتى حين احتل الخرطوم ومن بعدها ولاية الجزيرة لم يُهتم بتشكيل حكومة مدنية أو إدارة محلية تُعطيه شرعيةً حتى ولو شكلية، وانشغل بالسلب والاغتصاب ونهب البيوت والسيارات.
هذا السلوك أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا توجد علاقة حقيقية بين الدعم السريع وكيان قحت أو أي مشروع سياسي مدني فلو كان للدعم السريع جناح سياسي حقيقي أو حتى ذكاء سياسي بسيط لبادر بتشكيل حكومة مدنية على جناح السرعة لتقديم نفسه كبديل للجيش وليس كعصابة مسلحة.
الواقع الميداني يُفند أي ادعاء بعلاقة بين الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير، فمناطق قحت التقليدية هي التي تلقت الضربات الأقسى، ففي أم درمان تلقى حي ود نوباوي هذا الحي العريق المرتبط بطائفة الأنصار، والذي يُعدّ معقلاً تاريخياً لحزب الأمة (أحد أركان قحت) تعرّض لأشدّ الانتهاكات، لجان المقاومة في ود نوباوي أفادت بأن مسلحين — يرتدون أزياء مختلفة — نهبوا أكثر من 70% من منازل الحي وأن الحي تحوّل إلى ساحة معركةٍ دمرت بنيته التحتية.
ومدينة الجزيرة أبا هذه المدينة التي تمثل معقلاً للأنصار وحزب الأمة، تعرّضت لكارثةٍ إنسانيةٍ مضاعفة، ففي ديسمبر 2024 أغلقت قوات الدعم السريع خزان جبل أولياء مما أدى إلى فيضان غمر المدينة بالكامل ودمّر المنازل والأراضي الزراعية وتفشّى فيها مرض الكوليرا، حزب الأمة القومي أصدر بيانات استغاثة متعددة محمّلاً المليشيا المسؤولية عن هذه الجريمة الإنسانية، وفي ولاية الجزيرة تعرضت مناطق الحلاويين هذه المناطق المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحزب الأمة وقوى الحرية والتغيير، تعرّضت لأبشع الانتهاكات من سلب ونهب وطرد من البيوت واغتصاب للحرائر، لجان المقاومة في الحصاحيصا وثّقت هجماتٍ مباشرة على قرى الحلاويين، ونشر مقاتلو الدعم السريع الفوضى في قلب المناطق الزراعية، ولا يقتصر الأمر على شهادات المواطنين بل وثّقت منظمات دولية رفيعة الجرائم بأدقّ التفاصيل،
وثّق تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (فبراير 2026) مقتل أكثر من 6,000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم الدعم السريع على الفاشر منهم 4,400 داخل المدينة و1,600 على طرق الخروج وأكد التقرير أن الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك القتل الجماعي والإعدامات الميدانية والعنف الجنسي الممنهج واستخدام التجويع كسلاح حرب.
كما قرّر وزير الخارجية الأمريكي أن أفراداً من الدعم السريع ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، بما في ذلك القتل المنهجي للرجال والفتيان على أساس عرقي واستهداف النساء بالاغتصاب ومنع المدنيين من الوصول إلى الإمدادات المنقذة للحياة، ولا ننسى تقرير منظمة العفو الدولية (يوليو 2026) والذي استند إلى مقابلات مع 247 ضحية وشاهداً في شمال دارفور ووثّق هجماتٍ ممنهجةً ارتكبتها قوات الدعم السريع، وهنالك تقرير صحيفة الغارديان (مارس 2026) كشف أن الدعم السريع انتهج استراتيجية تجويع طويلة الأمد مستهدفاً المجتمعات الزراعية في دارفور بهجمات محسوبة لتدمير سلسلة الإمداد الغذائي المحلي، ووصف خبراء في جامعة ييل هذه الهجمات بأنها جريمة حرب تهدف إلى تجويع المدنيين. ورصد خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان ما يزيد عن 390 حالة اغتصاب واغتصاب جماعي حتى نهاية 2025 ونُسبت الغالبية العظمى لقوات الدعم السريع.
إن ما فعله الدعم السريع من جرائم وانتهاكاتٍ في حق المواطنين السودانيين لم يخلق مجرد كراهية بل جداراً من المقاطعة الشعبية لا يمكن اختراقه، فالمواطنون الذين كانوا يرفضون حكم الجيش ويطالبون بالحكم المدني الديمقراطي وجدوا أنفسهم مضطرين للهروب إليه رغم معرفتهم التامة بأن الجيش هو من كوّن هذه المليشيا ومنحها السلاح والنفوذ.
الدرس الذي تُقدّمه تجربة السودان مرة أخرى هو أن المليشيا لا تملك مشروعاً سياسياً وإنما تملك مشروع نهب وسلب وإذلال، والدعم السريع بغياب أي ذكاء سياسي أو حتى غريزة سليمة للبقاء اختار أن يكون عدواً للشعب بدلاً من أن يكون بديلاً للجيش والنتيجة أنه حوّل شعباً كاملاً — بما في ذلك من كانوا أقرب إليه — إلى خصوم ألدّاء. إن الكراهية التي زرعها الدعم السريع في قلوب السودانيين لن تُمحى بسهولة فالتاريخ والمحاكم الجنائية الدولية التي بدأت تحقيقاتها سيسجلان أن هذه المليشيا لم تُخضع شعباً بل أذلّته ونهبته واغتصبته وقتلته، وفي ذلك فشل سياسي وإنساني وعسكري لا يُغتفر.

زر الذهاب إلى الأعلى