الأعمدة

مع كوكب الشرق

عبد الكريم البليخ
تفوح الكلمات، حين تُستدعى سيرة كوكب الشرق، بعطرٍ لا يشبه سواه؛ عطرٍ يتكوّن من اتساق المعنى، وبهاء الإحساس، ووقار التجربة الإنسانية حين تبلغ ذروتها. مع أم كلثوم لا يكون الصوت مجرّد ذبذباتٍ موسيقية، بل حالة وجودية كاملة، يتلاقى فيها الفردي بالجماعي، والخاص بالعام، والوجدان الشعبي بالتأمل العميق في معنى الحب، والانتظار، والخذلان، والرجاء.
كان حضورها مختلفاً؛ وقفتها على خشبة المسرح أشبه بطقسٍ روحي، تتجلّى فيه الثقة لا بوصفها تعالياً، بل بوصفها يقيناً داخلياً بأن الفن رسالة ومسؤولية. لم تكن تغنّي فقط، بل كانت تُنصت للجمهور كما يُنصت الحكيم لنبض الجماعة، فتمنحهم صوتاً لما يعجزون عن قوله، وتعيد صياغة مشاعرهم في قالبٍ موسيقي يليق بعمقهم الإنساني.
في أغنياتها، من “أنت عمري” إلى “الأطلال”، ومن “سيرة الحب” إلى “فات الميعاد”، “عودت عيني على رؤياك”، “يامسهرني”، “كل ليلة وليلة”، “فكروني”، “الحلم”، “أنساك”، “حكم علينا الهوى”… وغيرها وغيرها، كلها أغاني طربية أمتعتنا بها النجمة الأبقى. النجمة الاستثناء في كل الفصول.
لا نجد مجرد قصص عشق، بل مرايا نفسية واجتماعية تعكس تحوّلات الإنسان العربي: خوفه من الفقد، شغفه بالوفاء، صراعه بين العقل والقلب، وحنينه الدائم إلى معنى ثابت في عالم متقلّب. كانت الكلمة عندها تقف منتصبة، متّزنة، لا تفرّط في صدقها، ولا تتنازل عن جمالها، فتصل إلى المستمع محمّلة بثقل التجربة وشفافية الشعور معاً.
أم كلثوم لم تكن نجمة مرحلة، بل ذاكرة حيّة، ووجداناً ممتداً عبر الأجيال. في صوتها ألفة تشبه البيت الأول، ومحبّة تشبه الأم، وشوق لا يهرم. لذلك، لا نذكرها بوصفها ماضياً منتهياً، بل حضوراً دائماً يعيد تذكيرنا بأن الفن الحقيقي قادر على تهذيب الروح، وجمع الناس حول إحساسٍ إنساني واحد.
هي أم كلثوم… تحفة الشرق الخالدة، التي تستحق منّا حباًّ لا يَخفت، ووفاءً لا يزول، ورحمةً تليق بروحٍ وهبت العالم كل هذا الجمال.

زر الذهاب إلى الأعلى