الأعمدة

متعة.. الكتابة …وعذاباتها..

على مدى ما يزيد عن الأربعة عقود ظل قلمي مشدودا مابين الكتابة الصحفية التي عشت في اوساطها كمتعاون غض الانامل ظللت اتعلم من كبار أساتذتها الذين اسعدني الحظ بان اجد فرصة القرب منهم في زمان كانت الصحافة على قلة مؤسساتها ولكنها ظلت تلعب دورا محوريا في تشكيل الرأي العام لالتصاقها الحميم به بالقدر الذي يجعل دهاقنة السياسة يرفعون لها قبعات التحية وبمدون حيالها اكف الاحترام والتودد سواء على مستوى تأثير كتاب الافتتاحيات النارية أو مناكفات اقلام صفحات الرأي الحر أو حتى رسومات الكاريكاتير التي كانت تلخص احداثا كبيرة ومواقفا خطيرة تختزلها في صورة صغيرة يتبعها تعليق لا يتجاوز بضع كلمات واحيانا تكون الصورة ناطقة دون تعليق حتى .
غير أنني رغم كل ذلك الجوار الممتع والمفيد قريبا من ظلال دور الأيام والصحافة الضخمتين و بعض الاصدارات المحببة إلى النفس إلا ان الغربة اخذتني مضطرا ان اركب امواجها إلى شواطئ ليست بعيدة نسبيا ولكن دون أن تقتل في نفسي ذلك الشغف الدافق في الاعماق وولعي بالكتابة فظللت اتواصل مع تعلقي بالحرف الذي اختلط فيه مداد الصحافة الممتع في استطالة سرده مع عبير الشعر الذي يحلو حتى في عذابات اعتصار رحيقه من زهرات الوجدان واستخلاصا من نسمات الروح .
وكانت الهوايتان تتنازعان قلمي تجاذبا لاناملي كالزوجتين الضرتين تارة غيرة من الصحافة التي تجرني إلى بيت طاعتها وتغلق الباب ردحا من الزمان في وجه فضول القريض وقد نجحت في أن جعلتني أشعر بتكلس الرغبة نفورا من سهاد الشعر المجهد ذهنيا فخاصمته لفترة ما ..غير أنه لم يستسلم كعادته حينما يتلبس شفافية معشوقه وعاشقه..فكان يندو مني إصرارا واتمنع عنه خوفا من أن بتملكني ضعيفه متى ما استعصى على قريحتي الامساك بلجام جواده القوي الجموح ..فوجدت نفسي مواجها بالتحدى الكبير في أن اخوض تجربة العودة صاغرا الى بيت القصيدة اي الضرة الأخرى دون أن أطلق ضرتها الاولى الصحافة وفي غير مفاضلة في تفاوت الحب و تحملا لمحاولات فضيلة العدل المستحيل طبعا . و كان التصالح بقطعة حرير ناعم التودد كترضية للضرة الغاضبة نسجتها من خيوط الاوبة و ارسلتها لبرنامج في رياض الشعر الذي كان يقدمه عبر إذاعة لندن الاذاعي محمد سلمان ويعقب على القصائد المختارة بعناية استاذ الادب العربي الدكتور الراحل علي شلش طيب الله ثراه ..وكان لفوز تلك القصيدة وصولا إلى مسامع الأثير و لما أحدثه من فرح في نفسي في ذلك الزمن المبكر من اختبار تجربتي مع نمط الشعر الفصيح فتحا لشهية العودة إلى محراب الشعر والتصالح معه بتلك القصيدة التي كان عنوانها (شعري )
ومضمونها مغازلة للشعر نفسه وخطبا لوده الذي لم يكن مفقودا أو ينقطع عن مناجاة الدواخل في يوم من الايام.. ولكنه من قبيل خصام الدلال بيننا كعاشقين حيث أعادت تلك القصيدة مياه التصالح بيننا الى مجرى بحر التصاقي من جديد والى يومنا هذا..
فقلت في جانب من قصيدة التصالح تلك ..

يا نشيدا …فجر العمر..
دروبامترعات بالأماني..
اسقني منك صفاءا .
وتجرع من دناني..
إنما الدنيا ربيع ..
كعبير الزهر فاني..
فلنخلد في سطورك ..
ذكريات من زماني..
كم سهرنا نتناجى..
مثلما همس الثواني..
تجتلي أشجان ليلي .
كلما الحزن اعتراني..
وكم نسجنا… امنيات..
داعبت… صبا يعاني..
من خميلات الخيال..
وسر اهات الغزواني ..
و افترقنا ثم عدنا ..
إذ اصابك ما دهاني..
شفك الوجد نديمي..
والصدى منك دعاني ..
فرشفنا من رضاب. .
الحب انخاب التداني..

مع تحياتي للجميع..

زر الذهاب إلى الأعلى