الأعمدة

أمواج ناعمة – تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٢) / د. ياسر محجوب الحسين

ما زالت الأمواج الناعمة تضرب شاطئ الصحافة السودانية، بإيقاع هادئ وعميق، تُعيد تشكيل المشهد وتكشف ما تراكم تحت السطح من أصوات وتجارب تستحق الإصغاء. وفي حلقتنا (١٢) من هذه السلسلة، نغوص أكثر في أعماق الإعلام السوداني، باحثين عن ملامح التميز والتنوع وسط زمن تتكاثر فيه التحديات وتشتد فيه الأسئلة.
نستعرض في هذه الحلقة ثلاث شخصيات صحفية تُجسّد مسارات مختلفة لذات المهنة ورسالتها؛ نبدأ بالعبيد أحمد مروح، الصحفي الذي يجمع بين الرصانة التحليلية وهدوء الدبلوماسية، ثم نمرّ بنسرين النمر، التي برزت كمحللة سياسية ذات بصيرة مبكرة ومبادرة إعلامية طموحة، ونصل إلى فتح الرحمن شبارقة، «ملك الحوارات الصحفية»، الذي يزاوج بمهارة بين حيوية الشباب ونضج التجربة.
هؤلاء الأعلام لا يمثلون مجرد أسماء في فضاء الإعلام، بل يشكلون جسراً حيّاً بين الإرث الصحفي والتحديات المعاصرة، ويرسمون لوحة نابضة للزمالة الصحفية التي تتجاوز الحدود والأزمات، وتؤكد أن الموجة الهادئة قد تكون الأعمق أثرا والأبقى حضورا.

العبيد أحمد مروح
صحفي مطبوع وصوت من أصوات القوة الناعمة التي لا ترفع نبرتها ولا تتوسل الضجيج يجد الاحترام الكبير حتى من من مخالفيه في الرأي والفكر. لا يعرف غليظ القول ولا ينحدر إلى الإسفاف مهما تعرض للاستفزاز، بل يبلغ أهدافه في هدوء، كنسيم عليل يشق طريقه بثبات دون أن يثير العواصف. امتلك ناصية التحليل السياسي الرصين، مسندًا رؤاه إلى معلومات موثقة، واطلاع واسع، وتجربة متراكمة صقلتها سنوات من العمل الصحفي والإداري والدبلوماسي.
وبذات القدر من العمق التحليلي والدقة المنهجية، يكتب مروح في كبريات المنصات العربية الرصينة ذات الموثوقية، حيث تحظى مقالاته بمتابعة لافتة لما تتسم به من قراءة نافذة، وقدرة على تفكيك المشهد السياسي وربط تفاصيله بسياقاته الأوسع، مقدما خطابا معرفيا يوازن بين مهنية الصحافة وحكمة الدبلوماسية.
برز مروح حضورا لافتا ومتكررا على شاشات القنوات الإخبارية الكبرى، محللا للشأن السوداني بعمق واتزان، لا سيما في ما يتعلق بالتطورات العسكرية والمسارات الدبلوماسية للأزمة التي اندلعت في أبريل 2023، حيث قدّم قراءة واعية تتجاوز سطح الحدث إلى جذوره وسياقاته الإقليمية والدولية.
تقلّد منصب الأمين العام للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات لثلاث دورات، وهو موقع لا يشغله إلا من امتلك حس المسؤولية ودقة الميزان. كما عمل ملحقا إعلاميا بدولة الإمارات العربية المتحدة، مضيفا إلى رصيده خبرة عملية في الدبلوماسية الإعلامية والتواصل العابر للحدود.
هذه السيرة المهنية الثرية، بما تحمله من تنوع وتجذر، أهلته بجدارة ليُعيَّن ناطقا رسميًا لوزارة الخارجية بدرجة سفير، ثم سفيرًا لجمهورية السودان لدى الجمهورية التونسية، في مسار يعكس ثقة الدولة في كفاءته، ويجسد انتقاله الطبيعي من فضاء الكلمة والتحليل إلى رحاب التمثيل الدبلوماسي والمسؤولية الوطنية.

نسرين النمر
في مشهدنا الإعلامي الوطني، الذي يجمع بين إرث طويل وتحولات متسارعة، برزت نسرين النمر كصحفية متعددة الاهتمامات، جمعت بين العمل في مجالات الفن والثقافة من جهة، والتحليل السياسي من جهة أخرى. تنقلت بين الصحافة الورقية والعمل التلفزيوني، وقدمت محتوى اتسم بالتحليل والقراءة المبكرة للأحداث، ما أكسبها حضوراً لافتاً في الساحة الإعلامية.
اعتمدت نسرين على شبكة مصادر واسعة، مكّنتها من الوصول إلى معلومات دقيقة، كما عُرفت بقدرتها على استشراف تطورات المشهد السياسي. وفي سبتمبر 2021، وفي ظل الأوضاع الحساسة التي كانت تمر بها البلاد، نشرت تحذيراً مبكراً من مخطط انقلابي يهدد الفترة الانتقالية، قبل نحو عشرة أيام من وقوع المحاولة الانقلابية الفاشلة. هذا السبق الصحفي لاقى اهتماماً واسعاً، وأطلق عليه في الأوساط السياسية والإعلامية اسم “انقلاب نسرين”، في إشارة إلى دورها في كشف تفاصيله مبكراً.
إلى جانب عملها كمحاورة ومقدمة برامج، سواء مع فنانين أو سياسيين، اتجهت نسرين إلى العمل المؤسسي، معلنة عن مشروع إعلامي جديد. ففي فبراير 2025، كشفت رسمياً عن إطلاق قناة “العنوان 24”، كأول قناة فضائية سودانية متخصصة في الأخبار، تبث عبر قمر نايل سات. ويهدف المشروع إلى تقديم محتوى إخباري مهني، يلتزم بالمعايير الصحفية، ويوفر مساحة متوازنة لعرض مختلف الآراء.
نسرين أكدت أن إطلاق القناة يمثل تحقيقاً لحلم شخصي ومهني، وطموحاً لبناء منصة إعلامية سودانية قادرة على المنافسة إقليمياً، وتعزيز حضور الإعلام السوداني على المستويين العربي والدولي.

فتح الرحمن شبارقة
اسم يردده الوسط الصحفي بوصفه ـ عن جدارة ـ «ملك الحوارات الصحفية»، إذ يمتلك قدرة استثنائية على إدارة الحوار، واصطياد الأسئلة الذكية، واستخراج ما وراء الإجابات دون ضجيج أو افتعال. وعلى الرغم من انتمائه إلى جيل الصحفيين الشباب، إلا أن ما بلغه من نضج مهني ومهارة صحفية يتجاوز عمره المهني بكثير، ويعكس موهبة صقلتها الممارسة والالتزام والوعي بطبيعة المهنة ومسؤولياتها.
هذا التميز المبكر أهّله لتولي منصب مدير تحرير صحيفة «الرأي العام» للشؤون السياسية، إحدى صحف الوسط العريقة، وهو موقع لا يُسند عادة إلا لمن امتلك الرؤية التحريرية، وحس القيادة المهنية، والقدرة على إدارة المحتوى السياسي بحكمة واتزان، في بيئة إعلامية شديدة التعقيد والتقلب.
ويُعرف فتح الرحمن شبارقة كذلك محللا سياسيًا حاضرًا بانتظام على شاشات القنوات السودانية والعربية، حيث يقدم قراءات تحليلية رصينة للأوضاع الراهنة في السودان، تتسم بالوضوح والعمق، وتوازن بين نقل الوقائع وتفسير دلالاتها، بعيدًا عن الخطاب الانفعالي أو التبسيط المخل.
وعلى صعيد الكتابة، تنوعت إسهاماته الصحفية بين التقارير الإخبارية المتخصصة والمقالات التحليلية، وكتب لعدد من الوكالات الإخبارية ذات الصبغة الدولية، ما أتاح له مخاطبة جمهور أوسع، وتقديم المشهد السوداني بلغة مهنية تستوعب المعايير العالمية للعمل الصحفي، وتربط المحلي بسياقه الإقليمي والدولي.
نواصل بإذن الله،،،

زر الذهاب إلى الأعلى