حين أصدرت محكمة الجيزة المصرية حكمها النهائي ببراءة دكتور أبوذر الكودة، كان الحدث أكبر من أكبر من مجرد سطر في سجل القضاء، ليشكل لحظةً فارقة لاستعادة الاتزان في وجدان كثيرين، فقد لقي الخبر ارتياحاً عاماً ساد الأوساط السودانية، وطمأنينةً خاصة غمرت قلوب أولياء أمور التلاميذ والطلاب المتكئين على أرائك مؤسسة الكودة التعليمية، بعد أيام مثقلة بضجيج الشائعات وفوضى المنصات، التي تناقلت أخباراً مضللة عن حبس الرجل، ليأتي الحكم ويضع فاصلاً أخلاقياً وقانونياً بين الحقيقة والادعاء، في وقت كان فيه د. أبوذر الكودة يمارس أنشطته الإدارية والأكاديمية داخل المؤسسة التعليمية، بل غادر دكتور أبوذر الكودة القاهرة إلى العاصمة السعودية الرياض ليشكل حضوراً أنيقاً في برنامج تكريم صناع النجاح، وكأن المشهد كله يصرّ على أن العدالة لا تغيب، وإنْ طال الانتظار.
ودكتور أبوذر الكودة ليس حالة طارئة في فضاء التعليم، بل قصة عصامية مكتملة الأركان، شاب بدأ من الحلم، وانتهى إلى مؤسسة تجاوزت حدود السودان لتلامس آفاقاً إقليمية ودولية، فهي مؤسسةٌ لم تُبنَ على الشعارات، بل على العمل اليومي الصبور، والرؤية التي تؤمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون استثماراً، وقد برز هذا المعنى بجلاء خلال سنوات الحرب، حين انحازت مؤسسة الكودة للإنسان، وتفاعلت بإيجابية مع أوضاع السودانيين اللاجئين في مصر والسعودية وغيرها، واضعةً مبدأ “التعليم للجميع” موضع التطبيق لا التنظير، ومراعيةً قسوة الظروف وتداعيات الحرب على الأسر والطلاب.
ولم يكن البعد الإنساني شعاراً عابراً، فقد أسهمت المؤسسة في فتح آلاف البيوت باستيعاب سودانيين في المنافي ضمن كوادرها الفنية والإدارية، وقدّرت أوضاع الطلاب المتأثرين بالحرب، فخففت الأعباء، وفتحت النوافذ، ومنحت الأمل حيث كان اليأس أقرب، كما تتواصل الآمال والتطلعات لفتح فروع جديدة في دول ذات كثافة سودانية، هذا فضلاً عن تبرع دكتور أبو ذر الكودة ببناء مدرسة لأبناء الفاشر الفارين من بطش مليشيا الدعم السريع والذين استقروا بالولاية الشمالية، في محاولة لإعادة بناء ما دمَّرته الحرب عبر التعليم والمعرفة.
والواقع أن نموذج القيادة الحديثة والمتطورة في مؤسسة أبوذر الكودة، هو ما جعل اسمها حاضراً وبشل دائم في لوحة شرف الأوائل في امتحانات في السودان بمراحلها المختلفة، حضورٌ لم تصنعه الصدفة، بل رؤية واضحة، واستراتيجية صادقة يأطرها تخطيط محكم يستهدف تحقيق جودةٍ في التعليم، وبناءٍ لقيمة الإنسان قبل النتائج، لقد رسَّخت مؤسسة الكودة اسمها بالأرقام، وفرضت احترامها بالعمل، واستمرت رغم التحديات، لتؤكد أن النجاح الحقيقي هو ذاك القادر على الصمود.
وثمة علاقةٌ طردية بين النجاح والاستقرار وروح الفريق وهي الثلاثية التي يلتمسها أي زائر إلى مؤسسة الكودة التعليمية في أيٍّ من فروعها المنتشرة في مصر، فالعمل بمسؤولية وإنسانية ومحبة تجمع كوادر المؤسسة من موظفين وعاملين وحتى التلاميذ والطلاب، كلٌّ يعتقد في هذه المؤسسة ويعتبرها بيته وداره، ولعل القيمة الحقيقة لمعنى الإنسانية، تتجلى في احتضان المؤسسة وتعاملها بشكل خاص مع الأيتام، وأبناء الشهداء، وأبناء العاملين بالقوات المسلحة، وهي بالطبع قيم ضاربة في أعماق هذا الشاب المتشرِّب بالإنسانية، والمتسلح بالطموح، شابٌ يمثل أيقونةً ونموذجٍاً للتربوي الوطني الذي انتصر للمعنى، وحين أنصفته العدالة، فإنها أنصفت قيمة رجلٍ نظيف، وكرامة عمل شريف.



