الأعمدة

مدنيااااااو»… هي هتاف الشعب للفجر «مدنيااااااو» لم تكن مجر شعار عابرٍ في ساحة، بل كانت وعدًا يتدحرج في الحناجر، ويكبر كلما لامس قلبًا أنهكته الحروب

مدنيااااااو»… هي هتاف الشعب للفجر
«مدنيااااااو» لم تكن مجر شعار عابرٍ في ساحة، بل كانت وعدًا يتدحرج في الحناجر، ويكبر كلما لامس قلبًا أنهكته الحروب. كانت غزلًا جماعيًا في وطنٍ يتخيل أبناءه وهم يودّعون عهود الظلام، ويفتحون نافذةً على صبحٍ تُحاسَب فيه الحكومات بصندوق الانتخابات، وتُدار فيه الدولة بالعقل والعدل، لا بالبيان الأول ولا بصرير الدبابات.
الحكم المدني، في جوهره، ليس ترفًا سياسيًا ولا شعارًا للاستهلاك. هو عقدٌ أخلاقي قبل أن يكون نظامًا إداريًا؛ اتفاقٌ بين المجتمع والدولة على أن السلطة خدمة، لا غنيمة، وأن القانون ميزان، لا عصًا. في الحكم المدني تُولد الشرعية من الناس وتعود إليهم، في دورةٍ شفافةٍ لا تنكسر إلا حين تُكسَر الإرادة الشعبية. هناك، لا يعلو صوت فوق صوت الحق، ولا يُمنَح أحدٌ حصانةً ضد المساءلة، لأن السيادة للشعب، لا للسلاح.
في ظل الحكم المدني، تتنفس المؤسسات. البرلمان مساحة نقاش لا غرفة تصفيق، والقضاء حصن عدالة لا ملحق سلطة، والإعلام عين المجتمع لا بوق الحاكم. تُخطَّط السياسات على مهل المعرفة، لا على عجل الطوارئ، ويُدار الاقتصاد بمنطق الإنتاج والعدالة، لا بمنطق الريع والامتيازات. الخدمات ليست منّة، بل حق؛ الصحة كرامة، والتعليم مستقبل، والمياه والكهرباء حياةٌ يومية لا نشرة انتصار.
أما الحكم العسكري، فمهما تزيّن بخطابات الإنقاذ، يحمل في داخله بذرة الفشل. السلاح حين يتقدم على السياسة يُقصي التنوع، ويختزل الوطن في معسكر. القرار يُصاغ في غرفٍ مغلقة، والاختلاف يُقرأ كتهديد، والمساءلة تُؤجَّل باسم الأمن. تتضخم الأجهزة، وتذبل الكفاءات، وتُدار الدولة بمنطق الأوامر، لا بمنطق المشاركة. في هذا المناخ، تُصادَر الأحلام، وتُستنزَف الموارد، وتتحول الحرب من استثناءٍ إلى عادة، ومن مأساةٍ إلى وظيفة.
التاريخ القريب والبعيد يكرر الدرس نفسه: لا تنمية مستدامة بلا حكم مدني، ولا سلام دائم بلا مشاركة سياسية واسعة. الجيوش تُحسِن حماية الحدود، لكنها لا تُحسِن إدارة التعدد. وظيفتها النبيلة أن تحرس الوطن، لا أن تحكمه. وحين تُعاد الأمور إلى نصابها، يكسب الجميع: الدولة، والجيش، والمجتمع.
«مدنيااااااو» كانت أيضًا صرخة أمل. لأن الشعوب، مهما طال ليلها، تعرف طريق الفجر. السودان، بكل جراحه، لا يزال قادرًا على النهوض. بعد عسر الحرب يُسرٌ، ليس بوعدٍ غيبيٍّ مُعلَّق، بل بإرادةٍ بشريةٍ واعيةٍ تُراكم الصبر وتبني المؤسسات وتسترد السياسة من فوهة البندقية. ليل الحرب، مهما طال، نهايته ليست في يد الدبابات، بل في يد السودانيين وهم يتوافقون على دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية، تُدار بالعقل، وتُصان بالقانون، وتُحاسَب بالانتخاب.
سيأتي الصبح الذي تُصبح فيه «مدنيااااااو» برنامج عمل، لا هتافًا فقط؛ دستورًا يحمي الحقوق، واقتصادًا يفتح الفرص، وسلامًا يردّ النازحين إلى بيوتهم، ويعيد للمدن ضحكتها. وسيعرف السودان، حينها، أن الطريق إلى الأمام يبدأ حين تُسلَّم السياسة لأهلها، ويعود السلاح إلى مكانه الطبيعي: حارسًا للوطن، لا حاكمًا له.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى