الأعمدة

معسكر العفاض ،،،،،حين تتحول الضيافة إلى قنبلة موقوتة

✍️ محمد بلال كوداوي
في زمن الحروب تختلط المشاعر بين الرحمة والخوف، وبين واجب الإغاثة وحق حماية المجتمعات. فالنازح ليس خصماً، بل ضحية حربٍ قاسيةٍ اقتلعته من أرضه، لكنه في الوقت نفسه جزء من معادلة اجتماعية وأمنية لا يمكن تركها للفوضى أو العاطفة وحدها.
في الإقليم الشمالي اليوم يبرز معسكر العفاض بوصفه نموذجاً لحالة تحتاج إلى وقفة عقلانية قبل أن تتحول إلى أزمة أكبر. فالمشكلة ليست في وجود النازحين أنفسهم، فهؤلاء أهلنا وإخوتنا فرّوا من أتون الحرب، وإنما في الطريقة التي يُدار بها هذا الملف.
التجارب القريبة أمامنا، بل ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة.
فالعشوائيات التي طوقت الخرطوم لسنوات لم تبدأ كمدن موازية، بل بدأت كإيواء مؤقت، ثم تمددت بلا تخطيط، وتكاثرت بلا تنظيم، حتى أصبحت واقعاً صعب التفكيك. وعندما جاءت الحرب تحولت تلك المناطق إلى بؤر معقدة أمنياً واجتماعياً، فدفعت العاصمة ثمناً باهظاً.
والأمر نفسه يمكن أن يُقرأ في تجربة الكنابي في ولاية الجزيرة، حيث بدأت الفكرة كحالة عمالة موسمية واستضافة إنسانية، لكنها مع مرور الزمن تحولت إلى ملف اجتماعي وسياسي شديد التعقيد، بسبب غياب التنظيم والتخطيط منذ البداية.
لهذا فإن الخوف اليوم ليس من الناس، بل من الفوضى.
فالفوضى وحدها قادرة على تحويل أي تجمع بشري إلى مشكلة، حتى وإن بدأ بنيّة طيبة.
إن وجود معسكر كبير داخل نطاق مجتمعات مستقرة، من دون رؤية واضحة لتنظيم السكن، وضبط التوسع، وتحديد المدد، وتوفير بدائل مستقبلية، يعني ببساطة أننا نعيد إنتاج الأخطاء نفسها التي دفعت البلاد ثمنها مراراً.
المجتمعات الشمالية معروفة بكرمها وشهامتها، وقد فتحت أبوابها للنازحين كما فعلت مناطق كثيرة في السودان، لكن الكرم لا يعني غياب الدولة، والرحمة لا تعني ترك الأمور بلا تنظيم.
فالدولة وحدها هي القادرة على تحويل الاستضافة من حالة فوضوية إلى سياسة إنسانية منظمة، عبر:
• تخطيط واضح لمواقع المعسكرات.
• تحديد الضوابط القانونية للإقامة.
• توفير الخدمات تحت إشراف رسمي.
• وضع خطط انتقال أو عودة عندما تسمح الظروف.
أما ترك الأمر لمرور الزمن وحده، فهو أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن المشكلات الكبيرة تبدأ دائماً بتفاصيل صغيرة تُترك بلا معالجة.
ولهذا فإن الرسالة لأهل الشمال ليست دعوة لرفض النازحين، بل دعوة للوعي والتنظيم قبل أن تتفاقم الأمور. فالتاريخ القريب علمنا أن تجاهل الإشارات المبكرة قد يقود إلى أزمات يصعب احتواؤها لاحقاً.
لقد دفع السودان ثمناً قاسياً من الفوضى والعشوائيات والصراعات المحلية، ولا أحد يريد أن يرى تلك التجارب تتكرر في مناطق كانت دائماً رمزاً للاستقرار والتعايش.
ولهذا نقولها بوضوح:
انتبهوا… فالمجتمعات التي تتعلم من تجاربها تنجو، أما التي تتجاهل الدروس فتعيد دفع الفاتورة نفسها مرة بعد مرة.
وكما يقول المثل: المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين
لكن المؤلم في واقعنا أننا أحياناً نُلدغ من الجحر عشرة مرات .

زر الذهاب إلى الأعلى