الأعمدة

إن الغضب الهستيري الذي يبديه عبد الفتاح البرهان كلما طُرح ملف السلاح الكيماوي ليس دفاعًا عن الحقيقة، ولا حرصًا على سمعة الدولة، بل هو ارتباك سلطة تدرك أن الأرض تهتز تحتها

عوض ابوشعرة
بيان مواجهة ،، ،،
إن الغضب الهستيري الذي يبديه عبد الفتاح البرهان كلما طُرح ملف السلاح الكيماوي ليس دفاعًا عن الحقيقة، ولا حرصًا على سمعة الدولة، بل هو ارتباك سلطة تدرك أن الأرض تهتز تحتها.
نؤكد بوضوح لا لبس فيه أن الاتهام باستخدام السلاح الكيماوي لم يصدر عن سياسي مدني سوداني، ولم يكن نتاج خصومة داخلية، بل جاء من الولايات المتحدة الأمريكية، وتُرجم إلى عقوبات رسمية وإجراءات ذات طابع سيادي، بعد تقارير استخباراتية وتقييمات مؤسسية لا تُبنى على الشائعات ولا على الخطاب السياسي.
إن محاولة توجيه الغضب نحو خالد عمر يوسف ليست سوى هروب إلى الأمام، وبحث يائس عن خصم داخلي يُعلّق عليه الفشل في مواجهة المجتمع الدولي. فالبرهان لا يستطيع تكذيب واشنطن، ولا مجابهة أوروبا، ولا تفنيد التقارير، فيلجأ إلى شيطنة الصوت المدني الذي يضع الوقائع في سياقها الصحيح.
إن ملف السلاح الكيماوي لا يمكن فصله عن طبيعة الحرب نفسها، ولا عن واقع أن المؤسسة العسكرية ظلت لعقود مخترقة ومختطفة بواسطة الإسلاميين، الذين حوّلوها من جيش دولة إلى أداة مشروع أيديولوجي مغلق، لا يعترف بالقانون الدولي، ولا يرى في حياة المدنيين قيمة تستحق الحماية.
العقيدة التي شرعنت القتل باسم الجهاد، وبررت الإبادة باسم الضرورة، وأدارت الحروب بلا تفويض شعبي ولا رقابة مدنية، هي ذاتها العقيدة التي ترى في المحرّمات الدولية قيودًا مؤقتة يمكن تجاوزها متى ما شعر المشروع الأيديولوجي بالخطر. ومن هنا فإن الربط بين الإسلاميين داخل الجيش وملف الكيماوي ليس اتهامًا دعائيًا، بل توصيفًا سياسيًا لبنية سلطة مارست العنف بلا حدود، وتطالب اليوم بالإفلات من المساءلة.
خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في طبيعته، بل في نتائجه التي لا تخطئها العين:
فهو لا يسقط بالتقادم،
ولا يُغلق بالبيانات الإنشائية،
ولا يُدفن باتهام المدنيين بالخيانة أو العمالة.
وفتح هذا الملف في العواصم الأوروبية ليس عملًا عدائيًا ضد السودان، بل محاولة أخيرة لإنقاذ الدولة من سلطة تجرّها إلى العزلة والمساءلة الدولية، وتضعها في مواجهة العالم باسم “السيادة” بينما هي في الحقيقة تحمي مشروعًا فقد شرعيته الأخلاقية والسياسية.
إن ما يُسمّى بالإسلام السياسي لم يكن يومًا مشروع دولة، بل كان دومًا مشروع سلطة؛ يتغذّى على الخوف، ويستثمر في الفوضى، ويبرّر العنف متى ما تعارضت إرادة الناس مع بقائه. تاريخه—في السودان وخارجه—ليس سجل نهضة أو عدالة، بل تاريخ تسييس الدين، وتسليح العقيدة، وتحويل المقدّس إلى غطاء لانتهاك الإنسان.
أخلاقيًا، سقط الإسلام السياسي حين قدّم التمكين على الكرامة، والطاعة على المواطنة، والولاء التنظيمي على المساءلة. وسياسيًا، سقط حين فشل في بناء دولة، ولم يُنتج سوى حروب داخلية، وعزلة دولية، واقتصاد منهار، ومؤسسات أُفرغت من معناها.
وحين يندس هذا التيار داخل الجيوش، تكون النتيجة مضاعفة الخطر:
جيش بلا رقابة مدنية،
وحرب بلا ضوابط قانونية،
وسلطة ترى في الشعب خصمًا لا صاحب سيادة.
لسنا أمام استهدافٍ للإسلام، ولا عداءٍ للدين، بل أمام رفضٍ قاطع لتوظيفه كسلاح سياسي، وكغطاء لانتهاك القانون وحقوق الإنسان. فالدولة لا تُدار بالعقيدة، والشرعية لا تُكتسب بالقوة، والسيادة لا تُبنى على الإنكار.
إن المستقبل الذي يستحقه السودان لا يمر عبر هذا الركام، بل عبر دولة مدنية ديمقراطية، وجيش مهني واحد خاضع للسلطة المدنية، وسياسة تُدار بالعقل والمسؤولية، لا بالعقيدة والسلاح.
وغضب البرهان، في جوهره، ليس سوى اعتراف غير معلن بأن الحقيقة خرجت من دائرة الكتمان، وأن زمن إدارة الجرائم بالصمت قد انتهى.

زر الذهاب إلى الأعلى