الأعمدة

مدلولات زيارة البرهان لنازحي الفاشر بالدبة بين التكسب السياسي وصنع تأييد لاستمرار الحرب العبثية فوق الجراح

بقلم: المحامي والمستشار القانوني/مهيد شبارقة
مقدمة:
الزيارة التي أثارت التساؤلات أكثر مما أجابت
في مشهد سياسي واجتماعي بالغ التعقيد جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى نازحي مدينة الفاشر في معسكرات منطقة الدبة بشمال السودان لتفتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول #مغزى هذه الخطوة في توقيتها الحساس.
فبينما البلاد تنزف من أطرافها في حرب عبثية مدمّرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجد كثيرون في هذه الزيارة محاولة واضحة #للتكسب السياسي #واستدرار العواطف في معركة كسب التأييد الشعبي لمواصلة الحرب لا لوقفها.
فالبرهان الذي بدا كأنه يحاول استعادة صورة “#المنقذ الوطني” وسط ركام المأساة ظهر أمام عدسات الكاميرات محاطاً بالنساء والأطفال النازحين متحدثاً عن #انتصارات الجيش وضرورة مزيد من الصبر حتى تطهير البلاد من المليشيا المتمردة في خطاب عسكري أكثر منه إنساني.
لكن خلف هذا المشهد الدعائي تقبع دلالات سياسية واجتماعية وأمنية لا يمكن إغفالها.
أولاً: #بين الرمزية العسكرية والاستثمار السياسي:
فالزيارة لم تكن عفوية أو إنسانية بالمعنى الخالص بل جاءت ضمن سلسلة تحركات يقودها البرهان في المناطق الشمالية التي تشكّل اليوم قاعدة آمنة نسبياً للجيش ولحلفائه من القيادات التقليدية والدينية أراد البرهان أن يبعث برسائل مزدوجة:

الأولى #للشان الداخلي مفادها أن #القيادة لا تزال قريبة من المواطن” رغم الحرب والخراب.

#والثانية للخارج، تؤكد أن قائد الجيش ما زال #يحتفظ بعمقه الشعبي والسياسي في الشمال في مواجهة الدعم السريع الذي يحاول كسب تعاطف الهامش.
إلا أن هذه الرسائل بدت متناقضة مع واقع مأساوي يعيشه النازحون أنفسهم من الذين فقدوا بيوتهم في دارفور بسبب حربٍ يديرها الطرفان ولم يجدوا حتى اليوم اعترافاً حقيقياً بمعاناتهم أو التزامات عملية لإغاثتهم.
ثانياً: #النازحون كوقودٍ لخطابٍ تعبوي جديد
من اللافت أن البرهان لم يتحدث عن ترتيبات العودة أو خطط الإغاثة أو الحلول الإنسانية بل ركّز خطابه على واجب #الدفاع عن الوطن والوقوف مع القوات المسلحة حتى النصر”.
وهو ما جعل الزيارة في نظر كثيرين من المراقبين #استثماراً دعائياً في مأساة النزوح لا سعياً لإنهائها.
فالنازحون الذين يعيشون بين خيام بائسة وتحت ظروف مأساوية من الجوع والعطش والمرض وجدوا أنفسهم في قلب دعاية سياسية جديدة تحاول تحويل معاناتهم إلى رمزية في معركة #الكرامة الوطنية المزعومة التي يرفعها البرهان شعاراً لاستمرار الحرب العبثية.
فأحد العاملين في منظمات الإغاثة بالمنطقة والذي رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية – قال لاحدي الصحف:
ان الزيارة لم تغيّر شيئاً في واقع النازحين ولم تُقدَّم أي مساعدات فعلية، بل كانت امخصصة للإعلام وجاءت بعد أيام من تحركات قادة الجيش في الشمالية وكأن الهدف منها #إثبات الحضور لا أكثر.
ثالثاً: #حسابات ارزقية الشمال والتحشيد الصامت:
من الناحية الجغرافية والسياسية تمثل #الدبة وشمال السودان عموماً منطقة رمزية حساسة في الحسابات الراهنة للبرهان فالشمال هو #الحاضنة التي يحاول الجيش إعادة تشكيلها كقاعدة دعم سياسي ومالي واجتماعي لاستمرار الحرب في ظل فقدانه السيطرة على العاصمة ومعظم مدن الوسط والغرب من ناحية التأييد.
فزيارة البرهان لنازحي الفاشر في الدبة تأتي في هذا السياق كرسالة ضمنية بأن #المركز الجديد للدولة” بات في الشمال، وأن دعم الحرب من هناك واجب وطني.
غير أن هذا التحشيد الصامت يحمل في طياته مخاطر عميقة إذ يُعيد إنتاج #خطاب التمايز الجهوي الفعلي ويغذي الانقسام بين مناطق السودان المختلفة بما يهدد بانزلاق البلاد نحو مزيد من التشظي.
رابعاً: #الإعلام الرسمي ودبلوماسية الصورة
رافقت الزيارة تغطية إعلامية مكثفة من القنوات الرسمية وصفحات الجيش على المنصات الرقمية حيث أُنتجت مقاطع دعائية تُظهر البرهان #محاطاً بالأطفال والنساء مع موسيقى وطنية وشعارات عن النصر والكرامة لكن في المقابل تناقلت منصات محلية ودولية صوراً أخرى لواقع النازحين بعد مغادرة الوفد الرسمي فأطفال جياع ونساء في صفوف المياه ورجال منهكون من انتظار الإغاثة التي لا تأتي اصلا.
وهذا التناقض بين الصورة الدعائية والواقع الفعلي يعكس طبيعة الحرب الإعلامية الموازية الدائرة في السودان، حيث يُستخدم #المشهد الإنساني” كسلاح سياسي لإعادة تشكيل الرأي العام المنهك.
خامساً: #هل هي رسالة للخارج أم مناورات داخلية..؟
بعض المحللين يرون أن زيارة البرهان إلى نازحي الفاشر بالدبة كانت موجّهة أيضاً إلى #المجتمع الدولي، في محاولة لتقديم نفسه #كـقائد شرعي مسؤول عن النازحين في مقابل اتهامات حقوقية متزايدة لقائد الجيش بارتكاب انتهاكات في دارفور والخرطوم.
وفي هذا السياق تبدو الزيارة جزءاً من معركة دبلوماسية ناعمة يسعى من خلالها البرهان لاستعادة التعاطف الغربي والإقليمي عبر إظهار الجيش كـالطرف المنضبط مقابل قوات الدعم السريع التي تُتهم بارتكاب فظائع واسعة غير أن هذا المسعى يصطدم بموقف إنساني متدهور وبفقدان الثقة الشعبية في كل الأطراف المتحاربة بعد عام ونصف من النزوح والموت والدمار.
سادساً: #بين الخطاب العسكري ومطلب السلام الغائب:
فالمفارقة الكبرى في خطاب البرهان أمام نازحي الفاشر هي غياب أي إشارة واضحة لوقف الحرب أو لإطلاق عملية سياسية جديدة.
الحديث كان كله عن النصر والتعبئة والصمود وكأن الحرب قدرٌ محتوم لا فكاك منه.
في حين أن هؤلاء النازحين أنفسهم هم الشاهد الأبرز على #فشل الحرب في تحقيق أي هدف سوى #التهجير والمآسي.
يقول أحد شيوخ النازحين في حديث:
(#نحن نريد السلام لا النصر) فما ذنب أطفالنا..؟
الحرب أكلت كل شيء… حتى قلوب الناس”.
سابعاً: #الدلالات الأعمق – حين تُستخدم المأساة لتبرير استمرار الحرب:
على مستوى التحليل الرمزي يمكن قراءة الزيارة بوصفها محاولة لتسويق الحرب باعتبارها مشروعاً وطنياً جامعاً رغم أنها في الواقع /حرب داخلية بين مكونات السلطة ذاتها فقدت بوصلتها.
فالبرهان بدا كأنه يريد تحويل مأساة النزوح إلى أداة تعبئة جديدة ليُبرّر استمرار المعركة التي فقدت مبرراتها منذ زمن لكن مثل هذه الاستراتيجيات، وإن حققت مكاسب دعائية آنية فإنها تُكرّس فقدان الثقة بين القيادة والمواطن وتُظهر انفصال السلطة عن واقع البلاد.
#خاتمة:
فوق الجراح.لا يُبنى وطن فزيارة البرهان إلى نازحي الفاشر بالدبة بكل ما حملته من رموز وإشارات تكشف بوضوح أزمة الخطاب السياسي في السودان اليوم فبدلاً من أن تكون لحظة إنسانية للتعاطف والمراجعة تحوّلت إلى مشهد تعبوي آخر يُعيد تدوير الألم في خدمة الحرب وفي الوقت الذي تتكدس فيه /خيام النزوح كجراح مفتوحة فوق تراب الوطن يظل السؤال الأكبر مطروحاً:
هل يسعى البرهان لسلامٍ حقيقي يضمد الجراح أم لتأييدٍ سياسي لاستمرار الحرب فوق الجراح؟

زر الذهاب إلى الأعلى