محمد عبد الله برقاوي ..
اسمه بالكامل ..عبد الكريم عبد العزيز عبد الكريم الكابلي ..قال لي ان أصول أجداده تعود إلى أفغانستان لذا حمل اسم الكابلي نسبة الى كابول عاصمة تلك الدولة ..أما والدته كما ذكر لي بنفسه التقت عند نسبها عدة أفخاذ ولكنها انتهت في مكون الفونج .
في احدى جلساتنا الكثيرة والطويلة معه ذكرت له أنني قرأت كتابا للاستاذ الراحل محمد ادروب..فصل فيه كثيرا عن الهجرات المختلفة الجنسيات عربية وآسيوية وافريقية وخلافها على مدى عقود طويلة والتي تشكل منها مكون شرق السودان خاصة مرفأها القديم سواكن وبورتسودان وغيرها من المدن والمتاطق العريقة ..فطلب مني ذلك الكتاب بإلحاح لانه يريد الاستزادة من هذا السفر حول تاريخ هجرة اسلافه الابرار ..فلبيت له طلبه وحينها حكى لي عن أصوله تلك التي كان حظ السودان منها أن أنجبت لنا هذا الكشكول البشري الذي كنت اشبههه دائما بشجرة تنتج عدة انواع من الثمار .
فإن وصفته بالشاعر فقد تكون في حاجة لتقول إنه نعم الفنان ليس الملحن فقط ولا المؤدي وكفى بل المتمحص. الباحث والعارف بمعاني الغناء التراثي فصيحه و عاميه ..وان قلت إنه اللغوي فلن نستطع تجاوز كونه الممسك بتلابيب الغربية و المتفقه في فصاحة العامية وتراتها الشعبي شعرا وقصصا.. بل و هو المترجم المتمكن من الانجليزية كما ؤنطفها أهلها .
ما جلسنا إليه مرة والمرات الشيقة في معينه و عند محرابه كثيرة ..وما ذكر فيها بيت من الشعر من أي زمان ولونية إلا وكان الكابلي حاضرا بذكر المناسبة ومن القائل و فك لنا طلاسم معانيه بتفنيد مدهش وجاذب.
وما مر بخاطر مجلسنا معه حدث سياسي أو اجتماعي أو أدبي على مدى تاريخ السودان القديم و الحديث إلا وكان عارفا بتفاصيله وحتى حينما يخطئ احد من مجالسيه في سرد لأحد تلك الأحداث أو خلط بين شخوصها أو تداخلت عليه سطور تفاصيلها فتجد الكابلي يشد منه خيط الحديث في أدب جم دون أن بحرجه أو يستخف به. لكنه يرده إلى جادة المعلومة الصحيحة في غير ما يعكر صفو الجلسة أوتجده يستعرض سعة معرفته بالأمر في تكبر أو تباهي.
ذلك هو الكابلي الفنان الشامل والأديب المتعدد الملكات وقد ذهب و لم ينضب معينه الذي تنضح به ذاكرته الثرة وتختزنه مخيلته الخصبة .
وهو يستحق وقد رحل جسدا في غربته عن السودان الذي لطالما تعلقت به روحه فغنى له بعبارة..القومة ليك يا وطني.. ولكنه وصى قبل رحيله في مهحره أن يعود و يرقد في ترابه الذي تشكل منه وكان له أن أعيد رفاته الطاهر كما يؤوب الابطال من معارك الظفر بعد بلائهم في ميادين النصر .
تلك كانت قطرات قليلة من فيض نهر استاذ الأجيال ابن ابيه المناضل الذي كان واحدا من ابطال ثورة 24 و الذي استشف روحه الفنية هو الآخر من عبق القديس خليل فرح ..فكان الكابلي الفنان ابن الفنان ونبت شجرة تشربت من ذلك السلسل العذب و رمى لنا من غصون تنوعه الفريد كل هذه الثمار التي أسعدت الذائقة السودانية بطعمها الذي سيظل عالقا فيها ما بقيت الحياة .
وحق له أن نحفظ ما تركه لنا في منشأة ثقافية وفنية وأدبية لا تتبناها الدولة فحسب بل نجند لها كل من عرفوا عبد الكريم الكابلي و حفظوا من عطائه شيئا قل أو كثر ..لان إرث العظماء لا يموت وإن تفرق هنا وهنا وهو ما يستلزم جمعه و العض عليه بنواجز الأزمنة وجعل اضابيره مفتوحة في ارفف التاريخ ليكون نصب أعين كل الأجيال الحالية واللاحقة .
طيب الله ثراه و جعل الجنة مثواه فقد كان بارا بوطنه وأحبه ايما حب .



