
كتب .. أحمد_عثمان_جبريل
في عالم اعتاد أن يختزل المآسي في أرقام، وأن يتعامل مع الشعوب المنكوبة كملفات عابرة، يكتسب بعض الخطاب السياسي قيمته لا من حدّته، بل من إنسانيته.. هكذا جاء حديث الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، عن السودان، حديثًا أعاد ترتيب المعنى قبل أن يعيد ترتيب المواقف، ووضع السياسة في موضعها الأصيل: “خدمة الإنسان لا إدارة ألمه فقط”.
❝الدولة التي تفقد بعدها الأخلاقي، تفقد قدرتها على الإقناع ولو امتلكت كل أدوات القوة. ❞
— حنّة آرندت
(1)
حين تقول سفيرة المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة، إن السودان ليس مجرد ملف سياسي، بل قضية إنسانية وأخلاقية، فهي لا تغيّر توصيفًا لغويًا، بل تعلن موقفًا أخلاقيًا واضحًا.. نعم موقفًا وصفًا اخلاقيا لمأساة السودانيبن أخرجت به السعودية بتلك العبارة، الأزمة السودانية من ضيق الحسابات الباردة إلى رحابة المسؤولية، لتعيدها إلى حقيقتها الأولى:” شعب يواجه محنة، لا ورقة ضغط في سوق المصالح الدولية الرخيصة”.
(2)
العبارة التي أشعلت المنصات: (جيران وأصدقاء).. لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل استعادة واعية لصورة حاولت الحرب طمسها.. بها أُعيد السوداني من خانة اللاجئ المُرقّم إلى إنسان كامل الحضور، له تاريخ مشترك، وجوار حي، وعلاقة وجدانية متجذّرة في الوعي السعودي.. الكلمات هنا لم تواسي فقط، بل صحّحت سردية قاسية.
(3)
الموقف السعودي تجاه السودان لم يُبنَ يومًا على الضجيج، بل على الاستمرارية.. دعمٌ إنساني بلا منّ ولا أذى، وحضور سياسي لا يتاجر بالمحنة، ودبلوماسية تدرك أن الإغاثة وحدها لا تكفي إن لم تُسند بمسارٍ ينهي أصل الأزمة.. هذا التوازن هو ما يمنح الموقف وزنه، ويخرجه من خانة ردّ الفعل إلى فضاء الفعل المسؤول.
(4)
في خطاب الأميرة ريما، لا إنكار للجرح السوداني ولا استثمار فيه.. الجرح يُفتح كما هو، بلا تجميل، ثم يُداوى بإقرار واضح أن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف عند قوافل المساعدات، بل تمتد إلى العمل الجاد لتهيئة شروط السلام والاستقرار.. هكذا تتحدث السياسة حين تنضج:” بلا عاطفية زائفة، ولا برود متعمد”.
(5)
تأكيد أن السودان أولوية في الأجندة السياسية والإنسانية للرياض، رسالة تتجاوز حدود التصريح.. هي رسالة للمجتمع الدولي بأن السودان حاضر في الحسابات الكبرى، ورسالة للأطراف السودانية بأن قضيتهم مرئية ومُتابَعة، ورسالة للسودانيين أنفسهم بأنهم ليسوا وحدهم في هذا العبور القاسي.
(6)
هذا الخطاب أعاد للسودانيين مكانتهم الطبيعية في الوجدان السعودي، مكانة لم تُصنع اليوم، بل أكدتها السنوات.. فالعلاقة بين الشعبين لم تقم على ظرف طارئ، بل على تاريخ من الجوار والاحترام والتداخل الإنساني.. وحين تُستدعى هذه الحقيقة في لحظة محنة، فهي لا تُستحدث، بل تُعلن.
(7)
وفي ما بين السطور، يخرج خطاب المملكة كدعوة غير مباشرة لدول أخرى أن تعيد النظر في مقاربتها للأزمة السودانية؛ أن تتجاوز فكرة أن السودانيين مجرد أرقام في سجلات الإجراءات واللجوء، وأن ترى فيهم ما هم عليه حقًا: “بشرًا لهم كرامة، وشعبًا لا يُختزل في خانة إدارية”.
ونحن في (افق الحرف) ينبغي ان نشدد على أن هذا الخطاب لم يحلّ هذا الأزمة السودانية، لكنه بالضرورة أعاد تثبيت معناها في زمن اختلطت فيه البوصلة.. خطاب وضع المملكة العربية السعودية حيث ينبغي أن تكون:” في قلب الفعل الأخلاقي، لا على هامش التعاطف، وفي صف الإنسان، لا في منطقة الرماد..
وحين تتكلم السياسة بلسان الأخلاق، لا تحتاج إلى رفع صوتها، يكفي أن تكون صادقة.. وعندها فقط، يصل المعنى، ويستقيم الحرف. إنا لله ياخ..الله غالب.



