الأعمدة

*استقالة مورغان ماكسويني: أزمة الثقة تضرب داونينغ ستريت بعد فضائح اللورد مندلسون وملفات إبستين*

مقدمة:

في تطور سياسي وإعلامي مدوٍ، أعلن مورغان ماكسويني، كبير مستشاري ورئيس موظفي مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته مساء الأحد 8 فبراير 2026، على خلفية تداعيات فضائح اللورد بيتر مندلسون، السياسي المخضرم وأحد أبرز رموز حزب العمال في عهد توني بلير وغوردون براون. جاءت الاستقالة بعد أن تحمّل ماكسويني علنًا مسؤولية ترشيح مندلسون لمناصب استشارية مؤثرة في الحكومة، واعتبر أن تعيينه كان “خطأً سياسياً وأخلاقياً” في ضوء ما تكشف من ارتباطات وشبهات أثارتها وثائق إبستين الأخيرة.

الحدث لم يكن مجرد استقالة شخصية نافذة، بل زلزال سياسي يضرب قلب حكومة ستارمر التي تواجه أول اختبار حقيقي لمصداقيتها الأخلاقية والسياسية منذ توليها السلطة.

 

أولاً: خلفية الأزمة – من وثائق إبستين إلى فضائح مندلسون

بدأت الأزمة مع نشر دفعات جديدة من وثائق التحقيقات الأمريكية في قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين مطلع فبراير 2026، والتي تضمنت إشارات إلى لقاءات وعلاقات اجتماعية جمعت إبستين بعدد من الشخصيات السياسية والاقتصادية في أوروبا، من بينها اللورد بيتر مندلسون.

مندلسون، الذي شغل سابقاً مناصب وزارية بارزة في حكومات حزب العمال، بينها وزارة الأعمال والتجارة، وعضوية مجلس اللوردات، كان قد عاد إلى دائرة الضوء في عهد كير ستارمر بصفة مستشار غير رسمي في ملفات اقتصادية واستراتيجية. غير أن ظهور اسمه في الوثائق الأمريكية، وما تبع ذلك من تغطيات صحفية مكثفة، وضع الحكومة في موقف حرج أمام الرأي العام.

الضغوط تصاعدت بعد أن كشفت صحيفة The Guardian وBBC News أن مورغان ماكسويني، كبير موظفي داونينغ ستريت، هو من أوصى بتعيين مندلسون في تلك الأدوار الاستشارية، مستنداً إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات الاقتصادية والعلاقات الأوروبية. ومع تفاقم الجدل، أعلن ماكسويني تحمله المسؤولية الكاملة عن القرار .

ثانياً: مورغان ماكسويني – مهندس صعود ستارمر إلى السلطة

يُعد مورغان ماكسويني أحد أبرز العقول التنظيمية في حزب العمال خلال العقد الأخير. فقد كان المدير التنفيذي لحملة كير ستارمر الانتخابية التي أعادت الحزب إلى الحكم بعد سنوات من المعارضة، ووصفته الصحافة البريطانية بأنه “العقل المدبر” لاستراتيجية ستارمر السياسية والإعلامية.

استقالته تمثل خسارة فادحة لرئيس الوزراء، ليس فقط على المستوى الإداري، بل على مستوى الثقة والرمزية. فالرجل الذي ساهم في بناء صورة ستارمر كقائد نزيه ومنضبط، وجد نفسه مضطراً للرحيل بسبب أزمة تمس جوهر تلك الصورة.

 

ثالثاً: اللورد مندلسون – من “مهندس العمال الجدد” إلى محور الجدل

بيتر مندلسون، أحد أبرز رموز “العمال الجدد” في تسعينيات القرن الماضي، كان شخصية مثيرة للجدل منذ بداياته السياسية. عُرف بدهائه السياسي وصلاته الواسعة داخل المؤسسة البريطانية، لكنه واجه على مدار مسيرته أكثر من أزمة تتعلق بالشفافية والمصالح الخاصة.

ورغم خروجه من المشهد التنفيذي منذ سنوات، فإن عودته إلى دائرة النفوذ عبر حكومة ستارمر أثارت تحفظات داخل الحزب، خاصة بين الجيل الجديد من النواب الذين رأوا في ذلك “عودة لظلال الماضي”. ومع ظهور اسمه في وثائق إبستين، تحولت تلك التحفظات إلى عاصفة سياسية وإعلامية.

الصحف البريطانية، وعلى رأسها The Times وDaily Telegraph، نشرت تقارير موسعة عن علاقات مندلسون الاجتماعية والمالية، مشيرة إلى حضوره مناسبات خاصة نظمها إبستين في لندن ونيويورك خلال العقد الأول من الألفية. ورغم نفي مندلسون لأي علاقة غير قانونية أو غير أخلاقية، فإن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل.

 

رابعاً: كير ستارمر في مواجهة العاصفة

كير ستارمر، الذي بنى سمعته على النزاهة القانونية والانضباط الأخلاقي، يجد نفسه اليوم أمام أزمة تهدد صورته العامة. فاستقالة ماكسويني، أحد أقرب مستشاريه، تضعه في موقف دفاعي أمام المعارضة والإعلام.

حزب المحافظين سارع إلى استغلال الحدث سياسيا .

أما داخل حزب العمال، فقد ظهرت أصوات تطالب بمراجعة شاملة لآليات التعيين والمشورة داخل مكتب رئيس الوزراء، معتبرة أن الأزمة كشفت عن “خلل في منظومة اتخاذ القرار” و”تأثير مفرط لشخصيات غير منتخبة”.

 

خامساً: الإعلام البريطاني – بين التحقيق والمساءلة

الإعلام البريطاني لعب دوراً محورياً في تفجير الأزمة. فقد كانت BBC أول من نشر تفاصيل استقالة ماكسويني، تلتها The Guardian بتحقيق موسع حول خلفيات العلاقة بينه وبين مندلسون.

الصحف اليمينية مثل Daily Mail وThe Sun ركزت على البعد الأخلاقي، مستخدمة عناوين مثيرة مثل: “ظلال إبستين تطارد داونينغ ستريت”، بينما تناولت الصحف اليسارية الحدث من زاوية “أزمة الحكم الرشيد” و”ضرورة إصلاح منظومة المستشارين”.

وسائل التواصل الاجتماعي بدورها تحولت إلى ساحة نقاش محتدم، حيث تصدر وسم #EpsteinFilesUK و**#MandelsonScandal** قوائم الأكثر تداولاً في بريطانيا خلال الساعات الأولى من إعلان الاستقالة مساء الأحد.

 

سادساً: التداعيات السياسية والإعلامية

تصدع في صورة الحكومة:
استقالة ماكسويني تمثل ضربة قوية لستارمر في مرحلة مبكرة من ولايته، وتضعف الثقة في قدرته على إدارة فريقه.

تراجع الثقة داخل حزب العمال:
الأزمة أعادت إلى السطح الانقسامات القديمة بين جناح “العمال الجدد” وجناح اليسار التقليدي، إذ يرى كثيرون أن عودة رموز الماضي كانت خطأً استراتيجياً.

تأثير على العلاقات البريطانية–الأمريكية:
مع الطابع الدولي لقضية إبستين، فإن أي ارتباط بريطاني بها يثير حساسية دبلوماسية، خصوصاً في ظل التعاون القضائي بين لندن وواشنطن في ملفات الفساد والشفافية.

تصاعد دور الإعلام الرقمي:
الأزمة أبرزت مجدداً قوة الإعلام الجديد في تشكيل الرأي العام، إذ انتشرت التسريبات والتحليلات عبر المنصات الرقمية قبل أن تتناولها الصحف الكبرى.

 

سابعاً: قراءة تحليلية – أزمة أخلاقية أم سياسية؟

الأزمة الحالية تتجاوز حدود الخطأ الإداري. فهي تمس جوهر العلاقة بين الأخلاق والسياسة في بريطانيا الحديثة. فحين يضطر كبير موظفي داونينغ ستريت إلى الاستقالة لأنه رشّح شخصية مثيرة للجدل، فإن ذلك يعكس حساسية الرأي العام تجاه أي شبهة تمس النزاهة.

كما أن الأزمة تكشف عن مأزق القيادة في حزب العمال: فبينما يسعى ستارمر إلى تقديم نفسه كقائد إصلاحي، يجد نفسه محاطاً برموز من الماضي، ما يضعف رسالته السياسية.

من جهة أخرى، فإن الإعلام البريطاني، رغم دوره الرقابي، يواجه تساؤلات حول مدى التوازن بين التحقيق الصحفي والضغط السياسي، خاصة في قضايا تمس سمعة الأفراد دون إدانة قضائية.

 

ثامناً: النتائج والاستنتاجات

تآكل الثقة العامة:
الأزمة ستترك أثراً طويل المدى على صورة الحكومة، وقد تؤثر على نسب التأييد الشعبي لحزب العمال في استطلاعات الرأي المقبلة.

إعادة هيكلة مكتب رئيس الوزراء:
من المتوقع أن يجري ستارمر تعديلات واسعة في فريقه الاستشاري لتأكيد التزامه بالشفافية والمساءلة.

تراجع نفوذ الحرس القديم:
استقالة ماكسويني قد تكون بداية لتقليص نفوذ الشخصيات المرتبطة بعهد بلير ومندلسون داخل الحزب.

تأثير إعلامي مستمر:
ستظل القضية مادة خصبة للتحقيقات الصحفية، خصوصاً مع احتمال ظهور أسماء جديدة في الوثائق الأمريكية.

 

خاتمة:

استقالة مورغان ماكسويني تمثل لحظة فارقة في مسار حكومة كير ستارمر. فهي ليست مجرد أزمة أفراد، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام السياسي البريطاني على التوازن بين الكفاءة والشفافية، وبين الولاء الشخصي والمسؤولية العامة.

لقد أظهرت الأزمة أن أخطاء التقدير في اختيار المستشارين يمكن أن تتحول إلى أزمات تهز أركان الحكم، وأن ظل جيفري إبستين، رغم رحيله، ما زال يطارد النخب السياسية في لندن وواشنطن على حد سواء.

في النهاية، تبقى استقالة ماكسويني درساً قاسياً في السياسة البريطانية الحديثة: أن الأخلاق ليست ترفاً في الحكم، بل شرطاً لبقائه.

 

المراجع والمصادر:

BBC News عربي، “استقالة مدير مكتب ستارمر إثر تداعيات وثائق إبستين وتورط اللورد مندلسون”، 8 فبراير 2026.

The Guardian, “Morgan McSweeney resigns over Mandelson controversy,” February 2026.

The Times, “Epstein Files Shake Downing Street,” February 2026.

Financial Times, “Labour Faces Integrity Test After McSweeney Exit,” February 2026.

Sky News UK, Political Desk Reports, February 2026.

House of Commons Library, “Political Accountability and Ministerial Ethics,” 2025–2026.

زر الذهاب إلى الأعلى