الأعمدة

الدولة المستوردة الموروثة من المستعمر: والدولةالوطنية السودانية الحديثة التي وُلدت لأول مرة في إعتصام القيادة العامة

بقلم: محمد الفاتح حضرة
♀️مقدمة
يُعدّ عالم الاجتماع والسياسة الفرنسي برتران بادي أحد أبرز من فككوا أزمة الدولة في العالم غير الغربي
في كتابه الشهير الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي قدّم أطروحة جريئة مفادها أن نموذج الدولة الحديثة هو نتاج سياق أوروبي خالص، ثم جرى تصديره وفرضه على مجتمعات لم تمر بنفس الشروط التاريخية والاجتماعية
هذه الدولة، كما يرى بادي، لم تنبع من تطور طبيعي، بل فُرضت من أعلى، فكانت مؤسسات بلا جذور، وقوانين بلا عقد اجتماعي، وسلطة بلا شرعية 🤔
السودان… التجسيد الحي لأطروحة الدولة المستوردة
في السودان تبدو أطروحة بادي كأنها كُتبت خصيصًا عنه
دولة بحدود مصنوعة، ونخبة حاكمة لم تُنتجها حركة المجتمع، بل صاغتها السلطة والاستعمار ثم العسكر
منذ الاستقلال ظل الصراع قائمًا بين مجتمع متنوع حي، ودولة متعالية لا تفهمه ولا تمثّله
وحين عجزت عن إنتاج الشرعية، احتمت بالقمع
وحين فشلت في بناء وطن، لجأت إلى الدين أو القبيلة أو السلاح
فتحوّلت الدولة إلى أداة هيمنة لا إطار عدالة 🛑
ثورة ديسمبر… لحظة انكشاف الدولة الزائفة
لم تكن ثورة ديسمبر مجرّد احتجاج على غلاء أو استبداد
كانت لحظة مساءلة جذرية لفكرة الدولة نفسها
من يحكم
ولماذا
وبأي حق
وهنا تحديدًا شعرت كل النخب بالخطر الحقيقي
السياسيون التقليديون
الطوائف الدينية
الزعامات الاجتماعية
وقادة المؤسستين العسكريتين
الجميع أدرك أن هذا الجيل لا يطلب إصلاح الدولة القديمة، بل تجاوزها 😡
الدولة التي كانت في ذهن وقلوب شباب ديسمبر
شباب ديسمبر لم يقرأوا برتران بادي، لكنهم جسّدوا نقيض الدولة المستوردة
لم يريدوا دولة مؤدلجة ولا دولة عسكرية
بل دولة–وطن
دولة مواطنة لا امتياز
كرامة لا وصاية
عدالة لا خوف
وكانت ساحة اعتصام القيادة العامة هي التجسيد العملي لهذا الحلم 🧐
القيادة العامة… الدولة التي خافت منها النخب
في ساحة الاعتصام رأينا دولة تُولد من المجتمع لا تُفرض عليه
تنظيم ذاتي
تضامن اجتماعي
خدمات طبية وثقافية
نقاش سياسي مفتوح
أمن بلا سلاح
لم يكن ذلك فوضى، بل نظامًا أخلاقيًا سابقًا على المؤسسات
وهنا أدركت النخب أن ما يحدث أخطر من إسقاط نظام
إنه ميلاد دولة بديلة 🙄
لماذا تآمر الجميع؟
لأن نجاح نموذج القيادة العامة كان يعني نهاية كل الامتيازات بلا استحقاق
نهاية الوصاية العسكرية
سقوط تجارة الدين
تفكك شبكات الزبونية
وخضوع الجيش للمساءلة
فاختلفوا في كل شيء، واتفقوا على شيء واحد
وأد هذا البعث الجديد للدولة السودانية
فكان فضّ الاعتصام 🩸🛑
منيب… موكب الرجل الواحد الذي هزم الدولة بالخوف المعكوس!!
لم يكن استهداف الفتى النحيل منيب حدثًا عابرًا
ولم يكن خروجه وحيدًا في موكب الرجل الواحد من قرية نائية في أطراف الولاية الشمالية فعلًا هامشيًا
كان ذلك أخطر ما واجه العسكر الانقلابيون وشركاؤهم منذ فض الاعتصام
منيب لم يخرج بقوة العدد، بل بقوة المعنى
خرج بلا حزب، بلا حماية، بلا منصة
خرج بجسده الهش ليقول إن روح ديسمبر ما زالت حيّة، وإن الدولة–الوطن يمكن أن تولد حتى في أقصى الهامش
وهذا ما أخافهم 🛑
السلطات المستبدة لا تخشى الحشود فقط
بل تخشى القدوة
تخشى أن يرى الناس إنسانًا أعزل يقف في وجه دولة السلاح، فيدركوا أن الخوف كذبة
هكذا هزم غاندي إمبراطورية
وهكذا أربك مانديلا نظام الفصل العنصري
وهكذا فعل بائع الخضار البوعزيزي حين كشف هشاشة دولة بوليسية كاملة
ومن ذات السلالة الرمزية خرج منيب
لهذا لم يُستهدف كشخص
بل كرمز
كتذكير حي بأن ما قُتل في القيادة العامة لم يمت
من الشارع إلى المحاكم… حرب على الفكرة لا على الأشخاص
حين عجزوا عن كسر روح ديسمبر في الشارع
نقلوا المعركة إلى القضاء
فباتت النيابة العامة أداة سياسية
وباتت المحاكم مسرحًا للانتقام
وصار الإعدام والسجن المؤبد سلاحًا ضد من يحملون شرعية أخلاقية لا بنادق 😡
إنهم لا يحاكمون أفرادًا
بل يحاكمون فكرة
ولا يُصدرون أحكامًا
بل يعلنون خوفهم ‼️
الخاتمة… الصدمة التي لم يتوقعوها
بعد كل المؤامرات
من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة
إلى الانقلاب
إلى إشعال هذه الحرب العبثية
ظنّت النخب السياسية والاجتماعية والدينية والعسكرية أنها نجحت في كسر ديسمبر
لكن الصدمة الحقيقية كانت حين خرج لهم منيب
من أقصى طبقات الأرض
من شمال السودان المنسي
ليقول لهم إن الفكرة لم تُدفن
ولهذا زادوا وتيرة العنف
ولهذا استهدفوا رموز الثورة
ولهذا قرروا في هذا التوقيت بدء محاكمات غيابية للدكتور عبدالله حمدوك ورفاقه
لأنهم أدركوا أن الخطر لم يعد موكبًا
بل وعيًا
ثورة ديسمبر المجيدة لم تمت ولن تموت
لأنها صارت ملكًا لكل من لم تتلطخ يداه بدم
ولم يأكل المال السحت
ولم يبع الآخرة بفتاوى مدفوعة الأجر مقابل الحظوة والسلطان 😡🛑
الدول المستوردة تزول
أما الدول التي تولد من الناس…
فتعود مهما طال القمع ‼️
🧐🫵ديسمبر ما كانت هتافًا فقط..
كانت لحظة نقاء إنساني نادرة
ومن يبكي عليها اليوم…
هو نفسه القادر بإذن الله على حمايتها غدًا بالكلمة، وعلي إستعادتها بالصدق والثبات علي الموقف، وبالشجاعة الهادئة..
أيها الطيبون رفاق وأحباب الشهيد بإذن الله الاستاذ أحمد الخير ..
خُذ وقتكم وأملأوا صدوركم بالأمل..
امسحوا دموعكم ..
فديسمبر عبد العظيم وعباس فرح ومحجوب وكشة ، باااااقية و قاااادمة إليكم
وما يصنعه عبدالله حمدوك وخالد سلك ورفاقهما ، ماهو
إلا بشارة الله إليكم ..
#ثورة_ديسمبر
#الدولة_الوطن
#منيب
#القيادة_العامة
#السودان

زر الذهاب إلى الأعلى