وسط ارتياح ينتاب مشاعر الشارع السوداني، يواصل عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي زياراته الميدانية تفقداً لأحوال المواطنين، وتلمساً لمشاكلهم عن قرب، في إصرار واضح على أن تكون القيادة في قلب الميدان، لا على هامشه، باعتبار أن القرار السياسي والعسكري يُقاس بمدى اقتراب المسؤول من الناس، لا بعلو منصته، لذلك تبدو تحركات كباشي الميدانية المتكررة بمثابة رسالة تؤكد أن الدولة، رغم قسوة الحرب وتعقيداتها، ما تزال ترى مواطنيها وتتحسس وتسمع أنينهم.
وفي زيارته الأخيرة إلى محلية كرري بولاية الخرطوم، حيث استقر آلاف الوافدين من ولايات كردفان ودارفور، بدا المشهد أكثر كثافة في رمزيته ودلالاته، فهؤلاء المواطنون الأبرياء العزل، إنما ساقهم إلى النزوح القسري بطش ميليشيا الدعم السريع، بما ارتكبته من جرائم مروِّعة وانتهاكات جسيمة، شملت القتل والترويع ونهب الممتلكات واقتلاع الناس من جذورهم.
أن يقف مسؤول رفيع في أعلى هرم الدولة، وقائد عسكري في موقع القرار، بين هؤلاء المنكوبين، فذلك في حد ذاته فعل سياسي وأخلاقي بالغ الأثر، فالحضور وبجانب كونه تفقداً للأحوال، يمثل اعترافاً صريحاً بمعاناةٍ حقيقية، وتأكيداً عملياً بأن الدولة لم تنكفئ عن مواطنيها، ولم تتركهم نهباً للخذلان.
وخلال هذه الزيارة، لم يكتفِ الفريق كباشي بالاستماع، بل حرص على بث رسائل تطمين واضحة، حملت قدراً كبيراً من الواقعية والصدق، فقد أكد الرجل أن تطهير البلاد من التمرد بات قريباً، وأن ترتيبات تجري بالفعل على الأرض لتهيئة عودة الوافدين إلى ديارهم، في كردفان ودارفور وسائر المناطق التي دنّسها التمرد، وهي تطمينات لا يمكن فصلها عن سياق عسكري وميداني يشهد تقدماً ملحوظاً، ما يجعلها أقرب إلى الوعد المسؤول منها إلى الخطاب التعبوي.
ولا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الإشادة الصريحة التي قدمها الفريق شمس الدين كباشي لسلطات ولاية الخرطوم، بقيادة الوالي أحمد عثمان حمزة، وأركان حربه في حكومة الولاية، على الجهود المتعاظمة التي بُذلت في استقبال الوافدين، وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، في ظروف بالغة التعقيد وقاسية الموارد.
فهنا يبرز اسم والي الخرطوم بوصفه أحد النماذج اللافتة في إدارة الأزمة، فقد ضرب أحمد عثمان حمزة مثالاً نادراً في الثبات والصبر، حين اختار البقاء في ولايته مرابطاً، لم يتزحزح عنها قيد أنملة، في وقت كانت فيه العاصمة ترزح تحت سيطرة شبه كاملة لميليشيا الدعم السريع في بواكير الحرب، وكان لوجود( عثمان)، ومعه نفرٌ من حكومته، أثر بالغ في تثبيت المواطنين، ومنع انهيار الروح العامة، وحفظ ما أمكن من تماسك الدولة في أحلك اللحظات.
ثم جاءت المرحلة اللاحقة، عقب نظافة الخرطوم من التمرد، لتؤكد أن هذا الثبات لم يكن موقفاً رمزياً فحسب، بل مدخلاً لعمل دؤوب استهدف استعادة الخدمات، وبسطها تدريجياً، وتهيئة البيئة لعودة النازحين واللاجئين إلى منازلهم، في معركة لا تقل شراسة عن المعركة العسكرية، لأنها معركة إعادة الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب، فما ضرَّ عثمان بعد هذا.
إن زيارة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى وافدي كردفان ودارفور في كرري، بما حملته من رسائل تطمين، وإشارات تقدير، وتأكيد على وحدة المصير، تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الحاضرة بين مواطنيها، وتبعث برسالة مفادها أن معركة الكرامة التي تدار في ميادين القتال، لها جانبٌ بل أيضاً في مداواة الجراح، وجبر الخواطر، وتهيئة الطريق لعودة الناس إلى ديارهم مرفوعي الرأس.
ونختم بالقول إن زيارة عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، للوافدين المتأثرين بالحرب في ولايات كردفان ودارفور، إنما تؤكد أن السودان، رغم كل ما أصابه، ما زال قادراً على أن ينهض بأبنائه؛ إذا صدقت النوايا، والتحمت القيادة بالميدان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.



