عبدالرحمن العمرابي
في أزمنة الاضطراب تختبر الأمم رجالها، وتُفرز المواقفُ المعادنَ الأصيلة من الصدأ العابر. وفي واحدة من أدق لحظات تاريخ السودان الحديث، يبرز اسم السفير عبدالرحمن شرفي لا بوصفه موظفًا يؤدي واجبًا إداريًا، بل كقيمة وطنية جسّدت معنى المهنية والضمير والاستقلال الأخلاقي.
عرفناه إنسانًا قبل أن نعرفه دبلوماسيًا؛ ابن مجتمعٍ سودانيٍ تشكّلت قيمه على الشهامة، والصدق، واحترام الآخر، والالتزام بالخدمة العامة دون ضجيج. وفي مسيرته المهنية، ظل شرفي مثالًا للدبلوماسي الرصين: هادئًا، متزنًا، واسع الأفق، لا يستبدل المصالح العليا بالشعارات، ولا يساوم على كرامة وطنه من أجل أجندة

موقفه لم يكن ضد أحد… بل مع السودان. حين اشتد تعنّت الإسلامويين، وحاولوا جرّ الدبلوماسية السودانية إلى معارك وهمية تُدار بمنطق الخصومة لا الدولة، اختار السفير شرفي طريقًا آخر: طريق الحق والمصلحة العامة. رفض أن يكون أداة إساءة، أو منبر تحريض، أو شاهد زور. تمسّك بالمهنية لأن المهنية في تلك اللحظة كانت فعلًا وطنيًا، وتمسّك بالهدوء لأن الهدوء كان حمايةً لما تبقّى من صورة السودان.
إن موقف السفير شرفي لم يكن “ضد الإسلامويين” بقدر ما كان ضد الخراب الذي ألحقوه بالسودان: خراب الدولة، وخراب المؤسسات، وخراب القيم. اختار أن يقف مع الدولة لا مع الجماعة، ومع الشعب لا مع التنظيم، ومع المستقبل لا مع ماضٍ أثبت فشله. ومن هنا جاءت شجاعته؛ شجاعة الوقوف في صف الحق حين يصبح الصمت مكلفًا، وحين يكون الثمن تشويه السمعة أو التهديد بالمحاسبة الزائفة.
أما موقفه من دولة الإمارات… فهو موقف حق وشهادة عدل. لقد كان السفير عبدالرحمن شرفي شاهدًا مباشرًا على موقف الإمارات قيادةً وشعبًا من الشعب السوداني في محنته. شهد العطاء بلا منّ، والدعم بلا استغلال، والاحتضان بلا ضجيج. هذا العطاء ليس طارئًا ولا عابرًا؛ له جذور في الأخوّة والإنسانية، وأسبابه يفهمها السودانيون الشرفاء، ويقدّرونها، وإن جهلها أو أنكرها من اعتادوا الخصومة بلا أخلاق.
إن قول الحق في زمن الاستقطاب ليس انحيازًا، بل أمانة. وشهادة السفير شرفي ليست دعاية، بل وفاء للحقيقة واحترام لعلاقة قامت على الدعم الإنساني والاحترام المتبادل.
شكرًا لأنك مثّلت السودان كما ينبغي.
نشكرك، سعادة السفير عبدالرحمن شرفي، لأنك مثّلت السودانيين كشعبٍ وشعوب، لا كتيارات متناحرة. مثّلتنا بالمهنية والوقار، وبالروح الوطنية التي تعطي عند العطاء، وتشكر في البؤس والضرّاء. كنت رمزًا للأخلاق السودانية التي لا تساوم على الحق، ولا تتاجر بالمواقف، ولا تنحدر إلى الإساءة.
سيكتب التاريخ أن في زمن الفوضى، كان هناك من اختار الدولة؛ وفي زمن الضجيج، كان هناك من اختار الحكمة؛ وفي زمن الباطل، كان هناك من وقف مع الحق.
وهذا، في ميزان الأمم، شرفٌ لا يزول.



